بهيئته الفلاحية، يهز قدمهُ اليمنى أمامي، تعلو رأسَه مظلة سوداء، يبدو على وجههِ الشرود، ساكن، يمر العبارون بجانبهِ، يدسُ أنفاسهُ في دخان سيجارته. وقفت لبرهة أحدقُ فيه، رفع رأسه فلاحت لي عيناه من بعيد، عيناه تدمعان.

مرتَ دقائق، ما زلنا نحدقُ في كِلانا، لّوحَ لي بيدهِ اليسرَى، تمتمتُ شيئاً غير مفهوم، وأنا أشير إليه بأصابع يدي اليمنى، كاد الشارع يخلو من المارة، من العربات، المطر يزداد، ما زلتُ واقفة، «تباً» لِمَ لم أجلبْ مظلتي وأنا قد قرأت النشرة الجوية مسبقاً.
ركضت إلى الجانب الآخر، ألقيتُ بجسدي المبلل إلى جوارهِ، كان وجهي متوتراً، حذارِ.
مدّ مظلته باتجاهي. تناول كفي: -باردة. -قليلاً.
سحب كفيَّ بخفة، دسها في جيبِ معطفهِ وأطبق عليهما. بعد دقائق من الصمت، جاء صوتهُ:
-والآن؟
- أفضل.
- السماء غاضبة اليوم.
- مثقلة بشكوانا.
– وأنتِ؟
- متعبة حد الامتلاء.
- عيناكِ حزينتان.
– أعلم.
- هو؟
- كلا.
- من إذاً؟
- من اللاشيء وكل شيء.
- ما رأيكِ أن نتحدثَ عما يثقلنا، نفترشُ هذه الأرض، وهذه الساعة على أن نكمل حديثنا قبل انقطاع المطر؟
- موافقة.
أعتصر كفيَّ في جيبهِ قائلاً:
- يداكِ دافئتان.
- كحرقة قلبي، خمن ماذا في يديَّ؟
- دعيني أرى.. ولّاعة؟
- لا..
- لا أدري!
- قطرةُ مطر.
* العراق