العزيز كارل ماركس، لماذا أحسّ دائماً بأنّ الحزن الدّفين في نظرتك الصّارمة أصدق إِنباءً من كتابك «الرّأسمال» برمّته؟ ربّما لأنّ الوجع، في المحصّلة الأخيرة، أكثر نفاذاً إلى العمق من كلّ تحليل. فثمّة في السّراديب المتشعّبة للقوى والذّهنيات ما يجعل الكلمات التي تنتصر في النظريّة تنكسِر في التاريخ. لذلك ليس غريباً أنّنا، بدل المجتمع بلا طبقات الّذي بشّرتَ به، وجدنا أنفسنا في طبقات بلا مجتمع بالمرّة، طبقات تعوي أعلاها في هذه البرّية الموحشة وتفترس ما دونها، مدعومةً بالحاكمين الذين هم أشرس بلورة لغلبَتِها. وليس غريباً أنّه، بدل الدين كأفيون للشعوب، صار التلفزيون والكرة والغوغائية أقوى أفيونات الأرض. كما ليس غريباً أن ينتهي نداؤك الملحميّ «يا عمّال العالم اتّحدوا» إلى صفقات تُبرمها معظم نقابات العمّال ومناديبهم، تحت الطاولات وفوقها على السواء، مع مراكز الرأسمال والسلطة، مقابل ضمان استمرار جحافل العمّال والمستخدمين التعساء في تحريك الإنتاج والالتزام بما يسمّونه السّلم الاجتماعي. لأنّ الجهل، يا كارل العزيز، أشدّ وبالاً وأوْخَم مآلاً من الفقر والمرض. إنّه الحليف الأكبر للطّغاة في البلدان المتخلّفة. بالجهل ساق المُستبِدّون ويسوقون شعوباً بأكملها إلى استغلاليات التدجين والعبودية المسمّاة أوطاناً.


كريدورو سوزوكي ـ «بورتريه لماركس» (ضِمَاخَاتٌ على ورق ـــ 1958)

هل تصدّق أنّ مُزارِعاً بوليڤيّاً بائساً وشى وساهم في الإيقاع بالقائد تشي غيفارا، فيما كان هذا الأخير هو وحفنةٌ من مغاويره يتلمّسون منفذاً للحُلم عبْر شراسة الغابات، ووحل المُستنقعات، وصقيع الأودية، وسط الآلام المبرحة للجوع والعطش والمرض؟ لكنّك تُصدّق بلا ريب، أنتَ الّذي عبرْتَ شعاب الفلسفة اليونانيّة وحلقات الهيغليين الشّباب، وأدركتَ الارتدادات والدّوائر التي يتحرّك بها التّاريخ، منتكساً أحياناً في ما يشبه الغدر بوعوده نفسها. غير أنّ البذور العميقة تنام ولا تموت أبداً. إنّها فقط تنتظر فَصلَها المجنون المناسب. وكلماتك من سلالة هذه البذور الفهيمة.
■ ■ ■

زهرة تذكاريّة عميقة لأنطونيو غرامشي في عيد ميلاده البارحة واليوم وغداً. لأن عيد «المثقّف العضويّ»، الذي كانه وسيبقاه، هو الزّمان في انتشاره كـ«براكسيس» متواصلٍ وحيّ وفعّال في الهنا والآن. أنطونيو الذي وقف بمشبوبية جسمه وروحه معاً في عراء شتاءٍ تاريخيّ قاسٍ كالشّتاءات السياسيّة العربيّة الراهنة، شتاء رأى فيه، وسط الوهدة الرهيبة الفاصلة بين عالم قديم طال احتضاره وعالم جديد أبطأ انبلاجه، تلك «العتمة التي تظهر فيها الوحوش» آكلة التاريخ.. وأنطونيو الذي سقط جسدُه الفيزيائيّ تحت التعذيب في الأقبية الفاشية السّوداء، بعد عشر سنوات من الآلام، فارتفع للتّو، فَوْرَ سقوطه من شرفة ربيعه السادس والأربعين، جسده الكبير الآخر (الذي سيسمّيه دولوز وغاتاري لاحقاً «الجسد العديم الأعضاء»)، والذي هو جسد الصّيرورة التي لا يقدر على اعتراضها أيّ جهاز.
■ ■ ■

روزا لوكسمبورغ: قرنٌ كاملٌ من الانكسارات والاشتعالات مرَّ على اغتيالها في يناير 1919. روزا: الوردة الحمراء التي نبتت في تجاويف التّاريخ السوداء، وسط زمجرة الحديد وأنواء التّهديد الّتي تنبتُ وتتسامق في رمادها كلّ الورود الحاسمة. لأنّ الصّقيع، سواء كان قمعاً سياسيّاً أو خنوعاً اجتماعيّاً، لا يطال ذوات وذوي الجذور الموصولة بشمس الرّوح الحُرّة. ولذلك تبقى الأرواح المتورّطة في الجرح البعيد، والمُستقوية بالحُلم العنيد، شعوباً حيَّةً لا تبيد..
■ ■ ■

سعيدة المنبهي: في مثل هذا الخريف التاريخي الشّرس، قبل إحدى وأربعين سنة، أينع لبلاب دمك المبارك وتسامق فوق الأسوار المرعبة ليتدلّى باتّجاه شعب الأعماق. لذلك لن تكوني أبداً ذكرى ماضية، بل تظلّين فعلاً مُضارِعاً ومُضيئاً في دياجير زمن البلاد.
■ ■ ■

لشدّ ما يُشبه تشي غيفارا، المُمَدَّدُ على مغسلة المَوْتى، بصدره العاري المُثْخَن بالجراح، وملامح وجهه المُسترخِية بعد عبور حافات المعاناة، ونَظْرَته المُنْخَطِفة إلى ليْل العالَم (وحولَه كلابُ حراسة الإمبرياليّة الذين تتناسل فصيلتُهم في كلّ مكان) — لشدّ ما يُشبه المسيحَ بعد إنْزالِه مَيتاً من على الصليب، ولشدّ ما تمثّل يهودا وقُبلته الخائنة ليسوع في هيئة ذلك المزارع البوليفي البائس الذي وشى بغيفارا، فيما كان هذا الأخير وما تبقّى من مغاويره القلائل يخوضون مستنقعات الغابات البوليفية، وسط آلام الجوع والمرض ولسعات البعوض، لتحرير ذلك المزارع وأمثاله من ربقة كبار الملّاكين وطغمة الحاكمين المرتشين... لكنّ تشي، رغم سقوطه، ظلَّ مكلَّلاً بشُموخٍ أغاظَ مُسْقِطيه. لأنَّهم لم يُسْقِطوا سوى الجَسد العابِر، فيما انْفَلَت نَسْرُ الحُلُم الثَّوْريّ عالياً ومهيباً وأبَدِيّاً. وهذا الحُلُم لا قُدْرَة لأيِّ نظام عليْه، لأنَّه ابْنُ الحياة العميقة الوثّابَة أَبَداً..
* المغرب