لا يمكنك أن تقرأ رواية فاتن المر «غبار 1918» (دار أبعاد - ٢٠١٩) وفق أي منهج نقديّ يعزل النص الأدبي عن بنية كاتبته الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية باختصار. لذلك، سأقارب هذه الرواية التي شدّتني ـــ وأنا المولع بالشعر والتكثيف والمزاجي جداً في الرواية ــــ وفق رؤية ثقافية تحملها فاتن المر، وتحاول أن تقدّمها في ما يصلح أن يُسمّى بلا مبالغة: الضفة الأخرى لرواية «الرغيف» لتوفيق يوسف عواد. وسأستند في هذه المقاربة إلى ثلاثة ركائز:

١- الزمن
٢- الراوي
٣- الكتابة ــــ الهوية
أولاً في الزمن:
تدور رواية «غبار 1918» في حقبة الاحتلال العثماني لسوريا ولبنان بين عامي ١٩١٤ و١٩١٨، وتمتد إلى حقبة الانتداب الفرنسي. هذا هو الزمن الحكائي للرواية. الزمن الذي توالت فيه الأحداث، ويبدو ذلك جلياً منذ العنوان الذي يشكّل الزمن ركناً أساسياً فيه مضافاً إليه لفظة «غبار». وليس الغبار إلا ترميزاً للتفتت و التشظّي وصولاً إلى التلاشي والانعدام، فيكون ذلك العام عام الانعدام والتلاشي، انعدام ماذا؟ تلاشي أيِّ شيء؟ دعوني أترك ذلك في طي المسكوت، إلى حين.. أمّا الزمن الروائي فمختلف تماماً، إذ تشكل الأحداث التي جرت في الزمن الحكائي مادةً تذكّرية، ليجد القارئ نفسه في لعبة زمنية ماكرة بين قفزة ورجعة واستباق. إذ يستعيد الراوي ذكرياته من خلال كتاب يقرأ صفحاته في مكتب والده عام ١٩٧٩ عند موت هذا الوالد، الذي غادر  بيته وعائلته خلال المجاعة الكبرى، تاركاً زوجةً وأطفالاً في مواجهة الجراد والموت والغبار.


كتاب مذكرات كتبه أحد الأبناء المتروكين في معركة الحياة والرغيف. هكذا تجد نفسك في رحلة زمنية مختلفة تنتقل من حقبة إلى حقبة بين الحاضر والماضي، في ربط تريد منه فاتن المر القول بأن الحاضر بواقعيته الميّتة هو نتيجة لذاك الزمن الذين حوّل الأمة إلى غبار. ومعلوم أنّ لعبة التخالف بين الزمنين الحكائي والروائي، هي واحدة من أمتع تقنيات الرواية الحديثة إذا ما أجاد الكاتب استخدامها. وقد فعلت ذلك فاتن المر بحرفية عالية قد يكون أحد روافدها الأساسية علاقتها بالأدب الفرنسيّ والرواية منه تحديداً، وبالمناهج النقدية الغربية التي تُدرّسها نظرياً وتُثبت فهمها إياها عملياً من خلال توظيفها في روايتها.
ثانياً في الراوي:
البعد الثاني في الرواية هو الراوي. ثمة تفاصيل كثيرة حوله وأسئلة عميقة ملحّة، أجدُني مهجوساً أمام سؤالٍ واحدٍ منها هو: لماذا تحدثت فاتن المر بلسان الراوي المذكر، بلسان الابن الذي ينقم على والده لأنّه تركه خلال القحط والمجاعة بدل أن يتفانى في البحث عن وسائل الحياة لأبنائه، لسان الابن الناقم على هروبية الأب المتناقضة تماماً مع صورة الأبوة المقاتلة المكافحة في رواية «الرغيف»؟
الكتابة إثبات للوجود والبقاء في مواجهة التيه والضياع والغبار


لقد كان بإمكان فاتن المر أن تتحدث بلسان المرأة (الابنة)، ذلك يجعلها أكثر قدرة على التعبير عن مشاعر المرأة، بوصفها امرأة، لكنها لم تفعل. بل تقنعت بقناع الابن الذكر وأجادت التعبير عن حنقه وسخطه ومشاعر اليتم الطفولي فيه وغيرها من المشاعر حتى لتكاد تنسى أنّك تقرأ رواية لكاتبة أنثى. وحسناً فعلت فاتن المر، لتخرج من ذهنية القارئ العربي ما ترسّب فيه من روايات «الأدب النسوي» الذي انطبع بطابع العاشقة المكسورة وقصص الحب المعذب. هذا النوع من الرواية الذي يحصد أعلى أرقام المبيعات عن الرفوف ولكنه يسطّح الوعي ويذبح الفكر بخيوط الأسرّة والوسائد الحريرية. 
ثالثاً: الكتابة- الهويّة:
لعل هذا الجزء هو العنصر الأهم عند فاتن المر. الكتابة حفاظ على الوجود، حفاظ على الهوية، الهوية التي تتحول إلى غبار، وتكاد تنمحي وتتلاشى. في الرواية طفلٌ أرمني يتسلل في كل يوم خارج الميتم الذي أُرسل إليه الأولاد، ويكتب شيئاً يذكره بلغته الأرمنية، ويدسّهُ في ثقب شجرة، لماذا؟ لكي لا ينسى من هو، لكي لا ينسى وجوده وهويته؟ الكتابة إثبات للوجود والبقاء في مواجهة التيه والضياع والغبار، ويراه الابن- الكاتب، ويكتشف فعلته، فيعمد هو أيضاً إلى رسم ذكرياته وإخفائها، وللسبب نفسه، لكي يظل هو هو، لكي لا يغدو رقماً في ميتم، لكي لا ينسى هويته، لكي لا يستحيل غباراً منثوراً. هنا تظهر إشكالية الكتابة- الهوية، ويتجلى موقف فاتن المر من الكتابة، نحن نكتب لنبقى، لنحيا، لنكون.. نحن نكتب لنكون نحن، لكي لا نستحيل غباراً. 
شكراً لك فاتن المر على هذه الرواية التي تستحق أن تُقرأ.. وتُقرأ من أجل أطفالنا القادمين.
* شاعر لبناني