ستنقصك جرعة ما، في حال لم تقرأ «موسم الهجرة إلى الشمال»... هذه الرواية التي كتبها الطيب صالح (1929ـــ 2009) باتت علامة فارقة في المدوّنة الروائية العربية، جيلاً وراء آخر، منذ إصدار طبعتها الأولى (1966)، لتتوالى طبعاتها اللاحقة إلى اليوم بأكثر من 20 لغة عالمية. هكذا وضع هذا الكاتب المجهول حينذاك اسم السودان على خريطة الرواية العربية بقوة، وسيصبح «مصطفى سعيد» بطل الرواية من أشهر الشخصيات الروائية العربية، في تشريح العلاقة بين الشرق والغرب. ستقتحم الرواية أسوار الجامعات في أطروحات أكاديمية بوصفها نموذجاً فذّاً لأدب ما بعد الكولونيالية.



لكن هذه الرواية ستصاب بكدمات لاحقة إثر منعها في السودان بتهمة الاستهزاء بقيم المجتمع السوداني وعدم نقلها صورة واقعية وأمينة لملامح الحياة في البلاد. هذا القرار التعسّفي لم يؤثر فعلياً على حضور الرواية، وإنما أسهم في انتشارها على نحوٍ أكبر، عن طريق طبعات إلكترونية متلاحقة، وتجديد الألق حولها كنوع من الاكتشاف المتأخر، كما ستنشئ مؤسسة الاتصالات في الخرطوم بالتعاون مع «مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي» جائزة سنوية باسم الطيب صالح للإبداع السردي العربي. وإذا بصاحب «عرس الزين» يزداد حضوراً بعد رحيله كأيقونة سودانية أصيلة. ورغم كتابته أعمالاً لاحقة مثل «بندر شاه»، و«دومة واد حامد»، إلا أن «موسم الهجرة إلى الشمال» التي كتبها بعد هجرة قريته في السودان إلى لندن، التصقت باسمه وحدها كدمغة مركزية غير قابلة للمحو أو النسيان. اليوم، بعد نحو نصف قرن على صدور هذه الرواية (1966)، وعشر سنوات على غياب صاحبها، تتخذ مجرى آخر لمعنى الهوية والهجنة الثقافية، خصوصاً إثر موجات المهاجرين الجدد إلى أوروبا، وانتشار أمراض الفحولة الطارئة لدى بعض اللاجئين. ذلك أنّ «مصطفى سعيد» الأمس، تناسل إلى نماذج جديدة في أسباب الكراهية والعنف والشهوانية من جهة، ومحاولة الاندماج من جهةٍ أخرى، في مدوّنة مضادة للرواية الكولونيالية، كما تبدت في رواية «قلب الظلام» لجوزيف كونراد مثلاً. تكمن فضيلة الطيب صالح في تصدير رواية سودانية إلى العالم العربي، من موقع الريادة والخصوصية المحلية، مما أفسح في المجال لاحقاً أمام صعود أسماء سودانية أخرى في المشهد الروائي العربي.