لم يكن المسجد الأقصى، قبلة الإسلام الأولى، النقطة الوحيدة التي ربطت بين الإسلام المبكر وفلسطين. إذ تخبرنا المصادر العربية عن وجود شخصيات مهمة في الحلقة القريبة من الرسول في يثرب. فقد أخبرتنا مصادر السيرة عن اثنين من هؤلاء على الأقل: فيروز الديلمي وتميم بن أوس الداري.

أما فيروز الديلمي وأبناؤه، فقد دعوا بالفلسطينيين: «الضحاك بن فيروز الديلمي، الأبناوي، ويقال الفلسطيني». ويقال إنّ الرسول كلّف فيروزاً هذا بقتل الأسود العنسي المتنبئ اليمني الشهير: «وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة... وأتى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء، فخرج ليبشّر الناس وقال: قتل الأسود البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين، قيل: ومن قتله؟ قال: فيروز الديلمي» (الصفدي، الوافي بالوفيات).

لم يكن المسجد الأقصى النقطة الوحيدة التي ربطت بين الإسلام المبكر وفلسطين

لكنني أعتقد، بما يكاد يقترب من الجزم، أنّ فيروزاً هذا لم يكن شامياً فلسطينياً، بل كان يمنياً من أصل فارسي، وأن نسبته إلى فلسطين حصلت نتيجة خلط محدد يتعلق بلقبه «الأبناوي». إذ فهم أن هذا اللقب نسبة إلى بلدة يبنه (يبنا) بالقرب من الرملة. وهي البلدة التي أرسل إليها الرسول غزوة بقيادة أسامة بن زيد، موصياً إياه بالجملة الغامضة المبهمة: «اعدُ على يبنا صباحاً، وحرّق». وهي غامضة لأنه وقع تصحيف في الكلمة الأخيرة فيها (حرق) في ما يبدو. بذا، افترض أحد من الرواة الأوائل أن لقب «الأبناوي» الذي يحمله فيروز يعني «اليبناوي». لكنني أعتقد أن اللقب لا علاقة لها بيبنه الفلسطينية، فهو لقب نسبة إلى «الأبناء». و«الأبناء» اسم كان يطلق على الأولاد الفرس الذين ولدوا من زواج جنود الكتيبة الفارسية ــــ التي أرسلت إلى اليمن قبل الإسلام لحماية النظام هناك ــــ بنساء يمنيات. وقد أطلق على نسل هؤلاء اسم «الأبناء»، أي أبناء الفرس من النساء اليمنيات، والواحد منهم «أبناوي» مع النسبة. يؤيد فرضيتي هذه أن الاسم «فيروز» والنسبة «الديلمي» يوحيان بأن الرجل كان بالفعل من أصل فارسي.
بناء على هذا، يكون تميم الداري هو الشخصية الفلسطينية المهمة الوحيدة التي كانت في حلقة أصحاب الرسول. وتقول الأخبار إنه كان مع تميم أخوه نعيم، إضافة إلى واحد أو اثنين من خدامه. بالتالي، كانت هناك مجموعة صغيرة من الفلسطينيين يقودها تميم في المدينة في ذلك الوقت المبكر من الإسلام.
وتميم ــــ حسب المصادر العربية، بل حسب حديث منسوب للرسول ــــ كان في الأصل مسيحياً من قبيلة لخم العربية التي كان قسم منها يقيم في جنوب فلسطين قبل الإسلام، وفي منطقة الخليل خاصة. وقد التقى بالرسول في يثرب (المدينة) وأسلم في السنة التاسعة للهجرة حسب الأخبار. ويبدو أن علاقته بالرسول تحولت إلى علاقة مع عائلة الداري كلها في فلسطين. فهناك ذكر لهانئ بن حبيب الداري، الذي قدم «في وفد الداريين مع تميم الداري وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قباء مخوّصاً بالذهب فأعطاه العباس، فباعه منه رجل يهودي بثمانية آلاف» (ابن حجر العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة).
كان للخليل وحرمها الإبراهيمي دور مهم في تشكيل الرؤية المبكرة للإسلام


وحسب المصادر القديمة أيضاً، كان تميم تاجر عطور. لكن يبدو أن تجارته كانت أوسع العطور. ويبدو أن وجوده في المدينة كان قد ترسخ بشدة حد أنه أوشك في لحظة على الزواج بأسماء بنت أبي بكر، التي عرفت بذات النطاقين. وهي أخت عائشة زوج الرسول: «كان تميم الداري يبيع العطر في الجاهلية وكان من لخم، فخطب أسماء بنت أبي بكر في جاهليته فماكسهم في المهر فلم يزوّجوه. فلما جاء الإسلام، جاء بعطر يبيعه فساومته أسماء فماكسها فقالت له: طالما ضرّك مكاسك، فلما عرفها استحيا وسامحها في بيعه» (الآبي، نثر الدر). وهذا هو سبب لقب الداري الذي يحمله. فالداري هو العطار: «في الحديث: مَثَلُ الجَلِيس الصالِح مَثَلُ الدَّارِيِّ إِن لم يُحْذِكَ من عِطْرِه عَلِقَكَ من ريحه... والدَّارِيُّ، بتشديد الياء: العَطَّارُ» (لسان العرب).
على أي حال، فإنه ينسب إلى تميم الداري عدد من المسائل الجليلة الشأن في الإسلام:
أولاً: أنه أول من أنار المساجد بالمصابيح في الإسلام: «حمل تميم الداري معه من الشام إلى المدينة قناديل وزيتاً ومقطاً، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك يوم الجمعة، فأمر غلاماً له يقال له أبو البراد، فقام فشد المِقْط... وهو الحبل، وعلق القناديل، وصبّ فيها الماء والزيت، وجعل فيها الفتل [الفتائل]. فلما غربت الشمس أسرجها، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، فإذا هو يزهر [يضيء] فقال: من فعل هذا؟ قالوا: تميم يا رسول الله. قال: نوّرت الإسلام نور الله عليك في الدنيا والآخرة. أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها» (ابن حجر العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة).
لقد «نوّر» تميم المسجد، فكأنه نوّر الإسلام حسب حديث الرسول.
ثانيا: أنه كان أول من ابتدع فكرة المنابر في المساجد في الإسلام: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة يخطب إلى جذع في المسجد قائماً، فقال: إن القيام قد شقّ عليّ. فقال له تميم الداري: ألا أعمل لك منبراً كما رأيت يصنع بالشام؟ فشاور النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين في ذلك، فرأوا أن يتخذه. فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له كلاب أعمل الناس. فقال: مره أن يعمله. فأرسله إلى أثلة بالغابة فقطعها وعمل منها درجتين مقعداً، ثم جاء فوضعه في موضعه اليوم فقام عليه» (ابن حجر العسقلاني، الإصابة في معرفة الصحابة).
ثالثا: أنه كان أول القصاصين الدينيين على أرضية إسلامية في المدينة. بذا فهو بشكل ما منشئ القص الديني الإسلامي الذي صار في ما بعد تقليداً كبيراً. ومعروفة «قصة الجساسة» الشهيرة، التي فيها ذكر للمسيح الدجال، والتي حكاها للرسول فأعجبته، فجمع المصلين في مسجده كي يرويها لهم تميم، ففعل. وقد واصل تميم القص في المدينة بعد وفاة الرسول كما تشير أحاديث كثيرة.
وإذا جمعنا هذا كله، فإنه يمكن القول إنّه كان لتميم دور تأسيسي في الإسلام لا يقل أهمية عن دور سلمان الفارسي. فإذا كان سلمان قد نقل التقاليد الفارسية، وخاصة العسكرية منها، كما في حفر الخندق في غزوة الخندق، فقد نقل تميم نسقاً من التقاليد الدينية الشامية (إنارة المسجد، المنبر، الأساطير الدينية).
غير أن مسألة إقطاع الرسول لتميم أرضاً في منطقة الخليل هي التي قد يكون بإمكانها أن تلقي ضوءاً أشد على بدايات الإسلام وعلى علاقة فلسطين بهذه البدايات. ويختلف حول ما إذا كانت هذه الأرض المقطعة ملكاً شخصياً للرسول وهبها لتميم، أو أنه أقطعه أرضاً على فرض ما سيحصل لاحقاً، أي على فرض أن الإسلام سيفتح فلسطين لاحقاً. وبهذا يكون قد أقطعه أرضاً عامة.
وإذا كان الأمر يخص ملكية شخصية للرسول في منطقة الخليل، فهو يعني أن الرسول كان على علاقة وطيدة بالخليل منذ وقت مبكر. وهو ما قد يشير إلى أنه كان على علاقة بالحرم الإبراهيمي قبل البعثة. وهذا ليس غريباً، فالإسلام بنص القرآن والحديث شرعة إبراهيمية أساساً. كما أن المصادر المسيحية المبكرة تركز على الطابع الإبراهيمي لديانة النبي. وكنت قد أوضحت في ما سبق من مواد لي أن النبي حين ابتعد عن ديانة قومه الجاهلية، التحق ــــ وقبل الإعلان عن الدين الجديد ــــ بالأميين الذين كانوا جماعة إبراهيمية في مكة. وإذا جمعنا كل هذا، فإنه لا يمكن استبعاد أن يكون الرسول قد زار منطقة الخليل قبل الإسلام، بل جاور الحرم الإبراهيمي، الذي هو مركز الشرعة الإبراهيمية. ولعله اشترى هناك الأراضي التي أقطعها لتميم.
وإذا صح هذا، فقد كان للخليل وحرمها الإبراهيمي دور مهم في تشكيل الرؤية المبكرة للإسلام.
* شاعر فلسطيني