جاء في سورة القصص: «وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين» (سورة القصص: 44).

وقد ألغزت جملة «بجانب الغربي» على المفسرين القدماء، وأثارت اضطرابهم. وكل ما تمكنوا من الوصول إليه إنما هو القول بأن جانب الغربي تعني: «جانب الجبل». ذلك أن آية أخرى في سورة مريم تحدثت عن موسى وعن «جانب الطور الأيمن». والطور هو الجبل، كما أخبرنا: «واذكر في الكتاب موسى إنّه كان مخلصاً وكان رسولاً نبيّاً. وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا» (مريم: 51-52).
بناء عليه، وبالمقارنة، فجانب الغربي يجب أن يكون جانب الجبل الأيمن. لكن أي جبل؟ هذا ما يُختلف عليه بشدة.
غير أن سورة القصص حدثتنا عن «شاطئ أيمن» لواد ما، نهر ما، وليس عن جانب لطور- جبل. كما أنها أضافت شجرة لتزيد من تعقيد الموضوع: «فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين» (القصص: 30).
عليه، فنحن أمام ثلاثة أمور: الجانب الغربي، جانب الطور الأيمن، وشاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة.
ويبدو أن هذه الأشياء متساوية. أي أننا مع تعبيرات مختلفة عن الشيء ذاته. لكن من أي واحد من الثلاثة علينا أن نبدأ لكي نفهم اللغز المثلث كله؟
يبدو أن علينا البدء بالشاطئ الأيمن وشجرته، حيث نودي موسى من بقعة مباركة من هذه الشجرة. ويبدو أن هذه البقعة تقع في «الجانب الغربي». وبما أننا نتحدث عن شجرة، فمن المنطقي أن نفترض أن الأمر يتعلق بفرع غربي من هذه الشجرة. وهو ما يعني أن لهذه الشجرة عدة أفرع. أو قل إن لها على الأقل فرعين: فرع أيمن، وفرع أيسر يجب أن يكون هناك كي يكون ممكناً الحديث عن فرع غربي. وهذا يعني أن موسى مرتبط دوماً بالطرف الغربي سواء تعلق الأمر بجبل أو شجرة أو واد.
وهناك رواية عن طفولة الرسول محمد تربط بوضوح بينه وبين شجرة يمنى، أو غصن أيمن من شجرة في بعض الروايات. وهو ما يدعم أن «بجانب الغربي» تقصد الفرع الغربي للشجرة. كما يدعم أن نبوة محمد مشابهة لنبوة موسى: «قال ابن إسحاق...: وزعم الناس فيما يتحدثون... أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهي مقبلة نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب فقالت: إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعلى مكة أضلني، فوالله ما أدري أين هو. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله تعالى أن يرده صلى الله عليه وسلم... فسمع هاتفاً من السماء: أيها الناس لا تضجوا إن لمحمد صلى الله عليه وسلم رباً لن يخذله ولن يضيعه. فقال عبد المطلب: من لنا به؟ فقال: إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى. فركب عبد المطلب نحوه، وتبعه ورقة بن نوفل، وسار، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قائم تحت شجرة يجذب غصنا من أغصانها فقال له جده: من أنت يا غلام؟ قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب» (الشامي، سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد).
إذن، فالهاتف يخبر عبد المطلب أن حفيده «عند الشجرة اليمنى»، فيذهب ويجده «قائماً تحت شجرة يجذب غصناً من أغصانها».
وتبعاً لهذه الرواية، فبدل أن نجد شجرة بعدة أفرع، أو بفرعين على الأقل، أيمن وأيسر، نجد «شجرة يمنى». وهو ما قد يرغمنا على افتراض أننا مع عدة أشجار تنبثق من أصل واحد. أما الرسول فكان تحت الشجرة اليمنى منها، وكان يجذب فرعاً من فروعها. وليس هذا بالغريب، فنبوته من طراز نبوة موسى كما لحظنا أعلاه. لذا فعندما طرح عليه أن يبنى له بيت يستظل تحته في بداية إقامته في يثرب قال: «بل عريش كعريش أخي موسى».
ثمة إذن شجرة بثلاثة فروع، أو أشجار ثلاث تطلع من أصل واحد. وهذه الشجرة، أو الأشجار الثلاث ذوات الأصل الواحد، هي الشجرة الكونية.
لكن هل للزيتونة القرآنية الشهيرة علاقة بهذا الأمر، أو بهذه الشجرة المثلثة؟:
«الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم» (سورة النور: 35).
من الواضح بالنسبة لي أن الآية هنا تتحدث عن ثلاث أشجار: شرقية وغربية ووسطى بينهما، كما هو الحال مع حديث طفولة الرسول. وهذا ما يدعم افتراضنا بأننا نكون أحياناً أمام ثلاثة أفرع وأحياناً ثلاث شجرات ذوات أصل واحد. الشجرة الغربية هي شجرة موسى في ما يبدو، وهي شجرة النبي محمد أيضاً. وهو ما يعني أن نبوتهما معاً غربية. أما الزيتونة، فترتبط بنبوة وسطى، لا شرقية ولا غربية. أعرف بالطبع أن المصادر الإسلامية فسرت الشجرة على أنها تتعلق بالمعتقد الوسطي: «يعني حنيفية لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية» (تفسير القرطبي). لكن هذا تفسير جاء بعد انتصار الإسلام، وليس له رابط بالمعنى الأعمق للأسطورة وللقصة الدينية.
على كل حال، فلدينا في القرآن شجرتان: واحدة طيبة «أصلها ثابت فرعها في السماء»، وشجرة خبيثة «اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار». ويبدو أن هاتين الشجرتين بثلاثة أفرع أو ثلاثة سيقان. الشجرة التي ليس لها قراء شجرة مضادة للشجرة الكونية الطيبة.
لكن لم أُدخل الجبل- الطور في المسألة كلها إذا كنا مع شجرة في الحقيقة؟ لقد أُدخل لأن الشجرة الميثولوجية المذكورة تأخذ أحياناً شكلاً حجرياً، أي تأخذ شكل جبال ثلاثة أو شكل أهرام ثلاثة. وخذ هذا النموذج المصري من عهد ما قبل الأسرات.



وكما نرى في الصورة، فلدينا شجرة حجرية محفورة تنطلق من أصلها أفرع- أهرام ثلاثة. وفي الحقيقة، فإن يمكن رؤية أهرام الجيزة الثلاثة على أنها شجرة بثلاثة أفرع. نعم، شجرة كونية مثلثة.
ولدينا تصوير جميل على حجر من موقع غوبكلي تبي Gobekli Tepe في جنوب تركيا، عمره 12 ألف سنة، يقدم لنا شجرة بأفرع ربما تكون هي الشجرة الكونية التي نتحدث عنها. وكما نرى فهي شجرة بأفرع ثلاثة. وعلى جانبيها طائر (صقر؟) وحية. الحية تقف على الجانب الأيمن للشجرة.



ويبدو أن المسيح أيضاً كان مرتبطاً بالحية، أي بالجانب الغربي أيضاً: «وكما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان» (يوحنا 3: 14). فابن الإنسان هنا، أي المسيح، ينبغي أن يرفع كما رفعت حية موسى في البرية. فقد رفعها ووضعها على رايته. وليس هذا غريباً، فالمسيح أرسل لبني إسرائيل: «لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل» (متى: 15: 25). وبنو إسرائيل مرتبطون بالجانب الأيمن من الشجرة، أي الجانب الغربي: «يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن» (طه: 80). وإذا كانوا مرتبطين بهذا الجانب، فهم مرتبطون بالحية أيضاً، مثلهم مثل المسيح. لكن يجب الانتباه إلى أن بني إسرائيل لا اليهود هم الذين ارتبطوا بالحية. من أجل هذا، فقد سحق حزقيا التوراة اليهودي حية موسى: «وكسر التماثيل، وقطع السواري، وسحق حية النحاس التي عملها موسى، لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها، ودعوها نحشتان» (سفر الملوك الثاني 18).
نبوة موسى، ونبوة المسيح، هما اللتان ترتبطان بالفرع الغربي وبحيته.
أخيراً، ما علاقة الوادي أو النهر بالأمر كله، ولم تحدث القرآن عن «شاطئ الوادي الأيمن»؟
والجواب أن الشجرة الكونية حين تنطرح أفقياً على الأرض، تتبدى كما لو أنها نهر بثلاثة أفرع- مصبّات مثل نهر النيل التي خلقت فروعه الثلاثة الدلتا في شمال مصر.
بذا، فلدينا مثلث قد يكون شجرة مثلثة، أو جبال أهرام مثلثة، أو نهر بأفرع ثلاثة.
والفرع الثالث، الأيمن، الغربي، من طبيعة موسوية. أما الفرع الأيسر، الشرقي، فهو الذي يحمل النبوة المعاكسة لنبوة موسى. وأسطورة الشجرة المثلثة عميقة الجذور في التاريخ البشري. وهي تعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى، أي إلى 40 ألف عام على الأقل. وخذ هذه الشجرة من كهف إلكاستيللو في إسبانيا ذلك العصر:



صــورة هــذه الشجرة الحمراء تشبه أيضاً نهراً له فروع ثلاثة تصب في البحر

* شاعر فلسطيني