لدينا شخصية عربية ميثولوجية قديمة تدعى «سعد القرقرة». وهي على علاقة بالشخصية الشهيرة جداً في التاريخ الأدبي «النعمان بن المنذر». إذ يقال لنا بأنّ سعداً كان أخ النعمان غير الشقيق. لكن هناك من يقول إنه كان مهرجه ومضحكه. وهذا هو مختصر قصته مع النعمان كما يورده المفضل الضبي: «زعموا أن النعمان بن المنذر اتخذ مجلساً قريباً من قصره بالحيرة... وكان للنعمان أخ من الرضاعة من أهل هجر، يقال له سعد القرقرة، وكان من أضحك الناس وأبطلهم، وكان يضحك النعمان ويعجبه... فزعموا أن النعمان قعد في مجلسه ذات يوم ضاحكاً، فأتى بحمار وحش، فدعا بفرسه اليحموم فقال: احملوا سعداً على اليحموم وأعطوه مِطرداً، وخلّوا عن هذا الحمار حتى يطلبه سعد فيصرعه. فقال سعد: إني إذن أصرع عن الفرس، وما لي ولهذا؟ قال النعمان: والله لتُحملنه، فحمل على اليحموم، ودفع إليه المطرد، وخلّى الحمار، فنظر سعد إلى بعض بنيه قائماً في النظارين، فقال: بأبي وجوه اليتامى، فأرسلها مثلاً، فألقى الرمح وتعلق بمعرفة الفرس، فضحك النعمان، ثم أدرك فأنزل، فقال سعد القرقرة:

نحن بغرس الودي أعلمـُنا
منا بقود الجياد في السـلف
يا لهف أمي وكيف أطعنـه
مستمسكاً واليدان في العرف
قد كـنت أدركته فأدركـني
للصيد جد من معشر عنـف.
أي أدركني عرق من آبائي الذين كانوا عنفاً للخيل، أي لم يكن له فروسية» (المفضل الضبي، الأمثال).
وهكذا فقد رفض سعد القرقرة - الهجري البحراني ــ أيام كانت حدود البحرين أوسع بكثير من حدودها الآن ــ أن يطرد الحمار، رامياً المطرد (الرمح القصير)، معلناً أنه وقومه أعلم بغرس النخل (الوَدِيّ) منهم بركوب الخيل للصيد: «لأن سعداً كان من أهل الحراثة والزراعة، فهو يقول: نحن بغرس الودي في الدبار والمشارات [المزارع] أعلم منا بجري الجياد» (الميداني، مجمع الأمثال).
وكما نرى من القصة، فنحن أمام شخصيتين مختلفتين: النعمان الصياد، الذي يصيد على فرسه اليحموم، وسعد القرقرة الفلاح المزارع. أي أننا مع الانقسام القديم ذاته بين المزارع والصياد، بين قابيل وهابيل، أو بين النعمان وسعد القرقرة.
ونحن نعلم أن النعمان بن المنذر الأسطوري مثيل لأدونيس. فالاثنان على علاقة بزهرة شقائق النعمان. فهذه الزهرة نبتت من دم أدونيس بعدما قتل. أي أن الشقائق هي جروح أدونيس ودمه. وكذا الأمر مع النعمان في ما يبدو. ذلك أن الشقائق هي الدم في العربية: «وقيل: النعمان: اسم الدم، وشقائقه: قِطَعه، فشبهت حمرتها بحمرة الدم، وسميت هذه الزهرةُ شقائق النعمان، وغلَب اسم الشقائق عليها» (لسان العرب).
وهكذا، فشقائق النعمان هي دم النعمان. إنها في الواقع جراحه كما هو حال أدونيس. أكثر من ذلك، فإن أدونيس ذاته يوصف بأنه «النعمان» عادة. عليه، فنحن في قصة النعمان وسعد القرقرة مع أسطورة دينية. وما دام للنعمان أخ أو مهرج، فيجب أن يكون ذا طابع ميثولوجي ديني، أي إلهي أيضاً. بذا فسعد القرقرة شخصية ميثولوجية إلهية أيضاً. واسم «سعد» ذاته يحيلنا إلى الإله «سعد» العربي الشهير.
إذن، فالنعمان قتيل مثل أدونيس، ومثل أوزيريس أيضاً. أما سعد فيبدو أنه الناجي لا القتيل. وفي المثل العربي: «أنج سعد فقد هلك سعيد». ولأنه ناج فهو سعيد. واسمه يعكس سعادته من طرفيه. فمن ناحية أولى، هو «سعد» من السعادة، ومن ناحية ثانية هو «مقرقر»، أي ضاحك، سعيد، وخليّ النفس. إذ القرقرة مثلها مثل الكركرة تماماً تعني الإغراق في الضحك: «القَرْقَرة: الضحك إِذا اسْتُغْرِبَ فيه ورُجِّع» (لسان العرب)، أي الضحك العالي المجلجل.
وليس غريباً أن يعكس اسم سعد القرقرة طبيعته، فأسماء شخصيات الأساطير تعكس طبيعتها دوماً. فجذيمة الأبرش مثلاً مرتبط بالجذام وبالبرش، أي بالبرص. أما سعادة سعد، فجعلته مهرجاً. والتهريج نوع من اختراع الضحك وخلقه. أما اسم النعمان، فيشير إلى الدم والقتل كما رأينا.
لكن اسم سعد لا يُفصح فقط عن سعادته، بل يشي بعلاقته بالإبل أيضاً. إذ أن القرقرة صوت البعير: «قَرقَر البعير قَرقَرة: هَدَر، وذلك إِذا هدل صوته ورَجَّع» (لسان العرب). يضيف الزبيدي: «القرقرة: هدير البعير... وقرقر البعير قرقرة وذلك إذا هدل صوته ورجع» (تاج العروس).
وهذا يعني أنّ سعداً جمل ضاحك هادر بشكل ما. ولأنه جمل، وجمل ناج ضاحك، فقد رفض ركب الحصان اليحموم. فمركوبه هو الناقة:
ليت شعري متى تخب بي الناقة نحو العذيب فالصيبون
محقباً زكرة وخبز رقاق وحباقاً وقطعة من نون
ولأن الحصان مرتبط بالنعمان القتيل، فإنه رمز الموت. قال سعد حين طلب منه امتطاء اليحموم: «إنى إذن أصرع عن الفرس، وما لي ولهذا؟». أما الجمل فهو السعادة والنجاة.
على كل حال، حين نكون مع الضحك والقرقرة، فنحن مع سهيل اليماني الذي يوصف بأنه «الفحل» أي الجمل الذكر. بالتالي، فسهيل فحل ضاحك أيضاً. ولأنّ سهيلاً جمل سعيد، فإن النظر إلى سهيل يورث السعادة والسرور: «النظر إلى القطب الجنوبي وإلى سهيل معاً في وقت واحد يزيل المالنخوليا، وذلك بأن ينظر العليل إلى هذا القطب، ويديم النظر إليه ليلة بعد ليلة دواماً كثيراً. وقد جُرِّب فصحَّ، وهذا مما يدل على أن لهذا القطب وهذا الكوكب خاصية في إحداث الطرب والسرور في الناس، ولذلك أن الزنج لما كانوا متقاربين من مدار سهيل، كان فيهم الطرب الشديد» (التيفاشي، سرور النفس).

سعد هو الكوميديا العربية والنعمان هو التراجيديا العربية


وهناك ما يشير إلى أن الإله العربي (سعد) على علاقة بالجمل. بل إن الجمل يبدو حيوانه. من أجل هذا، فقد ذهب البدوي إلى سعد كي يجمع له شمل قطيع جماله، لكن هذا بالصدفة لم يحصل، فغضب البدوي ولعن سعداً:
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا
ففرقنا سعد، فلا نحن من سعد
وما سعد إلا صخرة بتنوفة
من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد
ومن الواضح أن البدوي ذهب إلى سعد ليجمع شمل إبله لأن سعد جمل، بل رئيس الجمال كلها. أما اسم سعد القرقرة، فيشير بوضع إلى أنه جمل. فالقرقرة هي صوت البعير. بالتالي فاسمه يعني «سعد الجمل». عليه، فسعد وسهيل اليماني فحلان من الإبل.
في كل حال، فقد حاول النعمان أن يحول سعداً من فلاح إلى صياد يركب اليحموم ليصطاد حمار الوحش. لكنّ سعداً رفض قائلاً:
نحن بغرس الودي أعلمـنا
منا بقود الجياد في السـلف
لقد أصر على أن يكون مزارعاً سعيداً ناجياً.
إذن، فسعد قرين النعمان، لكنه معاكسه أيضاً وأول. فهو ناج فيما النعمان قتيل. وهو جمل زراعة فيما النعمان فرس صيد. وهو باسم ضاحك في حين أن النعمان كشر كئيب.
سعد، إذن، هو الكوميديا العربية
والنعمان هو التراجيديا العربية.

* شاعر فلسطيني