يستثير جمال باروت العقل، عقل القارئ، في قراءته للمتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حكمت الصراع العثماني - الصفوي للسيطرة على طريق الحرير والذي تبلور في القرن الرابع عشر مع تجارة الحرير بوصفها مصدراً رئيساً في التبادل العالميّ واعتمدت عليه موارد التجارة الخارجية للبلدين. يقدّم باروت «معالجة وإضافة بحثيتين جديدتين في دراسة تلك المتغيّرات»، و«في ضوء جدل المتغيّرات الاجتماعية المستقلّة والتابعة والوسيطة وغيرها في إطار منهج التاريخ الاجتماعي». هكذا، نراه يقيم الميزان في محاكاته لطرفَي الصراع، وما رافق تلك الحقبات من عهودهما، بأسلوب ومنهج تفكيكيّ متشابك عَقَدَ لتقصّياته للوقائع التاريخية الغزيرة والمتداخلة مبدأ الإنصاف والتناصف. وهو ما تجلّى في كتابه الجديد «الصراع العثماني – الصفوي وآثاره في الشيعية في شمال بلاد الشام» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات). كأنّما في نيّته اللامنحازة إلّا من القهر ـ وهو ما تبدّى في آخر صفحات الكتاب ـ أن يستبطئ مخزونات اللاوعي في العقل الجمعي لهذا الطرف أو ذاك، منعاً للقراءات المغرضة، واستباقاً لردود القراءات غير العقلانية.


يركّز نطاق البحث على موقع شمال بلاد الشام وأعالي الجزيرة الفراتية (يحدّد المدى التاريخي الزمني لإشكالية البحث باندلاع النزاع المملوكي-العثماني في القرن الخامس عشر، ومن ثمَّ اندلاع الصراع العثماني-الصفوي بدءاً من القرن السادس عشر الميلادي)، أي نطاق مملكة حلب المتاخمة للأناضول والممتدّة على طول جبال طوروس الجنوبية من طرسوس في كيليكيا إلى ملطية ثم إلى الفرات، متوقفاً أمام الحضور الشيعي المتجذّر في شمال بلاد الشام. ويُقصد بالشيعية في هذا البحث «الفضاء الشيعي الديموغرافي الجهوي العام والمتنوّع شيعياً في شمال بلاد الشام كما تشكّل على المدى التاريخي الطويل للقرون الخمسة التي سبقت اندلاع الصراع العثماني-الصفوي، وكان من أبرز وحداته: الجماعات الإسماعيلية، النصيرية (العلوية)، الشيعية الإمامية، الجماعات الصوفية العرفانية التي تُحايث بين العرفان والتشيع الروحي، والإسماعيلية النزارية والدروز والحروفية. أما الجماعات الإسلامية غير السنيّة، فأبرزها اليزيدية التي كانت خلال القرنين 15 و16 من كُبرى الفرق الدينية المذهبية في حواضر حلب.
في تلك البقعة من الجغرافيا البشرية ميزة «التنوع الإثني والمذهبي والديني الشديد، والمُتمازج على مدى تاريخها الطويل بين التركمان والعرب والأكراد والأرمن والروم البيزنطيين والفرس نوعاً ما، وبقايا الصليبيين» (ص17). هذا التمازج المعقّد «يشكل مفتاح فهم التاريخ الأنثروبولوجي والاجتماعي لتشكّل الحركات الشيعية العرفانية» (ص17)، وقد لا يتمايز عمّا هو عليه حال هذا التنوع في تلك البقعة الجغرافية، فالنذر من شواهدها تمثَّل في خريطة الحرب الدائرة على سوريا، فاستنطقت الجغرافيا حضور التاريخ ومعالمه.
وقد كان لحضور التاريخ صولات من الحوادث الدامغة في استمراريتها، بدءاً من الصراع المملوكي- الإيلخاني (1312-1317)، إلى المملوكي-العثماني (1344 نهاية سيطرة المماليك)، فالعثماني-الصفوي، وما سبقه من صراع الآق قوينلي (السنّة) والقرّا قوينلي (الشيعة) وهما اتحاد عشائر تنحدر من أصل تركماني واحد من تركستان، انقسمت وتطيّفت وتصارعت على طريق الحرير، ثم الطور التأسيسي (الشامي) للحركة الصفوية الجديدة (القزلباشية)، فالحركة الأردبيلية الجديدة (الصفوية أو القزلباشية اللاحقة) التي تحوّلت مع الشيخ جنيد الأردبيلي (تولاها بين 1446-1447) في بنية الدعوة الأردبيلية (الصفوية) من طريقة سُنيّة إلى طريقة جهادية شيعية، بعدما نفاه إلى حلب زعيم القرّا قوينلو الشيعي شاه جيهان خوفاً من تأثيرات تشيُّعه في ذات النطاق.
مع سيطرة المماليك، بدأت الصورة الجماعاتية - المذهبية تتغيّر لمصلحة الفقهية السنية، وتصفية حركة الإحياء الشيعي (الإمامية) للمرجعية التي قادها الشهيد الأول الجزيني بإعدامه «بالسيف، ثم صُلب، ثم رُجم، وأُحرق بدمشق بتهمة النصيرية»، فتحولت «بلدة الفوعة إلى مركز التشُّيع الصلد في غرب حلب»، مع مُفارَقة أوردها المؤلف من أن هذا البطش وفتاوى ابن تيمية ضد شيعة كسروان لم يطالا شيعية شمال سوريا وتحديداً أرياف حلب لأن «الشيعية الغالبة لدى الإمارات التركمانية الخاضعة رسمياً للمماليك شكّلت أيديولوجيا عقيدة غزو العالم البيزنطي أو «الجهاد» ضده وتقويضه وصولاً إلى نهايته على أيدي العثمانيين مع السلطان الفاتح (1451-1481)» (ص47و48).
تتحرّك صفحات التاريخ على صفحات الكتاب بسرعة وحيوية، وتتوالى أحداثاً تفيض بالدماء والمكر والتصالح والأطماع وغلبة منطق الحروب على منطق التسويات (إلّا في حالات الضعف)، وإحدى أسلحتها المشحوذة سلاح التطييف كقناع لصراع زعامات ومصالح اقتصادية وقيام إمبراطوريات، مع الكثير من التصفيات الهوياتية- المذهبية- الإثنية المتبادلة، ومع القليل القليل من احترام التنوع إلا في كيفية تأمين المصالح الاقتصادية أو جباية الضرائب كما في تعامل العثمانيين مع الأقليات (اضطرار السلطان العثماني سليمان القانوني تحت ضغط تعاطي جنود الإنكشارية الخمر إلى التراجع عن فتوى تحريمه والسماح ببيعه في جبال النصيرية، واستصدار فتوى على المذهب الحنفي بأن الشرب غير السُكر؟!). والفتوى هنا لطالما كانت في خدمة سلاطين جهتي الصراع المذكور وشواهده بارزة في نصوص الكتاب.
سلاح التطييف كقناع لصراع زعامات ومصالح اقتصادية وقيام إمبراطوريات


إن الصراع المُموَّه دينياً تقيم في جنباته وفي أحيان كثيرة المطامع الشخصية ضمن المذهب الواحد، والإمبراطورية الواحدة والحيز الجغرافي الواحد، والمصالح الداهمة (الموقف الصارم من المؤسستين الفقهيتين الصفوية والعثمانية ضد العلويين الغلاة أو القزلباش سواء كانوا في النطاق الصفوي أو في النطاق العثماني- ص173). كما تدفع نوائب تلك الصراعات إلى «تَسَنُّن» و«تَشَيُّع» متبادلين تبعاً للهيمنة الثقافية- السياسية- القتالية للمُهيمِن (في الكتاب الكثير من الوقائع الدالة على ما نذكر). مثلاً، تحالف السلطان أوزون حسن السُنّي (1452) مع الشيخ جنيد الشيعي للتخلص من شقيقه جهانكير في حين تحالف شقيق حسن مع جهان شاه زعيم القرّا قوينلو ضده. وكان لقاء الأوَلين براغماتياً بين سلطان جديد وشيخ طامح إلى السلطانية، فقاد السلطان حسن حركته الأردبيلية الجديدة بمزيج من الشيعية - السنية بدا على النقود التي سكّها، ولاحقاً تحالف مع أمراء البندقية (إيطاليا) ضد السلطان محمد الفاتح المتحالف مع أمراء فلورنسا لاستكمال صراعهما بدعم خارجي. أمر مارسه أكثر من طرف على مدى عقود الصراع إلى أن انتهى بخوار قوة الإمبراطوريتين المتصارعتين على طريق الحرير، وانتقال جماعات بشرية بترحال معاكس تبدّلت خلالها الانتماءات المذهبية، كما لامست تلك الاستعانة بالخارج قوى محلية تابعة لقوى الداخل ومتمرّدة في آن كما في حالة آل جنبلاط (حركة ابن جنبلاط ومحاولة الاستقلال الإقليمي –ص-213)..
عقود من الصراع تراوح بين هدنة وهدنة وحروب وحروب، إلى أن بدأ الحرير يخبو على وقع نهوض أوروبا واكتشاف الأميركيتين، ودخول قوى أخرى على خط الصراع (روسيا القيصرية) وتبدل التحالفات، واصطدام محاولات التسوية الصفوية –العثمانية «بقوة كل من المؤسستين الفقهيتين الصفوية الشيعية والسنية العثمانية» (ص250)، و«تحكَّمت أيديولوجيا المظلومية الاجتماعية والمذهبية للجماعات الطائفية المتخيّلة في هذه المفارقات الزمنية التاريخية» (ص229). يختتم باروت بحثه التفكيكي الثري والجدلي والعابق بما يزيل التكهنات والأوهام، بسؤال الأمير شكيب أرسلان المتجدّد دائماً، متسائلاً معه: هل نحن مُؤهّلون للخروج من مرحلة فتوى نوح الحنفي وما يناظرها من فتاوى مقابلة؟