هل كان هولدن كولفيلد ليشارك في الاحتفال بمئويّة كاتبه المفضّل؟ ليس صعباً توقّع إجابة بطل رواية «الحارس في حقل الشوفان» لج. د. سالنجر (1919 ــ 2010). على الأرجح ستأتي باللهجة العاميّة لأهل نيويورك للسخرية من المحتفلين، رامياً في وجههم الشتائم والاتهامات بالزيف. سواء أراد ذلك أو لا، فإن العالم يحتفل هذه السنة بمئويّة الكاتب الأميركي، فيما لا يزال قراؤه ينتظرون صدور مؤلفاته الخمسة التي كان قد أوصى بنشرها بين عامي 2015 و2020. ظلّ سالنجر يكتب خلال عزلته الطويلة في كوخ خشبي في نيو هامبشير، محققاً حلم بطل روايته بالعيش على طرف غابة لا يرى فيها أحداً ولا يراه فيها أحد! من الخارج، لم يكن يسمع سوى صوت آلته الكاتبة كما رأينا في شريط «سالنجر» (2013) لشاين ساليرنو. عاش الكاتب على أطراف تلك المدينة النائية، وبقي يراسل عشيقاته اليافعات، ويتنزّه في الغابات. يشاهد سينما الأربعينيات، ويكتب حوالى 15 ساعة يومياً. حتى أيامه الأخيرة، لم يكن الجندي السابق في الجيش الأميركي خلال الحرب العالميّة الثانية، قد تخلّص من رائحة الشواء في المعسكرات النازية كما أسرّ لابنته قبل رحيله. ليست الحرب وحدها ما رمى سالنجر في تلك الغابة النائية. بتعريتها الأخلاقيّة للمجتمع الأميركي، حقّقت «الحارس في حقل الشوفان» (1951) انتشاراً شعبياً لم يكن سالنجر نفسه يتوقّعه.


أسّس العمل لتوجّه الغضب في الأدب الأميركي، فيما تبناها جيل ساخط وجد في المراهق هولدن بطلاً دائماً. أما في الثقافة الشعبيّة، فقد قدّمها قاتل جون لينون كشهادة لتبرير فعلته، ووجدت في غرفة رجل حاول اغتيال رونالد ريغان في الثمانينيات. هكذا بقيت الرواية تجاور اسم سالنجر، وخصوصاً أنه ظلّ مقلّاً في النشر، باستثناء بعض القصص حول عائلة غلاس في مجلّة «نيويوركر»، قبل أن تنشر ضمن كتاب Raise High the Roof Beam, Carpenters and Seymour: An Introduction الذي أعادت دار «ليتل براون آند كومباني» الأميركية إصداره أخيراً، مع «الحارس في حقل الشوفان» و«فراني وزووي»، إلى جانب «تسع قصص» (ترجمها الشاعر الراحل بسّام حجّار في كتاب حمل عنوان إحدى هذه القصص «اليوم المرتجى لسمك الموز» ــــ الفارابي ــــ 1997). كذلك أعادت دار «بنغوين» البريطانيّة نشر هذه المؤلّفات بطبعات جديدة. استعادة أعمال سالنجر التي بيعت بملايين النسخ، تأتي ضمن احتفاليات هذه السنة بمئويّة الكاتب الذي ظلّ يتهرّب من عدسات المصوّرين. هذا الشهر، ستعرض جامعة «نيو هامبشير» للمرّة الأولى بورتريهات كانت قد التقطتها له المصوّرة الألمانيّة لوت جاكوبي خلال الخمسينيات، إلى جانب بعض مقتنيات سالنجر وأغراضه. لكن هل تنتهي هذه السنة بالإعلان عن نشر المؤلفات المجهولة لسالنجر؟ ما نعرفه أنها تحوي قصصاً يلاحق فيها سالنجر مصائر عائلة غلاس، ونوفيلا حول علاقته بزوجته الأولى سيلفيا كتبها بشكل يوميّات ضابط خلال الحرب، كما تتضمّن مسوّدة حول فلسفة فيدانتا الهندوسيّة، وقصصاً جديدة عن بطله الخالد هولدن كولفيلد.