هل توجد حياة بعد محو حساباتكم عن الفايسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، أي كل ما هو مرتبط بشركة غوغل؟ السؤال موجه إلى مالكي حسابات على الفيسبوك، لنقل: الفسابكة. بداية، من المسائل المهمة التي يطرحها كتاب «عشر حجج لمحو حساباتكم في مواقع التواصل الاجتماعي، الآن» (henry holt and co) لجارن لانيي، وهو من آباء الحقيقة الافتراضية (Virtual Reality) وبالتالي من أهم العاملين السابقين في تطوير موقع فايسبوك وغيره، السؤال عن سبب تقديم شركات مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخدمات المكلفة لمئات الملايين من البشر حقاً مجانياً؟ يجيب بالقول إنّ مستعملي مواقع التواصل الاجتماعي ليسوا الزبائن الرئيسيين. الزبائن الرئيسيون هم الشركات الكبرى التي تستفيد من المعلومات الهائلة التي يقدمها كل مستعمل عن نفسه، إما طواعية أو من دون معرفته، ويخضع نفسه للتضليل.

وما الذي يدفع المدعي العام الألماني، وهو ثالث أهم سياسي في البلاد، وهو من سيتسلم المستشارية في حال خلو المنصب، لتحذير مواطنيه من الموقع ودعوتهم إلى حذف حساباتهم الفايسبوكية؟ الإجابة: لأنه في موقع يسمح له بمعرفة أخطار هذا البرنامج. يحفل كتاب «عشر حجج لمحو حساباتكم في مواقع التواصل الاجتماعي، الآن» بالأمثلة على ذلك، لكننا لن نشي سوى ببعضها، لأن هدف عروضنا هو تحفيز القارئ على قراءة المؤلف.


يوضح المؤلف أن كل من يحمل الـ «سمارت فون»، يعرّض نفسه لما يطلق عليه التعديل الخوارزمي (algorithmic modification). ذلك أن هذه العملية تجمع معلومات عن الفرد، في كل ثانية كالمواقع التي تزورها على نحو أكثر، وأفلام الفيديو التي تشاهدها، وسرعة انتقالك من موقع إلى آخر، ومكانك عندما تشاهد تلك المواقع، وأين تكون عندما تقوم بكل ما سبق، ومن هم الأشخاص الذين تتواصل معهم عبر المواقع آنفة الذكر، وما تعبيرات وجهك عندما تتصل بكل فرد منهم، وعند زيارة كل موقع، وكيف يتغير لون جلدك عندما تنتقل من موقع محدد إلى آخر، وما العمل الذي كنت تقوم به قبيل عزمك ابتياع بضاعة ما، وما هي البضاعة التي قررت ابتياعها، وهل ستشارك في التصويت في الانتخابات التالية، وهل أنت حزين، وهل تشعر بالوِحدَة وهل تشعر بالخوف، وهل أنت سعيد، وتشعر بالثقة بالنفس، وهل تمرّين الآن بفترة الدورة الشهرية؟
لكن ثمة ما هو أكثر بكثير من جمع هذه المعلومات. شركات الدعاية/ التضليل تجمع هذه المعلومات لتحديد الوقت المناسب لإمطاركم بالرسائل الموجِهة التي ثبتت فعاليتها مع زبائن آخرين يتشاركون معك في الطبيعة والأوضاع. النتيجة أن كل فرد مشارك في مواقع التواصل الاجتماعي يخضع للفردنة (indivisualized) طوال فترة استعماله «السمارت فون». يشبّه الكاتب وضع الفرد المرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي بالكلب المدرب، أو حتى بجرذان التجارب المخبرية أو بالروبوت. هنا يأتي دور التجارب العلمية التي سبقت اختراق الحاسوب، التي تسمى السلوكية/behaviorism، ونتج منها ما يسمى «سكينر بوكس» skinner box، والتي تعني حصول حيوان ما في قفص على مكافأة عند إنجازه عمل ما. وامتدت التجارب لتطال البشر وكانت مؤثرة حقاً (هذه بدورها أنتجت أفلام رعب عن التحكم بعقول الأفراد والجماعات Mind control)
يقول الكاتب، إن المشكلة تكمن في أنّ المرء لا يشعر بذلك في معظم الأحوال. لذلك فإنه يحاجج، عبر عشر نقاط نذكرها في نهاية العرض، بأن هذا التحكم أضحى، على نحو مفاجئ، أمراً عادياً أو اعتيادياً. يشدد الكاتب على خطورة هذا الأمر لأنه من غير المعروف من سيستخدم هذه السلطة الجديدة.
إليكم ما يقوله شون باركر (sean parker) الذي كان أول مدير للفايسبوك: «نحن في حاجة إلى إعطائكم جرعة دوبامين (مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر في كثير من الأحاسيس والسلوكيات بما في ذلك الانتباه، والتوجيه وتحريك الجسم. ويؤدي الدوبامين دوراً رئيساً في الإحساس بالمتعة والسعادة والإدمان) لأن شخصاً ما أعجب بالبريد أو بالصورة وخلاف ذلك، التي أرسلتها أو أضاف تعليقاً عليها. إنها سلسلة من التلقيمات المحفَّزَة أو الموجهة أو المنقادة بالدوبامين (dopamine-driven feedback loops).... وهكذا لأنه استغلال الإعوار في سيكولوجية البشر، وكل مساهم في هذا البرنامج، أنا وتسوكنبرغ وسيستروم وغيرنا، فهمنا ذلك بوعي، مع ذلك فقد أنجزنا ذلك. إنها تغير علاقتك بالمجتمع، وعلاقاتك بالأفراد، وربما تتدخل في إنتاجيتك. فقط الرب يعرف ما تأثيرها على أدمغة أطفالنا».
أما تشمث باليهابتيا (chamath palihapitiya) نائب رئيس فايسبوك المسؤول عن تنمية عدد المستخدمين، فقال عن البرنامج: «إن التأثير قصير المدى لسلسلة التلقيمات المحفَّزَة أو الموجِّهة أو المنقادة بالدوبامين التي اخترعناها هو تدمير كيفية عمل المجتمع. لا خطاب مدنياً ولا تعاون وتضليل وكذب. المسألة ليست عن أميركا أو عن دعايات روسيا، إنها مشكلة كونية. إني أشعر بذنب هائل. لكننا كنا نعرف في باطننا بأننا ننجز أمراً سيئاً. إننا في وضع بائس الآن. إنه تدخّل في صميم كيفية تصرف البشر وصميم علاقاتهم ببعضهم. ليس لدي من حل سوى التوقف عن استخدام هذه المواقع».
إليكم الآن مثال عن عمل البرنامج كما يرد في المؤلف: لنفترض أن الخوارزمية تظهر لك (دعوات) لحوالى خمس ثوان إمكانية ابتياع جوارب، بعد مشاهدة مقطع لقطة يضفي عليك السرور. ستقوم الخورازمية بتجربة آلية في بعض الأحيان لرؤية تصرفك إن تم تغيير الفترة إلى أربع ونصف الثانية. هل أثر ذلك في قابليتك لابتياع الغرض المحدد؟ عندها سيتم تطبيق هذا التعديل الزمني ليس فقط في التلقيم (feed) العائد لك، وإنما أيضاً في تلقيم آلاف الأفراد الذين يتشاركون معك في أمر ما، مثل اللون المفضل أو في أساليب قيادتك.
ننهي عرضنا المقتضب هذا بسرد (الوصايا) الحجج العشر التي يوردها المؤلف وهي:
1) إنك تفقد إرادتك الحرة.
2) محو حساباتك في مواقع التواصل الاجتماعي الطريقة الفضلى لمقاومة جنون زمننا الحالي.
3) مواقع التواصل الاجتماعي تجعل منك شخصاً عَبَاماً، ثقيل الجسد والنفس ينطق بطريقة متشنجة ومتقطعة (jerk).
4) مواقع التواصل الاجتماعي تقوض الحقيقة.
5) مواقع التواصل الاجتماعي تجعل أقوالك لا معنى لها.
6) مواقع التواصل الاجتماعي تدمر مقدرتك على الاستِحساس (empathy).
7) مواقع التواصل الاجتماعي تجعل منك شخصاً غير سعيد.
8) مواقع التواصل الاجتماعي لا تريد أن يكون لديك كرامة اقتصادية.
9) مواقع التواصل الاجتماعي تجعل السياسة أمراً مستحيلاً.
10) مواقع التواصل الاجتماعي تكره روحك.

* Ten Arguments for Deleting Your social media accounts right now. henry holt and co (2018). Jaron Lanier