وَصلتُ أخيراً. بعد رحلة دامت أكثر من أربَع ساعات، أنَا في مطار أبيدجان. فِي البهو الواسع، كنت كمن يقف على الجمر. عمليّة التثبّت من الأوراق ورجل الأمن الذي ينظر إلى المارّة بريبة. أوف.. أكره الانتظار يخيَّلُ إليّ أنّ هذه اللحظات دائماً ما تكون أصعب مراحل السفر. مددت جواز السفر إلى العون. رسم ابتسامة مصطنعة على شفتيه زادت وجهه بؤساً. فكّرت، لوهلة، أن أتجاهله ولكنّني بادلته النفاق. خُتِمَ الباسْبُور ومَررتُ رسميّاً إلى هذه المدينة التي أتشوّق لرؤيتها.

تمكّنت من رؤية سليمان وأُودْرِي من بين الجموع. استطعت تمييز ملامحهما وسط المنتظرين بما أنّنا تحادثنا عبر سكايب أكثر من مرّة. هما يشرفان على جمعيّة تعنى بالثقافة تقيم ندوات بالشراكة مع جامعات أميركيّة وفرنسيّة. وقد دُعيت لقراءات شعريّة وحضور حلقات نقاش.
كان اللقاء عاديّاً، كأنّنا أصدقاء منذ سنوات والحال أنه لم يعرف أحدنا الآخر إلّا منذ مدّة وجيزة. إنّه مفعول التكنولوجيا، غيّرت كل شيء وقلبت الموازين والمفاهيم حتّى في علاقة الأنا مع الآخر وتعريف الصداقة والمعارف والأقارب.
صعدنا في سيّارة منخفضة. سوادها مختلط بلون رماديّ هي حتماً بقايا وحل ممّا يدُلُّ على أنّ صاحبها ليس من المواظبين على «اللّافاج». لم أكلّم السائق، اكتفيت فقط بإشارة يدويّة عوض الـ «مرحبا» المعتادة في هذه الحالات. من ملامح وجهه، يبدو عدوانيّاً. (نعم.. أقصد السّائق). تأخير الطّائرة، صخب المطار في تونس وضجيج المسافرين الذي علق في ذهني، كلّها عوامل ساهمت في صداعي الذي يكادُ يفقدني القدرة على الكلامِ مع غثيان وشيك يختفي ثمّ يعود.
سليمان أصيل بُورُونْدِي. بدأ يحدّثني عن أبيدجان وبدون أيّ مقدّمات، أو أيّ خيط رابط، انتقل للحديث عن موطنه والحرب الأهليّة وآثارها والأدباء البورونديين المشتتين في كل أنحاء العالم. لم أسمعه. أو لنقل أنّني لست في حالة تركيز تامّة خاصّة أنّ السّائق يبدو مستعجلاً (ربّما ينتظره حرفاء آخرون لِيُقِلَّهُمْ من المطار) فالسيّارة المنخفضة تكَادُ تعانقُ السَّحاب والوغد ما زال يزيد من سرعته.
أغمضت عينيّ واستلقيت إلى الوراء. حركتي جعلت أودري تفهم ما يجري (أخيراً).
- سليمان، ضيفنا بحاجة إلى قسط من الراحة. لم لا نتحدّث عن كل هذا في وقت لاحق.
قطّب سليمان حاجبيه بعد هذا اللوم الذي قطع ثرثرته بحركة تشير إلى أنّه انصاع إلى أوامر الشقراء الفرنسيّة. أوف... تخلّصنا أخيراً من الثرثرة. بقي صوت المحرّك ونظرات السائق الشرسة التي تنعكس بين كلّ «خَضَّةٍ» وأخرى في المرآة المتّسخة. «يا مسهّل متى نصل إلى النّزل» هكذا زمجرت بصوت لم يسمعه سواي لأنّه لم يتجاوز أعتاب حنجرتي وابتلعته قبل أن ينفلت.

■ ■ ■

استيقظت في الساعة الثامنة. الموعد مع سليمان وأودري سيكون في الساعة العاشرة. أخذت حمّاماً ساخناً، ارتديت ملابسي ونزلت إلى الشارع. بحركة آليّة وكشخص ينتمي لجيل السمارت فون وعبيد التكنولوجيا، أخرجت هاتفي واستعنت بـ «غوغل مابس» للعثور على مطعم. الأقرب يبعد عشر دقائق.
ما يميّز أبيدجان أو أغلب الأحياء التي زرتها على الأقل، هي هذه الأرصفة التي لا تسمح بمرور أكثر من شخصين في آن. في هذه المدينة يتحوّل المرور فوق الرصيف إلى حرب نفسيّة تجعلك متشبّثاً بحقّك في المرور إلى آخر رمق. وكتونسيّ تعوّد على المناورة بين الباعة المنتصبين على طول رصيف شارع جمال عبد الناصر، كنت أتنازل للغير إثر كلّ مواجهة. التونسي متنازل بطبعه. يزمجر كالنّمر في وطنه وما إن يتجاوز الحدود حتى تختفي الضراوة ويحلّ محلّها تحضّر زائف. نحن نحترف الانغماس في المجتمعات والتّأقلم مع المتغيّرات وعادات أي بلد. تونس ما بعد الثورة اختزلت في ثماني سنوات تجارب طبعت بها مواطنيها، فأصبحوا من أكثر الشعوب خبرة في التعامل مع الغير. هذا ما مكّنني من الرقص والمراوحة بين الرصيف والشارع.
وصلت إلى المطعم، واجهته خضراء ككلّ المحلات المجاورة. امرأة أربعينيّة ذات مؤخّرة ضخمة ووجه مستدير وممتلئ وأنف مكوّر استقرّت فوق نظارات تشبه تلك التي كان يضعها رومل. المكان مكتظّ وكلّ الأنظار متوجّهة إليّ تتفحّصني. (هْنَا زَادَة يْخَافُو مِن البَرَّانِي؟). تذكرت ايريك زيمور، هكذا بلا سبب. استرجعت كلامه عن العنصريّة المعكوسة أو العنصريّة ضدّ البيض (Le racisme anti blanc) ربّما تذكّرت هذا الهراء عندما دخلت المطعم ورأيت مجموعة من الشباب الذين يرتدون أزياء ملوّنة ويضعون قبعات زرقاء على رؤوسهم. كانوا يتهامسون ثمّ ينفجرون ضاحكين. أعتقد أنّهم يسخرون منّي. لا أعلم لماذا ولكن انتابني هذا الإحساس. مجموعة من الأطباق التي لم أفقه منها شيئاً، قرّرت أن أؤجّل أكل الأطباق الايفواريّة إلى حين اللقاء مع سليمان وأودري. لن أغامر وآكل شيئاً أجهله. اكتفيت بساندويتش كلاسيكيّ يحتوي على طماطم وبعض الجبن.
■ ■ ■

أودري تتصّل على ميسنجر. أجيب. الآن أنا أمسك الهاتف باليمنى والشاندويتش باليسرى وأمضغ الخبز. (أخيراً يمكن أن أجد مبرّراً لقهقهات الشبان أمامي)
-بونجور دياء (يصعب على هذه الفرنسيّة ذات الشعر المجعّد أن تنطق الضاد فيبدو اسمي مفرغاً من كل معنى) أرى أنّك خرجت، نلتقي في النزل بعد ساعة.
-حسناً
-باي
-باي عزيزتي.
في كلّ مرّة أراها يشدّني أمر ما في عينيها. كأنّ حبّها لإفريقيا جعلها تصنّف في خانة الفرنسيات اللواتي جمعن جمال القارتين في آنٍ. بشرة بيضاء، عينيان زرقاوان وشعر بنيّ مجعّد. أتخيّل أودري وأنا أبتلع آخر لقمة. أقف وأتوجّه إلى صاحبة المطعم التي بدأت ترمقني بنظرات شرسة (شْبِي عْزَاهَا تِقْحِرْلِي هَذِي). أعطيتها ثمن ما تناولت وخرجت مسرعاً.
في طريق العودة إلى النزل، كنت أسير متمعّناً في ما حولي محاولاً رصد أهمّ الاختلافات التي يمكن أن يلتقطها ذهني بين الصباحات التونسيّة والصباحات الإيفواريّة. هنا في أبيدجان، تطغى رائحة السّحب، نعم للسحب رائحة تختلط برائحة التراب وتشكّل مزيجاً غريباً يرسخ في الوجدان ولا يمكن وصفه. أفتقد رائحة اللّبلابي والفريكاسي والزيت المحروق التي تنبعث من مطاعم وسط المدينة في تونس. أسير محاولاً أن أعدّد الأنهج المتفرّعة من الشوارع الكبيرة والتي لا تحتوي على أيّ إشارات لتقسيم الطريق. بنايات حمراء متوسّطة الطول والبارابول يغزو الأسطح. الكثير من لوحات الإشهار التي تعدّ بالعشرات مرصفة في منظر قبيح. نعدين مجتمع الفرجة (الله يرحم غي ديبور).
أصل إلى النزل وأجدُ صديقيّ في انتظاري.
■ ■ ■

تتحدّثُ أودْرِي عن الفقر في القارّة السمراء. هي ككلّ الفرنسيين (تقريباً) يمتقع لونها عندما ترى الأطفال يبيعون المناديل الورقيّة ثمّ سرعان ما يختفي هذا التّأثّر لتحل البهجة ويتغيّر المزاج بتغيّر المواضيع المطروحة. أودري ككل الفرنسيين الذين عرفتهم مفعمون بكرنفاليّة المشاعر كما يسمّيها رولان بارت. سليمان بدوره، يكتفي بالقيادة وفي كلّ مرّة، لكي يبيّن تركيزه مع حوارنا يلقي بكلمات من قبيل «أجل»، «حسنا»، «موافق»...
وصلنا إلى النّادي الأدبي الذي يحتلّ طابقين في عمارة شاهقة. المصعد ضيّق وعطر أودري غمر المكان (شنوّة ربكم هذا أسونسور ولاّ قفص؟) لا أحتمل الأماكن الضيّقة تصيبني بالدوار. ما أن وصلنا، أخذتني أودري في جولة لاكتشاف المكان الذي سيحتضن المحاضرات وفيه ستقام القراءات الشعريّة. كراسٍ متناثرة في البهو، القاعة بلا جدران. أقصد لا حواجز في المساحة. منذ دخولك، تجد نفسك في فضاء واسع نسبياً. على اليمين مكتبات تحتوي على الأدب الفرنسي، الإنكليزي، وثمّة قسم خاص بالعلوم الاجتماعيّة والفلسفة. الكتب تحتل نصف المساحة وفي الطابق العلوي المكان كلّه مخصّص للكتب. مكبرات الصوت في أركان السّقف وطاولة مستطيلة الشكل خمّنت أنها تخصّص للضيوف بما أنها احتلّت مَكَاناً مرتفعاً نسبياً مقارنة ببقيّة الطاولات.
تعرّفت على كارين. هي من المشرفين على هذه التظاهرة. جلسنا حول طاولة زرقاء في ركن البهو والتحق بنا سليمان. تحدّثنا عن الأدب الأفريقيّ. كارين مولعة بأحمدو كوروما، أخبرتها أنّني قرأت روايته «الله ليس مجبراً»، فاستبشرت واعتدلت في جلستها كأنّها تستعدّ لإلقاء محاضرة. كانت الفتاتان تجلسان على يميني وعلى يساري سليمان. أنا قبالة الباب وهو ما مكّنني من رؤية كل وافد جديد. لفت انتباهي عجوز يحمل كتاباً عن أدب جايمس بالدوين. يرتدي قميصاً أسود وطربوشاً بنفس اللون ويمشي بخطى متثاقلة، لكنّها منتظمة يحافظ على إيقاعها بفضل عكاز بنيّ يتّخذه مساعداً في التنقّل. أخبرتني أودري أنّه البروفيسور جون ماكادي، كندي متخصّص في الأدب المقارن في جامعة كولومبيا في الولايات المتحّدة. أضافت الفرنسيّة أنّه سيقرأ بعضاً من شعره الليلة وفي اليوم الأخير سيعود ليلقي محاضرة عن القلق الوجودي في أدب ويليام بوروز. اختفى الرجل وسط الحاضرين أو ربّما صعد إلى الدور العلوي ليتفرّغ للمطاعة أو الإعداد للمحاضرة.
بقيّة الجلسة كانت نقاشاً عن الثورات العربيّة والأدب في تونس في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. كانت رغبة سليمان.. لا أعلم لماذا يهتمّ بهذه الفترة تحديداً ولكنّه أصرّ أن أحدّثه عن أعلام الأدب التونسي في تلك الحقبة.
■ ■ ■

بْلاَتُو. هُنَا سأَقْضِي اليَومَ. سأُحَاوِلُ أن أتجوَّل فِي الشوارع بَحثاً عن شيء يثير الاهتمام. يقتلني الضجر في هذه المدينة. مع البنايات في بْلاَتُو لونها برتقاليّ يبدُو أنّ الايفواريين لهم علاقة خاصّة بهذا اللون: سيارات التاكسي، الحافلات وواجهات المحلات. من وسط المدينة إلى كنيسة Saint-Paul لم يتطلّب الأمر أكثر من عشرين دقيقة. مررت بشوارع ذكّرتني بنونتار. اللّعنة.. أين الخصوصيّة الأفريقيّة؟ لقد التهمت العولمة كل شيء مختلف. أي تقدّم هذا الذي يجعل المدن تتحوّل نسخاً متطابقة؟
لم أتمكّن من الدخول إلى الكنيسة لأنّ بوابة زرقاء تمنعني من المرور إلى الممر المؤدّي إليها. أخبرني رجل ذو جبهة عريضة وملابس رثّة أنّ وقت الصلاة لم يحن بعدُ. أخيراً، نقطة مشتركة بين المسيحيين والمسلمين. دورة العبادة لا تفتح إلا بمواقيت محدّدة تماماً كالإدارات. من خلف البوّابَة، بدَتْ لِي الكنيسة كحطام سفينة وسط البحر كتلك التي في مدينة طبرقة. أنا متأكّد أنّ المهندس المعماريّ استلهم الشّكل من السفينة التونسيّة المحطّمة. لاحظتُ أنّ العجوز قد عاد إلى مقعده وتجاهلني تماماً. تراجعت إلى محطّة الحافلة.. يبدو أنّ يومي انتهى..
الطّرق نظيفة في بْلاَتُو على عكس بقيّة المناطق. لكنّ هذه النظافة مجرّد ديكور. ففي أنهج ضيّقة تكتشف الحقيقة أو ما وراء الديكور. يحضرني ما كتبه الروائي يان مواكس في كتابه Naissance عن كوريا الشماليّة. حيث يوجد لافتات ضخمة زاهية وبنايات شاهقة وما أن تتطّلع على ما وراء الديكور حتّى تكتشف زيف المنظر وبشاعته. تختلف البلدان والخدعة تتكرّرُ. في تونس، على عكس الكوريين الشماليين، لا نحاول إخفاء الأمر. الأوساخ في الشوارع. نحن لا نخفي عيوبنا بل نفتخر بها.. أصعد في الحافلة وأضع السماعات. أغنية The revolution will not be televised ستكون رفيقتي في هذه الرحلة القصيرة إلى النزل.
■ ■ ■

استلقيت على السرير، قرأت بعض الصفحات من كتاب إدوارد لوي الأخير «من قتل أبي». تظهر على الشاشة رسالة من أودري تذكّرني بموعد الغد. أخبرها أنّني سأكون جاهزاً وسأنتظرها أمام النّزل. يغلبني النعاس، أفتح اليوتيوب وأستمع لحلقة من حلقات البرنامج الإذاعي Radioscopie. نمت قبل أن يكمل جاك شانسال المقدّمة.
■ ■ ■

البروفيسور ماكادي ينهي محاضرته. يصفّق الحاضرون ويبدأ نقاش بأسئلة تقليديّة حول تفاصيل حياة بوروز وأهمّ أعماله وخصائص أسلوبه في الكتابة. تتدّخل أودري وتعلن عن فترة استراحة ثمّ العودة للقراءات الشعريّة...

*مقطع من نص مطوّل قيد الإنجاز.

** تونس