في البدء

في البدء كانت الطعنة؛
خَلَقَ الخنجرُ الجرحَ
على صورته
ثم ابتعد
يبحثُ عن جسد
آخر
وبكى الجرح
أربعين يوماً
ثم التأم
صار قلباً
وزحف
يبحث عن جسد
آخر

سلفادور دالي ـ «منظر مع فراشات» (زيت على ورق، 1956)

الإله الجديد
نظرنا إلى الخارطة
كلّ هذه الأنهار عبرناها
بحثاً عن الإله الجديد
قال الكهنة
إنّه ولد من أجلنا
وحين اهتدينا إلى موطنه
أبصرنا بشراً، مثلنا، يشيّعونه
في مواكب مهيبة
مشينا معهم
حدّثونا
عن كلّ تلك الأنهار التي عبروها
بحثاً عن الإله الجديد
الذي قال الكهنة
إنّه مات من أجلهم

مشهد
  الشمسُ تزاول مهنتها بحياد 
السماءُ صامتة 
(الغيوم هربت)
الريحُ متعبة
ومشتّتة 
الأشجار تحصي 
الجثث المسجّاة

في حياة قادمة
في حياتي القادمة
لن أكون «أنا»
سأكون زهرة بريّة
تستلقي على سفح تلّ بعيد
تستريح عليها الفراشات
قد يقطفها طفل
لا يعرف الحروب
يأخذها إلى أمّه
يضعها بين نهديها
تقبّله
تشمّني
وأشمّها
. . .
في حياتي القادمة
لن أكون

وشوشة
الرجل الذي سكنني
كلّ تلك السنين
وشوشني قبل أن يموت:
«أريد أن أظلّ هنا،
معك»
وها أنذا أحمل رفاته معي
وكلّ صباح نرتدي
كفناً جديداً

فراشة سوداء
هذه الفراشة السوداء
دقيقة هاربة
من ليل ميّت
تبحث
عن وردة
لتضعها على قبره
لكنّها بلا أصابع
والورد ثقيل

خريف
بعد آخر ورقة
قالت الشجرة:
نزفت كل ما عندي
اليوم
وأكملتُ لك
خريفك

ثلاث زنابق
ثلاث زنابق،
أم ثلاث أمّهات؟
. . .
ثلاث زنابق:
الأولى تفتّحت
كأن بتلاتها البيضاء تتضرّعُ
تسألُ إلهاً ما
عن أولادها

الثانية انحنتْ
يكاد ظهرها ينكسرُ
إذ تبحثُ في الأرض
عن ميسمها

الثالثة ما زالت
تخبّئ وجهها
تحت وجهها
وتبكي
أتراها تعرفُ؟

ثلاث زنابق
مقطوعة السيقان
والماء نزر
في أصيص زجاجيّ
ووراء زجاج الشّاشة
ثلاث أمّهات
سوريّات

سفر الخروج
انتهى الملائكة من مهمتهم
وسُدّت الكوّة الأخيرة في السماء بالأحجار
في الظلام تصاعدت صرخات: أن اخرجوا من هنا
يا بني البشر
فهذا بيت الرب!
الأنبياء وحدهم
يحملون الفوانيس

الأغنية العمياء
الأغنية العمياء ذاتها
تقطع صمتي
في هذا الوقت من كلّ صباح
أمس كان يحملها طير
وقبله فراشة
واليوم أراها تضع يدها بيد غيمة
لا أعرف إلى أين تذهب
ولا متى تعود
كلّما حاولتُ أن أرافقها
في رحلتها
تدفعني بعيداً وتقول:
«ليس بعد»

تعريف
السماء مكتبة للنجوم
والملائكة يطيرون بين الرفوف

صيد
النهار يغمض عيونه الأخيرة
ذراعاي مجذافان متعبان
أجرجر شباكي إلى سريري
وأفرغ الدقائق
أسماكاً ميّتة
* قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، بيروت.