يُضيِّق النّقد خياراتنا عند تناول الشعر السوري. لم يسمح النقّاد الأكاديميّون بفسحة تنوُّع حين كتبوا عن الشعر السوري ومدارسه؛ بالأحرى عجزوا عن التعبير عن تنوّع هذا الشعر وحصروه في تصنيفات ضيّقة تأثّرت بمدارسهم النقديّة. وحين باتوا يتعاملون مع شعريّة جديدة تنأى عن التصنيفات، فإنّهم اختصروا العناء وألحقوها بالمدارس القديمة ذاتها مع طمس الاختلافات، فلم يعد لدينا إلا مدرسة واسعة يمثّلها محمد الماغوط، تمكّن نزيه أبو عفش ورياض الصالح الحسين من التملّص منها بدرجة ما، ومدرسة أخرى يمثّلها نزار قبّاني، ومدرسة أصغر لأدونيس، من دون أن يفسّر النّقد مواطن الاختلاف أو أسباب هذا «الانشقاق». تغيّر المشهد الشعري جذرياً مع تيّار شعراء التسعينيات من دون مواكبة نقدية ملائمة، ولحقه تيّار شعراء الألفيّة الذين ولدوا بلا آباء فعلياً. وصار الآن لزاماً تغيير النظرة النقديّة مع ظهور نتاج الجيل الثاني من شعراء الألفيّة، أي الذين نشروا قصائدهم في العقد الثاني من الألفيّة. بل صار لزاماً أن تُطبَّق النظرة النقديّة الجديدة رجوعاً إلى الوراء: نظرة جديدة لا تنظر إلى المشهد أو التيّار بكليّته، بل إلى الروافد المحليّة التي كان لها تأثير أكبر من تأثير الروافد الشعرية المتعارف عليها. المحلّية هنا بمعنى البيئة التي كوّنت الشاعر وكوّنت قصيدته.


هل ينبغي أن نتحدّث عن شعر سوري أم عن قصائد سوريّة مختلفة باختلاف بيئاتها؟ ألا يكمن اختلاف أبو عفش عن الماغوط في اختلاف ثقافة مرمريتا عن سلميّة؟ ألا تكمن فرادة أدونيس في ثقافته الدينيّة التي تجعل القواسم المشتركة بينه وبين بدوي الجبل أكبر من القواسم التي تجمعه مع مجايليه؟ هل ستضيق النظرة النقديّة حقاً، أم ستتّسع؟ ستبدو مشروعيّة هذه الأسئلة أكبر حين نقرأ مجموعة المغيرة الهويدي البديعة «وكان البيت أخي السّابع» (دار «ممدوح عدوان»). تخيّم الحرب على قصائد المجموعة (كمعظم القصائد السوريّة الجديدة)، ولكنّ اللافت هو أنّ الهويدي اختار نقطة انطلاق مختلفة (غريبة؟)، هي الحب، وغَمَسَ قصائده في نكهة فراتيّة مميَّزة. تبدأ القصائد بالحب ولا تنتهي به، بل تبقى مفتوحةً على معانيه الرّحبة في الأنثى والمكان والبيت والهواء والوطن. يبدو الحب هنا وسيلةً أخيرة لنفض غبار الحرب العبثيّة، محاولةً بديلة لرسم سوريا التي كنّا نظنّ أنّنا نعرفها، دندنةً خافتةً لما تبقّى من سوريّتنا، ديانةً جديدة بمعنى ما تكون الأنثى فيها هي المُرشد والنبيّ والإله. صورة الأنثى في هذه القصائد أيقونيّة تذكّر بأنثى أنسي الحاج، أكانت حبيبةً أم أماً أم أختاً أم شجرةً. الأنثى هي الطريق والمحطّة. هي الذكرى والحلم والواقع البديل.
تنطلق قصائد «وكان البيت أخي السابع» من التفاصيل العابرة. تستعير من القصيدة الشفوية طقوسها اليومية ولكنّها تؤسّس لقصيدة مختلفة تنهل من الروافد الشفوية التي تجاهلها النقّاد والشعراء: من الموّال والموليّا والقصيدة المحكيّة. يقدّم المغيرة هنا محاولةً جريئةً لاستعارة المحكيّ في قالب الفصيح، وهي محاولة لا نجد روّاداً كثراً لها إلا في القصيدة الفراتيّة في دير الزور والرقة. نتذكّر هنا قصائد هنادي كدّو وعلى نحو أقل قصائد الراحل بشير عاني. لا يلجأ الشاعر هنا إلى الأساطير الشعريّة المتعارف عليها من جلجامش وتموّز وعشتار، بل إلى الأساطير المحليّة المنسيّة، إلى «السعلوّة» وتراث الجدّاث وأغاني فؤاد سالم، لا بمعنى التّماهي أو التّقليد، بل من خلال جوٍّ يستعير رحابة المحكيّ لينوّع رتابة الفصحى واللغات الأجنبيّة التي أنهكت قصائدنا. نجد في هذه القصائد بهجة التلذّذ باختلاف اللهجات، نجد الأشجارَ التي تشبهنا، والمدن التي لم تكن مدناً إلا في الوثائق الرسميّة فيما هي فعلياً قرى كبيرة، أو بيوت واسعة شوارعها ليست إلا ممرات تشبه ممرات بيوتنا. ونجد تفاصيل لن يدركها إلا أبناء المناطق البعيدة عن العاصمة، حيث المحطّات لا تعني إلا الليل، الليل المتأخر؛ رحلة الذهاب تعني الليل فيما رحلة الإياب هي النهار في الغالب، ولكنّ السفر لا يكون إلا في الذهاب.
صورة الأنثى في هذه القصائد أيقونيّة تذكّر بأنثى أنسي الحاج


سنجد بالطبع تأثيرات شعريّة أخرى متوقَّعة، كمحمود درويش. ولكنّ قصائد المغيرة تبدو مرتاحةً أكثر في المحليّات. يشبه المغيرة نفسه أكثر حين يتحدّث عن الرقّة، ويشبه غيره حين يتحدّث عن زوربا. تبدو قصائده الطويلة أجمل من مقطوعاته القصيرة المبتورة؛ نتلمّس في القصائد الطويلة بهجة الحكي والمساءات وبخار الشاي والمواويل الحزينة ورائحة البيوت ومصابيح الشارع ولذّة الانتظارات والمغازلات والهواء والنّهر الذي لا يشبه غيره من الأنهار. وسنجد أيضاً قسوة الحرب وعناد العشب وأنين الجدران وهمسات الجنود الأخيرة. سنجد قهر المنافي وثِقَل الحقائب ولهفة المشاعر المُهرَّبة بين الثياب كيلا تدنّسها أعين الغرباء.
سنلملم مدننا من قصائدنا ورواياتنا وقصصنا. يبدو أنّ هذا هو قَدَر السوريّين الذي لا فكاك منه. وهذا ما تومئ إليه قصائد «وكان البيت أخي السابع» من العنوان المدهش إلى آخر الكلمات. ما الوطن وما المدينة؟ ما البيت وما الحبيبة؟ قصائد هذه المجموعة تشبهنا إلى حدّ مؤلم. تبدو بمثابة المرآة التي نهرب منها على الدوام لأنّها ستذكّرنا بأيامنا التي مضت، حيث البيت هو الوطن، وحيث تصبح الذكرى هي وطننا الجديد. ليس الوطن هو الحقيبة كما تحاول النصوص الجديدة أن تقول، بل هو مشبك شعر امرأة وخيط البامية اليابسة والهواء المُهيَّل، وهواء هذه القصائد كلّه مُهيَّل. وفي ظل إخفاقات الرواية السوريّة المتلاحقة، هل سنقتنع أخيراً أنّ الشعر هو أجمل ما أنجبته هذه البلاد؟ لا يبدو المغيرة الهويدي معنيّاً بهذا السؤال وهو يقدّم لنا هذه المجموعة التي تبدأ بالحب وتنتهي بالجسد والحرية والليل والمرأة. مجموعة جميلة تعيد إلينا الشعر الذي نسيناه لكنّه لم ينسَنا.