لن ينجو التعريف بعلي الشوك (1929 ــ 2019) الذي رحل قبل شهرين في لندن، من اختزال ما لتشعّب تجربته الكتابيّة. هذا الباحث والروائي لم يستسلم لمجال بحثي واحد، إذ لطالما شرّع كتبه على مجالات ثقافية وعلمية مختلفة. من منطلق الرياضيات التي درسها في أميركا منتصف القرن الماضي، قدّم كتابه الأول «الأطروحة الفانتازية» بداية السبعينيات، معتمداً المنهج الرياضي للتصدي لقضايا شعرية وتراثية وموسيقية مختلفة. الكاتب الماركسي الذي انخرط في الحزب الشيوعي العراقي قبل هجرته النهائية إلى أوروبا، اهتمّ بالموسيقى مثل اهتمامه بالفيزياء. كتابه «أسرار الموسيقى» (2003) غاص في الموسيقى الكلاسيكية الغربيّة تحديداً. أما في «الموسيقى بين الشرق والغرب» (1997)، فقدّم رحلة موسيقية وصوتية تاريخية منذ العصور البدائيّة، مروراً ببابل والعصور الوسطى والأزمنة الحديثة، التي توقّف عندها في كتاب مستقلّ حول الموسيقى الإلكترونية. بعد شهرين على وفاته، يعود الشوك بدراسة حول شخصية المسيح ومريم المجدلية ومريم العذراء في «المسيح خارج الكتاب المقدّس» الذي صدر أخيراً عن «منشورات الجمل».


لوحة بيتروس كريستوس «البكاء على المسيح» ( 380 × 305 سنتم ــ زيت على لوح ـــ 1444) اختيرت غلافاً لكتاب علي الشوك

في سيرته الذاتيّة «الكتابة والحياة» (2017)، عرّف الشوك بنفسه على أنه قارئ قبل أن يكون كاتباً. موهبته تكمن هناك. كتابه الجديد، يأتي خلاصةً لتجربته كقارئ وناقد أدبي أنجز دراسة حول «ستندال» مقدماً قراءة معاصرة لروايته «الأحمر والأسود» (1831)، وكقارئ للأساطير التي خلّف فيها كتاباً بعنوان «جولة في أقاليم اللغة والأسطورة» (1998) حول إشكاليات الأساطير، وحضورها اللغوي وطابعها الفانتازي. لذا من المتوقّع أن يتسلل الشوك في «المسيح خارج الكتاب المقدّس» إلى سيرة المسيح من خارج الإنجيل، أو المرجعيات الدينية التقليدية. إذ يطأها بالاستناد إلى إرث أدبي وميثولوجي غربي وشرقي منه «الإغواء الأخير للمسيح» لنيكوس كزانتزاكيس، و«الرجل الذي مات» للكاتب البريطاني دي اتش لورنس، ومخطوطات نجع حمادي التي ظلت مخفية في مصر، فضلاً عن الديانات المصرية القديمة، وتحديداً إيزيس التي يحاول أن يعثر على ملامحها في شخصيتي مريم العذراء ومريم المجدليّة. يتوقف الكتاب عند مواضيع إشكالية في سيرة المسيح منها أصل اسمه وزواجه، وعلاقته بالمرأة، مستدعياً شخصيات من الثقافة العربية مثل الولادة بنت المستكفي، وتأثيرات أسطورية غزيرة تتسع لها سيرته من السومرية والمصرية واليونانية واليهودية والرومانية.