تعرّف الموسوعة الحرة «ويكيبيديا» عصر التنوير/ الأنوار على النحو الآتي: «عصر التنوير الذي يُعرف أيضاً باسم «عصر الأنوار»، حركة سياسية واجتماعية وثقافية وفلسفية واسعة، تطورت تطوراً ملحوظاً خلال القرن الثامن عشر في أوروبا، نشأت في إنكلترا، لكن التطور الحقيقي كان في فرنسا. تحوّل مفهوم التنوير ليشمل على نحو عام كل شكل من أشكال الفكر الذي يزيد تنوير العقول من الظلام والجهل والخرافة، مستفيداً من نقد العقل ومساهمة للعلوم». هذا التعريف المقتبس سيقودنا إلى تعريف المقصود بـ «جمهورية الأدب»، و«جمهورية الأدب العربي ـــــ الإسلام وعصر التنوير الأوروبي» (يحوي مجموعة من المصورات بالألوان ــــ منشورات جامعة هارفرد ـــ 2018) آخر أعمال ألكسندر بيفيلاكوا، الأستاذ المساعد في مادة التاريخ، والمتخصص في التاريخ الثقافي والتاريخ الفكري الحديث المبكر في أوروبا (1450-1800). تصب أبحاث بيفيلاكوا في تفحّص الفهم الغربي للتنوع الإنساني وكذلك التقاليد الدينية والفكرية غير الأوروبية، وقد قدم كتابات عديدة في مجال تخصصه نشرها في عدد من المجلات العلمية في أوروبا والولايات المتحدة.

أما موضوع كتابه الجديد، فهو شرح أسباب تحوّل الفهم الأوروبي للإسلام وثقافاته من منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر، وكيفية حدوث ذلك التحول. يقول الكاتب إنّ مؤلفه يوضح ـــ عبر ستة فصول ومقدمة وتتمة ــــ أنّ الجهد الغربي لفهم الإسلام وتقاليده الدينية والفكرية لم ينبثق من أجندة عِلمانية، وإنما من التزام أكاديمي لمجموعة من الكاثوليك والبروتستانت الذين نبذوا الآراء المتوارثة وقدموا للغرب الحديث فهماً جديداً للإسلام.


في ما يخص الآراء المتوارثة، يعرض الكتاب مجموعة من أصحابها في كتابه من بينهم ادوارد بوكوك (1604 ــــ 1691) الذي كان قسيس شركة «الليفانت» الإنكليزية في حلب، وصاحب مؤلف ‹«لُمع من أخبار العرب» Specimen historiae Arabum، إلى جانب لودوفيكو مراتشي (1612 ـــ 1700) مترجم القرآن إلى اللاتينية، والفرنسي بارتليمي ديربولو (1625-1695) صاحب العمل الموسوعي «المكتبة المشرقية» Bibliothèque Orientale الذي اعتمد فيه على معارفه باللغات العربية والفارسية والعثمانية، والمستشرق وعالم الآثار الفرنسي أنطوان غالان (1646-1715) الذي كان أول من ترجم «ألف ليلة وليلة» إلى لغة أجنبية، والأكاديمي الهولندي أدريان ريلاند (1676-1718) صاحب الرسالة الأكاديمية «عن الدين المحمدي» الذي قدم فيه تعاملاً معقولاً إلى حد ما مع الدين الإسلام. أضف إلى ذلك الإنكليزي سيومن أوكلي (1679-1720) صاحب مؤلف «تاريخ العرب» الذي نقل أخبار الفتوحات العربية للقارئ الإنكليزي، إضافة إلى مونتسكيو وفولتير، وأخيراً وليس آخراً إدوارد غيبون (1737-1794) صاحب الموسوعة الكبيرة «صعود الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» حيث خصص المجلد الخامس لصعود الإسلام.
لقد أسهمت أعمال العلماء السابقين وغيرهم ممن أشار إليهم الكاتب، في تغيير الفكرة عن الإسلام وتقاليده وفكره التي كانت سائدة قبل ذلك، وقادت إلى تصحيح الكثير من الأحكام التي ثبت خطؤها وكانت سائدة في العصور الأوروبية الوسطى. هذه المفاهيم الجديدة قادت إلى نشاط في ترجمة مؤلفات إسلامية وبروز أفكار ومدارك وتأويلات جديدة عن الإسلام، ما قاد أيضاً إلى تغيير في النظرة إلى المسلمين. أعمال أولئك المستشرقين قادت إلى اكتشاف الغرب الكثير عن المسلمين، ومن ذلك تواريخهم وحروبهم وموسيقاهم وعمارتهم وعاداتهم وتقاليدهم وشعرهم وجمال لغة القرآن، دوماً حسب الكاتب. وهو ما جعل الأوروبيين ينظرون إلى بلاد الإسلام على نحو كلي وبصفتها بنية تقاليد دينية وفكرية وأدبية تستحق الاحترام والاهتمام بها، فيما دراستها ستعطي مردوداً فكرياً وجمالياً وحتى إثراء أخلاقياً في عدد من الحقول المعرفية والفكرية.
هذا الانفتاح الجديد والعقلاني على الإسلام، قاد إلى بروز اتجاهين في دراسة الإسلام أولهما توسع دائرة الأبحاث في الإسلام، وثانيهما بروز اتجاه عقلاني متعاطف إلى حد مع الإسلام، لكنه كان الاستثناء، في أحسن الأحوال، دوماً وفق ما سجله صاحب هذا المؤلف الموسوعي والمهم.
ملخص القول: إنّ المعرفة الجديدة للإسلام كانت نتاج دراسات قام بها كاثوليك وبروتستانت من رجال دين أو أكاديميين أو أعضاء في الإخوانيات الدينية. لقد أسهموا جميعاً في تقليد إدراكي استحدث في ما أسماه الكاتب الحركة الإنسانية في التنوير، التي امتدت في أوروبا وبريطانيا. لقد تنافست هذه الشخصيات على نحو حاد، واختلفت واحتدمت في ما بينها. هؤلاء جميعهم ـــ بحسب الكاتب ــــ يمكن أن يطلق عليهم «جمهورية الأدب العربي». وهي، وفق تعريفه، حشد (community) من الأكاديميين يتكلمون لغات مختلفة وينتمون إلى مذاهب وتقاليد إيمانية عديدة وذوي آراء سياسية متباينة.
من أجل فهم الإسلام على نحو جديد، اعتمد الأكاديميون والعلماء الأوربيون على أعمال علماء مسلمين في مختلف المجالات ومنها النحو واللغة والتعليق والتصنيف والإيجاز والمنتخبات والتأريخ والسير وغيرها، والعائدة إلى العديد من العلماء والإخباريين العرب وغير العرب مثل الأندلسي ابن أبي زمنين (936-1008)، وابن العبري (1225/1226-1286)، وأبو الفدا والبيضاوي والفارسي مير خواند والعثماني كاتب شلبي.
أسهمت المعارف الجديدة عن الإسلام في أوروبا في تقويم جديد للأدب الإسلامي والاعتراف بتمرّسه، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ أوروبا. ومن هذا المنظور، فإن هذا المؤلف رواية لهذا التغير؛ تاريخ جديد للإسلام والأنوار حيث ابتدأ في تجميع النصوص الإسلامية وابتياعها وتصنيفها عبر مختلف مناطق أوروبا. كما درس صاحب هذا المؤلف مختلف المراجع الأوروبية المذكورة آنفاً عن الإسلام ومنها «المكتبة المشرقية»، ما أسهم في فهم أعمق للإسلام وتأثيرها في الكتابات اللاحقة عن الإسلام العائدة لمونتسكيو وفولتير وغبن.
انتقل المؤلف بعدها لدراسة أسباب التراجع في الأبحاث الأوروبية في الإسلام، ما يعطي الانطباع بأنها كانت «عاصفة في فنجان» كما يقال. لكن تلك «الجمهورية» تركت لنا آثاراً مهمة وفي مقدمتها أول ترجمات للقرآن إلى لغات أوروبية. لقد كان عطاء تلك «الجمهورية» محدوداً، لكن الكاتب يستعين بمقولة أبي الفدا (1321) التي استهل بها مؤلفه: «ما لا يُعلم كله لا يُترك كله، فإن العلم بالبعض خير من الجهل بالكل».

* The Republic of Arabic Letters .Harvard University Press 2018. 386 pp. Alexander Bevilacqua.