في رواية «رباط المتنبي» (المركز الثقافي العربي) للكاتب المغربي حسن أوريد (1962)، نجد الماضي كشفاً للحاضر، فالمتنبي يجيء إلى زمان قبيح؛ إنسانه مستلب وثوراتهُ نكوص ويباس. يجيء ليكون مثالاً للقوة والجمال. تذخر الرواية بأسئلة الواقع العربي، ويعمد الكاتب إلى مقاربات فلسفية وفكرية يستخلص منها عبراً وحلولاً وأجوبة. إلى جانب المتنبي، الطاغي بطبعهِ، حضوراً لغوياً وتحليلياً، أسّس الروائي نصه على وجود بارع للشاعر، وهو بذلك ينشد عودة الرمز. إلا أنّ أوريد نجا بنصهِ من تصوير الرمز ببعدهِ المقدس والمثالي والمطلق. بل نرى المتنبي وقد ارتدى دثار الحاضر، نزل إلى الشارع، هتف مع المتظاهرين، دخل السجن وثمّ المصحة العقلية. يقابله أستاذ جامعي لا يتوقف عن محاكمة سلوكهِ، وتذكيره باختلال الأزمنة، فيما اللغة تبقى إطاراً جامعاً وشفيفاً وشاملاً، تحمل الفكر والذاكرة والجماليات. كما لو أنّها بهذه المضامين الثلاثة تحمي الذاكرة والفكر والجمال. يستخدم أوريد فن الرواية وعاءً لأفكار وهموم، لنظريات اجتماعية وسياسية، يقارب الثورات العربية عبر حال العراق والشام، ويقف عند نشوء «داعش» في البلدان التي حكمها حزب البعث العربي الاشتراكي في سياق الوحدة والحرية والاشتراكية. بالتالي، نرى الشخصيات في الرواية مجرد أدوات لقول يختفي وراءهُ المؤلف. وبهذا لا تكون الرواية حكايةً، وإنّما خطاباً سردياً متآلفاً مع وظيفة معرفية، حتى إنّها تنتهي بصورة، بدا أنّ المؤلف قد أنهى حديثاً وزعه على الشخوص. وبانتهاء الحديث الغني بالشجون، أنهى روايتهُ، وقد كتم أصداء المتنبي والأستاذ والمرضى والممرضات والدكتورة في مستشفى الأمراض العقلية، كما لو أنّها أصداء تعود لصوت واحدٍ، غني ومتنوع، انتماؤه يتوزع بين الأمازيغية والعربية، بين الثقافة الفرنسية والإرث العربي.


يحرك عقل نقدي رتابة المشهد الذي أطاح فيهِ الواقع الأسود بالفكر الحر. بهذا تأخذ رواية «رباط المتنبي» مأخذاً نقدياً من التراث العربي، بالقدر الذي تكيد فيهِ للواقع. وربما البراعة التي توظف كلّ هذه الانفصامات، كانت باختيار الكاتب لشخصية تعاني انفصاماً حاداً. إذ ينتهي القسم الأول من الرواية، والقارئ غافل عن واقعية مجيء المتنبي إلى شقة سكنية في الرباط، ليعرّف عن نفسهِ بأنّه أبو الطيب المتنبي، ثم يدخل، ويتسلل من فورهِ إلى حياة يومية قائمة. إلا أنّ القسم الثاني، الذي يشكل نصف العمل، يعيد القارئ إلى واقع ملموس، ويتيح فهم القسم الأول على أنّه مرض نفسي لأستاذ جامعي، دفعته خسارته لزوجته، التي تحب المتنبي والأندلس، إلى اختلاطات، جعلته يعتقد أنّه المتنبي ذاتهُ. كأنّ الكاتب أراد بهذين القسمين المتكافئين، أن يردم الواقع بفكرة تخيلية، عززها بأحداث حقيقية، مثل التظاهرات التي شهدها المغرب العربي، والقضايا الإشكالية التي نعاني من قصور في بحثها. إذ ينجلي هوسُ الكاتب، لا على عالم المتنبي كما يُهيأ بدايةً، وإنّما على هوسٍ باستنهاض قيم العدالة والحرية. يعيد الكاتب جلّ الأجوبة في نصهِ الفكري إلى «القوة» التي، مثالها الأسمى هو «شعر المتنبي». وقد أراد الشاعر التحدث إلى «الجموع» من خلال الأستاذ الجامعي، ضمناً أهله الذين يتقاتلون في حلب وسواها. وباقتتالهم، كان المتنبي يشكو الهجران، ما برّر ظهوره في المغرب العربي عند رجل يحاول إنصافهِ بفصل صورة الشاعر عن بلاط السلطان، وإعادة كلّ منهما إلى دورهِ الاجتماعي. ثم يتوقف عن ذلك ضمن هذيانٍ منفلت، ينفي حاجة العرب إلى الشعراء والأدباء، ليزعم في المقابل حاجتهم إلى مفكرين يقفون على الخلل البنيوي الذي يعتري الثقافة العربية، بينما لا يتوقف عن ذكر «الإنسان الأسمى» الذي نظّر لهُ نيتشه والمتنبي على السواء.
تزخر الرواية بأسئلة الواقع العربي

عدا اختيار مريض ذهان يعاني من أعراض هلوسة وهذر، نجح أوريد في اختيار انتماء متعدد لبطلهِ. إذ إنّ واقع الأستاذ الجامعي هو الشبهة، حيث يرميه العرب بقولهم «احذروا... إنّ عروبته مشوبة بالأمازيغية»، ويرميه الأمازيغيون بقول مشابهِ، فيما يشكل هو بذاتهِ، الحقيقية والمهلوسة، مثالًا لأولئك الذين يعبرون الانتماءات القومية إلى انتماءات إنسانية أرحب، ولتكون عودة الرمز بالنسبة إليه، بمثابة اللجوء، قبل أن يرمي برمزهِ إلى حضيض يومي؛ بما يشمله من خيانات وغراميات شائنة يعرفها في علاقات نسائية. إذ يصل الاشتراك الفكري للأستاذ وزوجته حداً يعتقدها تخونه مع المتنبي، ويجد مبرراً للانقضاض على رمزهِ الذي خذلهُ، بعدما خذل الواقع الرمز. فهو واقع يشكو سطوة سياسية واستبداداً، وممارسات بحق المعارضين تمثلها شخصية «الماجور». يكتفي الأستاذ من رمزه بالأشعار، في انتظار تبدل الأزمنة وانكشاف الحقائق.
تلخص عبارات عامة حال العرب مثل القول بأنّ «قوتهم في خطابهم» واعتبار «الموتى يعيشون بينهم». بمقاربة هاتين العبارتين، نفهم ذلك الأستاذ الذي اختلطت عليه الأزمنة، وتاه عن حاضره بماضٍ غير ذاتي. نفهم لماذا أحضر خطاباً قوياً، مثل شعر المتنبي، ولمَ أحضر ميتاً إلى الحاضر. إنّ أوريد جعل من بطلهِ تجلياً لأزمة عربية، رغم رغبته بحلّها. بهذا يُنضِج مسعاه وينفيه بالمثل؛ إنّه يسكن التاريخ ويحذر ساكني التاريخ، بأنّهم بهذا الركون الآمن يخرجون من الجغرافيا ويستوطنون اللغة.