احتاج فواز طرابسي في الفصل الأول من كتابه الجديد «سايكس بيكو ــ بلفور: ما وراء الخرائط» (رياض الريس للكتب والنشر ـــ 2019) إلى مقدّمة ثانية، إلى جانب المقدمة الأولى. الفصل الأول بمثابة «تقديم للتقديم»، وقد اختار له كاتبه عنواناً يدلّ على محتواه. للوهلة الأولى، قد يفترض القارئ أن العمل البحثي يبدأ بعد الفصل الأول، وقد يستغرب متابع طرابلسي أخيراً هذا «الخلل» المنهجي. ولكن، تدريجاً، سيتضح أن «تقاسيم على الوحدة والتقسيم» هو محطة ضرورية للاستدلال إلى معنى العنوان الكبير في الحاضر، وطفرة الالتباسات التي تحيط بهِ، قبل الذهاب إلى نشأة المعاهدة وتفكيكها أصلاً وفصلاً. إنه جزء من البحث، يقتطف الشواهد من «كشكول» الصحافة والإعلام، محاولاً أن يرسم صورة للمرحلة التي يتناولها الكتاب، ولكن كما يتم تناولها في السائد، قبل أن يذهب إلى التاريخ.

أشياء كثيرة يعيدها الكتاب إلى الضوء. السكة الحديدية التي تقطّعت أوصالها: الأسباب والخلفيّات. عنصرية ويلسون ضدّ الأميركيين من أصل أفريقي، ومعنى أن يكون المنتصر عنصرياً. نضوج نتائج الحرب في مجلس إدارة مصالح المنتصرين، المسمّى بعصبة الأمم. أوهام «الثورة العربية»، وكيتشنر الأبيض، حيث ينطلق المشروع التوسّعي الكولونيالي من هذه النقطة بالضبط. يضعنا الكتاب أمام سلسلة من الالتباسات التي تشوّش وعيَنا المعاصر، عنوانها سايكس ــ بيكو، والبئر التي تسكن تحت العنوان. إنّها أكثر من معاهدة بين رجلين، وأقلّ بكثير من أن تكون السبب الرئيس في ما آلت إليه «الخرائط». وللخرائط مساحة وافرة من الاهتمام البحثي في الكتاب. ثانيها، إعلان بلفور، وكيف صار يُقال عنه إنه «وعد». وكيف يُستعمل النعت الأخير بدلاً من عنوانه الأصلي. وبلفور الإعلان، أكبر من اسمه، لكنّه هو الآخر أصغر بكثير من سبب حاسم للصيغة الاستعمارية بصورتها المتطوّرة. وهذا استدعى إسهاباً وتفكيكياً «خلف الخرائط».


كما في «تاريخ لبنان الحديث»، لا يلتزم طرابلسي النقل، بل يتجاوزه إلى التحليل. فإن كان التاريخ غير محايد، لماذا يكون التأريخ محايداً؟ ذلك لا يلغي أن الكاتب التزم بمنهج دقيق في العرض وفي التفسير، لكن الفصول العشرة تستقيم في إطار كرونولوجي واضح، ينطلق من فهم عميق لطبيعة القوى الاستعمارية التي شاركت في الحرب، ويحاول قدر المستطاع أن لا تغرق صورة المُستعمرين بالتعاطف تحت ذريعة الضعف أو التعرّض للخديعة. على العكس من ذلك تماماً. صحيح أن الحرب العالمية تأتي في السياق الكولونيالي وأنّها دشّنت كولونيالية خبيثة جديدة، لكن لا يوجد أبطال عرب مخدوعون، وإن خُدعوا، فذلك لا يعفيهم من مسؤوليّة التعامل مع المستعمرين، كما يفرد مساحة للتذكير بانتصارات العثمانيين المفصليّة في غاليبولي والكوت، وهي انتصارات كان لها دور حاسم في تحديد مصير تركيا، على عكس الخيبات العربية التي عوّلت على الاستعمار.
هكذا، ينبّه البحث دائماً إلى طبيعة الحرب الكولونيالية، التي أفرزت ملايين القتلى، وما يتخطّى المعاهدة والإعلان، حصتنا الظاهرة من الاستعمار. يصرّ الكتاب مراراً على التذكير بالـ«التبرير الحضاري» الذي تسلّح به مستعمرو فلسطين، بوصفه عين ما يتكرّر بلا توقّف في الخطاب الكولونيالي الاستيطاني: «ينبغي أن نطهّر بؤرة الطاعون في الشرق ونعيدها إلى الصحّة والعافية: ينبغي بناء سكك الحديد إلى آسيا لتكون طرقات لنقل الحضارة، على اعتبار أنّ الدولة اليهودية في فلسطين «ستكون الموقع الأمامي لأوروبا ضدّ آسيا والموقع المتقدّم للحضارة ضدّ البربرية». لكن كل هذا يبقى تأريخاً وليس رصفاً أيديولوجياً، إذ يشرح صاحبه في فصول لاحقة، التوزّع الديموغرافي لمناصري الصهيونية في بلاد الاستعمار نفسها، حيث «كانوا يشكلون قلّة قليلة في أوساط يهود بريطانيا البالغ عددهم 300 ألف لا أكثر». كان الصراع محتدماً على تمثيلهم وعلى الموقف من الموطن القومي بين التيار الصهيوني وخصومه الاندماجيين. ولفهم إعلان بلفور من ناحية تاريخية، يجب فهم النزاع بين القوّتين الكولونياليتين الكبيرتين. يخلص طرابلسي من بين خلاصاته، إلى أن بريطانيا، عملياً، انتزعت فلسطين من فرنسا، فالمشروع كولونيالي في الأساس. ولذلك، فإنّ ما يفسّر العنصر الحاسم الذي غلّب وجهة نظر حاييم وايزمان والفريق الصهيوني على خصومهم الداعين إلى البقاء في أوروبا، هو نجاحه في الانضمام إلى الرغبة البريطانية في السيطرة على فلسطين، فيما قواتها تتأهّب لاحتلالها، ونسف فكرة الإدارة الدولية، وخصوصاً منع فرنسا من أن يكون لها وجود في فلسطين. جاء ذلك تأكيداً لأهمية أن تكون فلسطين حاجزاً بين المنطقتين الفرنسية والبريطانية، وتحقيقاً للسيطرة البريطانية على ضفتي القناة. والفكرة الأخيرة، لا تشذّ عن السياق: لقد كان المشروع الكولونيالي البريطاني راسخاً في الشرق، وكان ينطلق من الدفاع عن مكتسبات كولونيالية في السويس والهند، للانطلاق إلى مرحلة ما بعد كولونيالية، سيتصدّر النفط العراقي عناوينها، إضافة إلى الأهمية الكبيرة لميناء حيفا، بينما نالت فرنسا والحلفاء الآخرون ما تبقّى من «الحصص» البريطانية.
يضعنا كتابه «سايكس بيكو ــ بلفور: ما وراء الخرائط» أمام التباسات تشوّش وعينا المعاصر


في كتابه، يتحدث طرابلسي عن إعلان المملكة العربية السورية وزوالها. هذا الزوال الذي يعتبره طرابلسي في مقدّمة عهد نيو ــ كولونيالي، لكنّه لا يقسو كفاية على الدور العربي في القبول. لوقت طويل، عارض الشريف حسين مشروع السكة الحديدية من المدينة المنورة إلى مكة. كان يقول إن ذلك يتعارض مع مصلحة القبائل. لكن هذا العمل ليس انتروبولوجياً إلى هذه الدرجة، وليس كل شيء. فحسب طرابلسي أيضاً، كان الشريف حسن هو الذي بادر إلى الاتصال بالسلطات البريطانية في القاهرة بعد نزاع نشب بينه وبين اسطنبول. فقد عيّنه السلطان عبد الحميد أميراً على مكة ضدّ إرادة انقلابيي «جمعية الاتحاد والترقي»، فتخوّف من أن يخلعوه عن الحكم بعدما تدهورت علاقته بهم، فقد عارض فرض المركزية على الولايات التابعة لتركيا. ربّما، النقطة التي تفوت طرابلسي، ولا يعتبرها مفصليّة، هي عن دور نزاع الشريف حسين مع عبد العزيز بن سعود، في حسم موقفه إلى جانب البريطانيين، أو في تسريع قتاله إلى جانبهم. ذلك لا يلغي أن البحث دقيق ووافر المراجع، ولا يسقط في أيّ نزعات «بطولية»، بل يضع القتال العربي إلى جانب البريطاني في سياقه التاريخي الصحيح، ولا يؤسطره. لقد كان تحالفاً مع الاستعمار، ولقد أفرز الأخير ما أفرزه.