يشذّ اسم رهيف فياض (1936 بترومين، شمال لبنان)، عن أي قاعدة. هو المعماري الثمانيني الذي خطّت التجاعيد وجهه ويديه، وما زالت روحه متوقدة، بروح النضال والمقاومة. في مكتبه في «تلة الخياط»، ومن خلف نافذته الزجاجية الشفافة، ما زال يتطلع إلى العالم بنظرة ثابتة لا تتغيّر، ولا تحيد عن أصوله المهنية المتشبث بها منذ النشأة. ما زال يناضل على الورق، وفي مؤلفاته الغزيرة، وبين تلامذته المعماريين المستقبليين، وفي ميدان العمارة. المسيرة النضالية الحافلة، التي ما زالت ترافقه، يصّر على تثبيت قواعدها عند كل محفل. شغفه بالمهنة، وبأصولها، ما زالت تشغل رأسه الذي ضربه الشيّب منذ زمن، لكن الثورة ما زالت متّقدة في قلب «الشيوعي العتيق». هو المنظّر من منطلق معركة نضال وطنية يخوضها يومياً، لمقارعة القوى المسيطرة، وروح التغريب التي تطبع العمارة في عالمنا العربي. عمارة أضحت بلا هوية، وغارقة في غياهب الاستلاب للغرب. «العمارة ليس فناً»، وليست «ترفاً» هكذا يجزم فياض، ويعتبرها ملاصقة ومكمّلة لحاجات الناس، وكأقرب إلى علم «الأنثربولوجيا»، كوظيفة اجتماعية إنسانية. العمارة أيضاً ليست «علماً»، بل تتداخل فيها مجموعة علوم، ويقتحمها اليوم العالم الرقمي، ضمن حاضنة معرفية مركبة. رهيف فياض الذي أمضى أربع سنوات، ضمن غمار «المعماريين العرب»، لا ينفك يحرّك مرة أخرى عجلة الثورة، والمقاومة. هي معركة تحرّر وطني، على كل المستويات، يدعو إليها صاحب «العمارة ووعي المكان» (دار الفارابي)، ومن ضمنها عالم العمارة في وطن عربي ممزق، يحتاج إلى توحيد الصفّ، ثقافياً واجتماعياً، لنتّجه بعده إلى إنتاج عمارة تعبّر عن هويتنا الأصيلة.


كيف يُعرّف رهيف فياض المعمارُ والإنسانُ، عن نفسه؟
ـــ أنا لا أفصُل بين الصفتَيْنِ. فهما صفةٌ واحدةٌ، لإنسانٍ واحد. وكوني معماراً، يُعطيني صفةَ الإنسان مرَّتين، لأن العِمارة في الأساس، هي منتج اجتماعيٌّ معدٌّ لتلبيةِ حاجاتِ الناس. ومن يَحترفُ العملَ فيها، يخصِّص وقته للقيام بعملٍ ذي طابعٍ إنسانيّ. فأنا رهيف فياض بصفتي المزدوجة الإنسان والمعمار، إنسان بامتياز.

لكن هل كلُّ عملٍ معماريّ هو ذو طابعٍ إنساني بالضرورة؟
ـــ بالطبع لا. يجب على العمل المعماريّ، أن يكون هادفاً للنهوض بالمجتمع الذي يبنى فيه، وأن تلبّي العِمارةُ حاجاتِ الناس. لذا يمكنُ لعمل معماري ما أن لا يكترث بحاجات الناس، فيفقدُ بالتالي صفته الإنسانية.

يعرّفُ بعضهم رهيف فياض كمنظّرٍ في العمارة، ما هو ردّك؟
ـــ أنا أمارسُ المهنة منذ أربعين عاماً في مكاتبي الخاصة، وقد يفترِض بعضهم أن هدفي في الممارسةِ هو التنظير. وهذا غيرُ صحيح، لأنَّ هدفي من الممارسةِ هو الممارسة بذاتِها. والتنظيرُ هو وسيلة لحسنِ الأداء المهنيّ، وربما كان الوسيلة الأكثرَ فاعليةٍ في تحسين إنتاج العمل المعماري. فالعمارة وإنتاجها، هما الأساس بالنسبة لي.

كثير من المختصين يصنّفون العمارة ضمن قائمة الفنون، فهل هناك مواصفات خاصة تمتلكُها العمارةُ لتكون فناً؟
ـــ السؤالُ حول المعمارِ الفنَّانِ هو سؤالٌ جَدَليٌّ، لا يبدأُ بالتعريفِ بالمعمار، بل بما ينتجِهُ. فإذا كانتِ العِمارةُ فناً، سيكون المعمارُ فناناً والعكس صحيح. وأنا أجيب بسرعة، أن العِمارة ليست فناً، وإنما هي منتجٌ اجتماعيٌّ، عليه أن يلبّي حاجاتِ الناسِ كما سبق وذكرت. فإذا كانت هذه الحاجاتُ متطوّرة، تطوَّرت معها العِمارة.
والعمارة ليست فنَّاً، لأسباب عدة: أوَلها، أنها ليست ترفاً، أو قيمة مضافةً إلى حياة الإنسان. بل هي ضرورةٌ لوجودهِ منذُ الإنسانِ الأول، الذي دخلَ الكهفَ وجعل منه بيتاً يحميه، وكانتْ بذلك عِمارتَه الأولى. وبعدها أحسن استخدامَ الحجرِ، والطينِ، وأغصانِ الأشجار، وصنعَ بعضَ الأكواخِ والملاجئ. ومهما كانت المادة المُستعملةُ، والظروفُ التاريخيَّةُ، فالعِمارة تُبنى تلبيةً لحاجة. أما السبب الثاني، فهو أن الحاجةَ هي برنامج ووظائف، وأنا لا أعرف فناً يستجيب لبرنامجٍ. فنحنُ نبني مدرسةً، برنامجُها ووظائفُها تختلِفُ عن برنامجِ ووظائفِ المَشْفَى، والفندق، والسكنِ الفرديّ. فكلُّ عمارةٍ، هي طلبٌ اجتماعيّ مرتكز على برنامجٍ وظيفيّ يَصُوغُهُ المجتمع بذاته، وهي بالتالي ليست فناً.

العِمارة أقربُ ما تكون إلى الإنتروبولوجيا كونها منتجاً اجتماعيّاً يلبيّ حاجة إنسانية متطوّرة ومتغيّرة، وكونها أيضاً لصيقة بحضارةِ شعب وجزءاً من ثقافته

أما السبب الثالث، فهو، أن العِمارةَ لا تقومُ في مكانٍ واحدٍ، أو في غرفة مغلقة كما يفعل النحَّات، أو الفنَّانُ التشكيليُّ أمام لوحته البيضاء. يستنبطُ أفكارَهُ من ذاتِه، وإنما هي طلبٌ اجتماعيٌّ في أمكنة وأزمنة مختلفة. فنحنُ نبني في الجبلِ، وعند الشاطئ، وفي الصحراء والوادي، وفي كلّ مكان. وهناك مكوّنات تقنيَّةٌ لإنتاج العمارةِ، تجعلُ منها منتجاً خاضعاً لظروفٍ موضوعيَّةٍ، لا علاقة لها بذهن المؤلّف أو بالاختيار الذاتي. أما السبب الرابع، فهو دور الموادّ في صناعةِ العمارة. فالمعمارُ يتعامل مع موادّ مختلفة عن المواد التي يستخدِمُها الفنانُ، وإن تشابهت بعضُها، ولكن الأهداف تختلفُ. فالمعمار عليهِ أن يَبني شيئاً نستَعمِلَهُ ويدومُ، ولا ننظرُ إليهِ من الخارجِ فحسب. فإذا صنَعنا شيئاً ننظر إليهِ من الخارجِ، وإن كانَ هناك ثمَّة تشابه بينه وبين العِمارة، فهو لن يكونَ عِمارةً إلا إذا دَخلناهُ، واستخدمناه لتلبية حاجاتنا ووظائفنا. وكلُّ هذه الأسباب تجعلُني أقول، إن العِمارة ليس لها علاقة بالخلقِ الذاتيّ الذي يمثلَّه الفنُّ بل، بالخلقِ الموضوعي.

من أين نشأَ الالتباسُ إذاً؟!
ـــ إذا أردنا الإجابة، علينا أن نعودَ إلى فهمِ التعريف التاريخيّ، أي كيف نشأت العمارة المُمَيَّزة، لصيقة المفاهيم الدينية، من معابد إيزيس والكَرنَكْ في مصر، إلى المعابد الإغريقيَّة والرومانية، حيث كانت العِمارة الأُولى تفتّش عن الدلالاتِ العباديَّة، والرمزيَّة، والجماليَّة، لما يتمُّ بناؤه، انطلاقاً من علاقة ما يُبنَى بمكونات الإيمان. هذا إذا أردنا أن نعودَ إلى تعريفٍ أعمق لقراءةٍ أكثر التصاقاً بالتاريخ وتطوره.
ولكن بتعبير أبسط: إن الحاجة للعِمارة عند الإنسان مركَّبة. حيثُ قالَ ڤِتروڤيوس قبل ألفي سنة، إنه ليس للعِمارة قواعد بل مبادئ وسمَّـاها: المتانة – النفعية- الجمالية. وفي هذه الحالة، يتقاطعُ عملُ المِعمار مع عمل الفنَّان. ولكنَّه في عملِه كمِعمارٍ، فهو لا يفتّش عن الجمال المطلق، بل عن الجمالِ لصيقِ الحاجة. وهو، أي الجمالُ، بالتالي، قيمة مضافة إلى العمارة، وليس قيمةً أصيلة فيها. وفي هذا التقاطُعِ، وربَّما في منشإ العمارةِ على أسسٍ مرتبطةٍ بالنسبِ، المأخوذةِ من نِسَبِ الموسيقى منذ زمن الإغريق، إن كلَّ هذا، قد أدَّى إلى نشوءِ هذا الالتباس، أو هذه الازدواجيةِ بين العمارةِ والفنّ، وبالتالي بين المِعمار والفنان.

إذا لم تكن العمارةُ فناً، فأين هو موقِعها في المجتمع؟
ـــ هي ليستْ فناً بالتأكيد كما ذكرت، وهي أيضاً ليست علماً.

ليست علماً؟!
ـــ نعم. منذُ نشأةِ العِمارة عَبْر التاريخ، وخاصَّةً مع الإنسان العاقل أو المفكّر، لا يوجد أيُّ نظريَّة علميَّةٍ متكاملةٍ، تجعلُ من العِمارة عِلماً. لأنَّ تعريفَ العلمِ بمنطقٍ ومنهجٍ علميّ، أصبحَ له قواعد. فهناك الفيزياءُ، والكيمياءُ، والرياضيَّاتُ، والعلوم المختلفة، التي تدخل كلُّها في مكوناتِ العمارة. وليس من الممكنِ في هذه الحالة، إعطاؤها صفة العلم. فالمعمارُ، يجب عليه أن يكون متملّكاً للهندسة، كما هو معروف، ومتملّكاً لتقنيات البناء قبل كل شيء، وكلُّ خاصيات هذه التقنيات، علميَّة. وهو يستعملُ الرياضيات. والآن يستعملُ التكنولوجيا الرقميَّة. إذاً، هو ليس عالماً. والعمارة ليست علماً. ولكنها تشترطُ معرفةً مركَّبةً، معظمُها معرفةٌ علميَّة. فكما كانت تُوازي المقارباتِ الفنيَّة للفنان، فهي توازي راهناً، مقاربات العالم للعلم، عَبْرَ تملُّك المعمارِ لعناصرَ معرفيَّة، ارتباطُها الأساسيُّ بأنواعٍ متعدّدةً من العلوم.

إذاً أينَ يقعُ تصنيفُها برأيك؟
ـــ إنَّ العِمارةَ كمنتجٍ اجتماعيّ يلبيّ حاجةً إنسانية متطوّرة ومتغيّرة، مع تطور الحاجات وتحسُّن وسائل الإنتاج، وكونها أيضاً لصيقةَ الحضارةِ لشعبٍ ما، وجزءاً من ثقافةِ هذا الشعب، فهي أقربُ ما تكونُ إلى الإنتروبولوجيا. وإذا أردنا تصنيفها، فعلينا أن نَجد لها مكاناً ضمن علومِ المُجتمع. فالعِمارةُ جزءٌ لا يتجزَّأ من المجتمعِ، تتضافرُ فيها كلُّ المكوّناتِ المتطوّرة، والتي تتطوَّر مع تطوُّرِ وسائل الإنتاج في المجتمع.
فالعمارة إذاً، في الإنتاج الاجتماعيّ، هي في موقعٍ ما داخل علوم المجتمع، وعلوم الإنسان، التي تتضمَّن كلَّ الأمور المتعلّقةِ بالإنسان، وعلاقته مع ذاته ومع الآخر.

تبدو فلسفتُك الخاصَّةُ، مختلفةً بشكلٍ جذريّ عن رؤيةِ الآخرين، أي المعماريين والمنظّرين للعِمارة. هل لديك نظرية ومفهوم شامل في هذا الخصوص؟
ـــ فلنبتعد عن إطارِ الفلسفة، ونبقى في إطار نظريات العمارة، بخاصة في ما يتعلق بنا نحن في الوطن العربي. سأُقدّم مفهوماً عن العمارة مختلفاً، وأرجو أن أستطيعَ، في هذا النصّ الموجز، الدخول في صلب الموضوع. فأنا لا أفصلُ العِمارة كما عرَّفتُها، عن الوضعِ الاقتصاديّ - الاجتماعيّ في العالم، خاصَّةً ونحن نتكلَّم عن العِمارة كمفهوم عالميّ. أو عن نظريَّة العِمارةِ، كمفهومٍ يُعالج عِمارة الإنسان في أي مكانٍ وُجد على سطح المعمورة. وكلُّ عمارةٍ تقومُ في مجالٍ اقتصَادِيّ - اجتِماعِيّ معيَّنٍ. وبقراءة شمولية لعالم اليوم، وهي ضروريَّة، يمكنني أن أُصنّف العِمارة اليوم، عمارةً مسيطرة، أي عمارة المعماريين النجوم كما أُطلِقَ عليها، وأعني عمارةَ الفكرِ المسيطر. وهي عِمارةُ المجتمعات ما بعد الصناعية بالتعريف، والتي تطوَّرت لتسمَّى بالمجتمعات الرقمية. وهي تُعتَبرُ المركزَ المسيطرَ والمنتِج للعمارةِ المعَولَمة.
ولدينا أيضاً المجتمعات التي تتلقَّى كلَّ شيء، ولا تُنتج شيئاً من السِلعِ الرئيسة، أو من الثقافة. وهي متأثرةٌ بشكلٍ أو بآخر بالمجتمعات الرقمية. إنها تنتج الصنف الثاني من العمارة، وهو عمارةُ الأطراف. ونحن العرب، من منتجي هذه العِمارة. ومهما حاولنا، نحن منتجي عِمارةِ الأطرافِ، أن نفِلتَ من الفكر السائد بواسطة وسائل الإعلام، والإنترنت وغيرها، يبقى تأثيرُ هذا الناتجِ علينا ظاهراً. فنحنُ تابعون للعالم المتقدّم، وما ننتِجُه من عمارةٍ عندنا، يمتلكُ صفة التبعيَّة. أي أن عمارتَنا تابعةٌ لا شخصيَّة لها. وعلى الرغم من وجودِ تيَّاراتٍ معماريَّة عدة تُصرّ على وجودِ العِمارة الإقليمية، وهي موجودة وجيّدة، ولكنَّ الفكر المعماريَّ، مُسيطَرٌ عليه من قبل وسائل الإعلام المعاصرة. فهو يروّجُ لأعلامِ العِمارة الغربيَّة كجان نوفل ونورمن فوستر، ويُهمِلُ كلَّ ما هو متعلّقٌ بمُنتجي العِمارة المحليَّة الإقليمية، أمثال: ريكاردو ليغوريتا في المكسيك، وراج ريوال في الهند، وراسم بدران في الوطن العربي، ورفعت الجادرجي في الوطن العربي أيضاً، والذي أنتج عِمارةً استطاعتْ أن تقول أنا عراقية، من دون أن تقول أنا عمارة منقولة.

اليوم هناك عمارة المعماريين النجوم كما أُطلِقَ عليها، وأعني عمارةَ الفكرِ المسيطر، وهناك عمارة الأطراف التي ننتجها نحن العرب


وبعضهم يسمّي هذه العمارة إقليمية أو محلية، مواجِهة للعَولمة في اللغة السائدة. وأنا أستبدِلُ عبارةَ المحليَّة أو الإقليميَّة بكلمة مقاوِمة، وأقولُ العمارة المقاومة، والتي تُعتَبرُ جزءاً من المقاومةِ الشاملة، التي تسعى للتحرر، على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية كافة. هناك إذاً تيار مقاومٌ موجودٌ واستطاع هذا التيار، النهوض. ولكنَّ وسائل الإعلام المعاصرة، تفرض سيطرتها، وتصدّرُ الأعمال والأسماء. وهذه الظاهرة هي بحاجة للتحرُّر أيضاً، ولا يُمكنُ أن تتحرَّر إلاَّ بالمقاومة. إذاً، نحن بحاجة لهذا التيار المقاوِم في العِمارة، وهو موجودٌ. لكنه بحاجة لينمو، ويشمل ما يُنتِجه المعماريون عندنا، ليفرضوا ذاتهم في النهاية على وسائل الإعلام المحلية أولاً، والتي يجب أن تتحرَّر، وتفرض بعد ذلك رأيها، على الإعلام العالمي المسيطِر.

العمارة المقاومة إذاً هي مفهوُمك، وقد طرحَته الآن. هل يُمكِنُكَ أن تُفيدنا بمواصفاتٍ لهذه العمارة؟
ـــ أولاً، يجب أن تكونَ ابنةً للتطُّورِ الحضاري لشعوبِ المكان. وعلى المستوى الاجتماعيّ، أن تكون وليدة المجتمع الذي هي فيه. ومن حيثُ مواد البناء المستعملة، عليها أن تستعمِل الموادَّ المتوافرة محلياً. وأُعطيك مثالاً حسن فتحي الذي أنتج عِمارةَ الطين، حيث استعملَ الطينَ، وجعل الناس يبنون بيوتهم بأنفسهم. وهو بذلكَ معمارٌ مقاومٌ. إذاً، علينا استخدام المواد المتوافرة في المكان، لتنتج عمارتنا المقاومة.

وهل نجحتَ أنتَ في أن تكونَ معماراً مقاوماً؟
ـــ أنا لا أعتقد ذلك، ولكنني أقول إن هذا هو موقفي من العمارة، وليس من الضروري أن أنجح، وقد لا أستطيع النجاح. ولكنَّني أطرح فكرةً، ومنطلقاً، يمكنُ أن يشكّلا عنصر استقطابٍ. وقد قدتُ هيئةَ المعماريين العرب مدة أربع سنوات، في هذا الطريق. وأقولُ، إن هذا هو الطريقُ الضروريُّ، ومعركتُنا لإنجازِ عمارةٍ مقاومةٍ، هي ذاتُها معركتُنا في النضالِ الوطني للتحرُّر، ولكي نكونَ نحنُ ذاتنا، لا كما يُرادُ لنا أن نكون.

هل يمكننا اعتبارُ العِمارة المُقاومة، حلاً للمشاكل التي تعانيها عمارتُنا اليوم، ومنها مشكلة الهُوية!؟
ـــ نعم. ولكن موضوع الهوية معقد وشائك، بمعنى أن هناك موقفين: أولهما سلفي، يعتبرُ الهُويةَ شيئاً مقدَّساً لا يُمكنُ المساسُ به، ويجب ألاَّ نخرُجَ عليه. أي استمرارُنا في الهُوية، هو أن نعيد إنتاج أنفسنا كما كنا عليه سابقاً. وهذا مفهومٌ مغلوطٌ بالكامل. فالهُوية ليست ثابتةً، بل متغيّرة مع الوقت. وليست مُغلقةً، وإنما تتغيَّر بعاملين اثنين هما، عاملُ التطوُّر الذاتي، وعامل التطور الجَمعّي الناتجِ عن الاحتكاكِ بالآخرين. فلا وجود للهُوية المُغلقة، والتي تدافعُ عن نفسها بالانغلاق. فهُويتي، هي ما أستطيع أن أُظهره للناس اليوم، وليس كما كنتُ عليه منذ ألفي سنة. وعليَّ أن أجدَ الوسائلَ التي تميُّزني اليوم.
وبهذا الفهم الآخر للهُوية المتحوّلة المتغيّرة، أستطيعُ أن أختبرَ تَجاربَ الآخرين من دون الوقوعِ في التغريب، وهو الموقف الآخر من الهوية. أي أن أفهمَ وأُحسِنَ الاستعمالَ، لأتطور. وأهمُّ شيءٍ في العمارةِ المقاومةِ، أن تكون ملائمةً للمرحلةِ التي وصلت إليها، بعد استعمارٍ، وثقافة غربية مسيطرةٍ، دون الدخولِ في محظور الذوبان المطلقِ. أي أنَّ عليَّ أن أُنتِجَ ذاتاً جديدة، هي بنتُ الوضعِ القائمِ، لا تكونُ تقليداً للقديم، ولا ذوباناً في المفروض. بل صهراً لاقتباساتي الجديدة، مع ما بقي لديَّ من إرثٍ له قيمة. وبالتالي، إنتاجُ هُويَّةٍ مقاومةٍ تحمِلُ مفهوماً جدلياً. وبشكل عام، فإن حلُولَنا في مسألةِ العمارة، مرتبطةٌ بحلُولِنا لمشاكلنا المجتمعية. فنحن بحاجةٍ إلى مجتمعٍ مقاومٍ، يمتلكُ ثقافة مقاومةً، وهُوية مقاومةً، وبالتالي، عمارةً مقاومةً.

هناك الكثير من المعماريين العرب، الذين يرون في قراراتِ حكوماتِهم، إعاقةً حقيقيَّةً لدراساتهم، التي تسير باتجاه مغاير لهذه القرارات!؟
ـــ هذه المسألة لها علاقة بالمدينة، أكثر من علاقتها بالعمارة. وهناك طرحٌ جدليٌّ، يربط العمارة بالمدينة، وبالسلطة أو بطبيعة السلطة. وأنا شخصياً أرى، أن قوانينَ تنظيمِ المدينةِ في الوطنِ العربيّ منحازة، وهي لا تقومُ بتنظيمِ المدينةِ بما يساعدُ على تأمين جودة حياة الناس فيها. فالمجتمع يتألف من فئات اجتماعية ذات مصالح متناقضة، ولا يستطيعُ المسؤول عن التنظيم إنصاف كل الناس. فعليه لذلكَ، أن يكونَ موضوعياً، من خلال توجُّهِهِ للاختيارات الفضلى، للعناصر المظلومة في المجتمع. ولكنَّ الذي يحدث، هو عكس ذلك. فالقوانين تصدرُ لصالح القوى المسيطرة، وليس لصالح الفقراء ذوي الاحتياجات الفعلية. ومن هنا أجزمُ، أن لا وجود لقوانين محايدة، فكلّها سياسيَّة. والسياسة تصنعُها الشرائحُ الأقوى في المجتمع. وهناك بالتالي، أساس موضوعيّ قائم، يتعلَّق بموازين القوى داخل المجتمع. فالقوى صاحبة المصلحة، بتنظيم المدينة بما يرقى بمستوى حياة الأكثرية الساحقة من سكانها، تكاد تكون غير موجودة، وإذا وجدت، فهي غير فاعلة. ولا حلم بتنظيمٍ مدينيّ يُريحُ الناسَ، ويُحسّن شروط حياتهم، في ظلّ الأنظمةِ السياسية السائدة.
أما في ما يتعلَّق بالعِمارة، فيمكنُ لأحدِنا مثلاً، أن يَعملَ في القطاعِ العامّ، ويُسهم، وإن بتواضعٍ، في إنتاج أعمالٍ معماريَّةٍ تكونُ في المكانِ، لناس المكان. ولكن المُشكِل يعودُ، إلى أنَّ دورَ الدولةِ محدودٌ في البنيان. والقطاع الخاصُّ يقومُ بكلّ شيء يعودُ إلى العمارة. والجزءُ الضئيلُ الذي يقومُ به القطاعُ العامُّ، يخدمُ مصالحَ خاصةَ، ضيِّقة ومُنحازة، والخلل بالتالي، يكون مزدوجاً.
ونستطيعُ أن نَستخلِصَ نتيجةً حاسمةً في هذا المجال، هي أن الدورَ الحقيقيَّ في البنيانِ هو للقطاع الخاص، وهو المحدّد. وهو قطاعٌ ريعيٌّ، أولاً، ومروّجٌ لبضاعةِ الفكر المسيطر عالمياً، ثانياً، ومروّج لوسائل البنيان المسيطرة عالمياً في إطار السوق التنافسي، ثالثاً. فالمشكلة إذاً أكبر من التوقعات، وتُطرح على مستواها الفعلي الشامل.

ما أسلفتَ به، يدفعنا لسؤالك عن رؤيتِكَ لواقِعِ العِمارةِ العربيَّة في المستقبل؟
ـــ أولاً، دعنا نتفق، أن لا عِمارة عَربيَّة اليومَ، بل هناك عمارةٌ في الوطنِ العربيّ. فنحنُ لا ننتجُ عمارةً عربيةً اليوم. وإذا اعتقدتَ، أنَّ ما يبنيهِ زملاء لنا، بتقليد التراثِ، هو إنجاز تجديديّ فعليّ، فهو أبعدُ ما يكونُ عن الإنجازِ المجدَّدِ. إنه نقل صافٍ للعمارة التقليدية، ولا جهد تجديديّاً في ذلك. فنحنُ لا نستطيعَ أن نُنْتِجَ اليومَ، عمارة أنتِجتْ بمواد أخرى، وفي ظروف تاريخية مختلفة. وعلينا أن نَفهَمَ جوهَرَ التراثِ ومَضْمونَهُ، ونتعلَّم منه. ولكنَّنا لا نستطيع نقله. أن نتعلَّم منه هو شيء، أما نقلُه فهو شيء آخر. ومن هنا، أميّز بين راسم بدران وغيره مثلاً، وبين رفعت الجادرجي وغيره.
نحن ننتِجُ عمارةً، معظمُها خاضعٌ للتياراتِ السائدةِ، والموادِّ السائدةِ. والتنافُسُ يحصلُ، بمدى قُدرتِنا على تقليدِ ما يُنتج في العِمارة الغربيَّة حالياً. ولا مُحاولةَ منا للتعلُّم من التراثِ، لإنتاجِ عمارةٍ فيها روح التراث كما يفعل ريكاردو ليغوريتا في المكسيك، أو كما يفعل راسم بدران عندنا. مُعظمنا لا يقوم بذلك.
أما بالنسبةِ إلى المستقبل، فأنا لا أستطيعُ التكلّم عن العمارةِ، وكأنَّها كيان منفصل عن المجتمعِ، يستطيعُ أن يتحوَّل بذاته، من دون أن يكون المجتمعُ متحولاً. فلنُنتِجَ هذه العِمارة، علينا أن نُحوّل المُجتمعَ أولاً وليس العكس. وشخصياً، لا أرى آفاقاً قريبة لتحول المجتمع العربي إلى مجتمع مستقل، بثقافة مميَّزة، يستطيعُ بواسطِتها أن يُنتِج عمارةً مميَّزة، يقولُ هذه عمارتي على أرضي. إن هذا بعيد جداً، لأن الوطن العربي في تمزُّق، والثقافة العربية في تمزُّق أيضاً. فالموضوع ليس بالتفاؤل بمستقبل العمارة، بل بالتفاؤل بمستقبل الثقافة العربية ككل.

لكن هناك حركات متعدّدة في بعض الدول العربية، كما أكَّدتَ أنتَ سابقاً، أليس ذلك داعياً للتفاؤل؟
ـــ أنا رجلٌ قوميّ عربي، وأعتبرُ أن لا شيء ممكناً عربيَّاً على المستوى القُطري، خاصة في القضايا الكبرى، كالثقافة، والتعليم. فهذه الأشياء ستحصلُ بالضرورةِ على المستوى العربيّ، ونحن علينا إيجاد آلياتٍ لتعاون عربيّ لإنشاءِ ثقافةٍ عربيَّة مقاومة. عندها يمكننا الحديث عن عِمارة عربية، تشكِّل جزءاً من مجموعاتِ الثقافاتِ، التي تشكّل بدورِها الثقافة العالمية.