ينشغل الكاتب الفلسطيني سليم البيك باللجوء المتعدد الذي عرفه فلسطينيو سوريا. إن كان بطل روايته «تذكرتان إلى صفوريّة» يطمح بالعودة إلى فلسطين، فإنّ بطل روايته الجديدة «سيناريو» (دار الأهلية) يفكر بالعودة إلى سوريا. وما بين الخيارين الفلسطينيين، يجعل البيك من رواياتهِ سيناريوهات لاحتمالات العودة.

ينطوي موضوع لجوء اللاجئ على صراعات شتى، لا يثيرها المنفى بالقدر الذي يثيرها غياب الإقامة الأولى. إذ لا تبدو شخصيات البيك في كلا الروايتين قلقة حيال المستقبل، وإنّما تبدو مشغولة بماضٍ ناقص، لا سيما في روايتهِ «سيناريو»، حيث وضع الكاتب خياراً فلسطينياً مختلفاً، مقابل خيار العودة، هو حلم الشباب الفلسطيني بالخروج من فلسطين، والذي تمثله ريما من حيفا. بينما يعيش كريم الشخصية الأساسية في النص حلماً دائماً بالعودة إلى حيفا، التي هُجِّر جده منها إلى مخيم العائدين في حمص، تطمح ريما بالاستقرار في فرنسا.


بينما يكتب كريم نصاً لسيناريو فيلم يفترض مكان تصويره في حيفا، تمضي ريما أيامها الأولى وهي ضائعة في إحدى المدن الفرنسية، ليلتقيها كريم في صدف متكررة، صنعت جلّ الحبكات الدرامية في الرواية. إلا أنّ ترابط المقولات وتكاملها قد أنقذ النص من ظهورهِ نصاً مفبركاً ومفتعلاً. علاوة على أنّ البيك صنع الحكايات في رأس بطله كريم، وتنتهي الرواية من دون أن يصل القارئ إلى معرفة أكيدة، إن كانت «سيناريو» هي حكاية عن كريم كاتب السيناريو، أم أنّها رواية عن حكايات تدور في مخيلتهِ. يجعل هذا الالتباس الثابت من الرواية تركيباً وإغواءً، إذا ما أراد أحدٌ تفكيكها، فإنّها تتوزع إلى أربع شخصيات نسائية، يكتشف كريم لدى كلّ واحدة منهن شيئاً من مقاصدهِ، فيما يبدو هو ذلك الشخص الذي يعيش في أفكارهِ، ينسج عالماً من أناسٍ وأمكنة يقاطعها ثمّ يلغيها وينفي علاقاتها.
تبدأ الرواية وهو جالس في المقهى يراقب واحدةً من رواده، يشرع بكتابة يوميات، ما تلبث أن تدخل هذه المرأة إلى يومياتهِ وتصير جزءاً من نصوصهِ التي يقرر أن يجعل منها روايةً، ومن المرأة التي تجلس مقابلة له بطلة نصفِ نصهِ! يفترض إثر محادثة مفترضة معها أنّ اسمها شارلوت، ثم يشرع في حكاية حب جمعتهما بعدما لحق بها إلى غرفتها. وانتبه من ملصق سينمائي إلى اهتمامات مشتركة. راح البيك يصنع من هذه الاهتمامات فضاءً روائياً. في صالات السينما والمكتبات، تمضي أحداث الرواية والشخوص إمّا في صالة السينما أو في الطريق من وإلى صالة السينما. عبر سلسلة مصادفات، يجد كريم نفسه يبحث عن علاقة عاطفية مع شارلوت أو مع واحدة من صديقاتها ميلاني وريما. لقد مضت خمس سنوات على وصوله إلى فرنسا من غير حب، وسئم علاقة جنسية توافقية تجمعه مع كلارا. يسهب البيك في وصف لحظات وتفاصيل ممارسة الحب، بينه وبين كلارا ثمّ بينه وبين شارلوت. وعبر هذا الإسهاب، الذي جاء بلغة صريحة وحقيقية، يرمي الكاتب إلى التقاط حاجاتهِ على نحو مباشر.
ينشغل الكاتب باللجوء المتعدد الذي عرفه فلسطينيو سوريا

يبحث كريم في تفاصيل غرامية عن خلل مجهول يصيب حياته، يظهر خللاً مرتبطاً بالمكان أو بالهوية. يستخدم البيك الشخصيات الأربع لتفسير حاجات بطله، تصنع الصدفة اقترابه من شارلوت، ثم عندما تقترب منهُ صديقتها ميلاني، يجد نفسهُ راغباً بها، وما أن يغبن حتى تعود كلارا إلى مخيلتهِ. عندما يتعرف على ريما صديقة ميلاني، يجد أنّ اللغة المشتركة التي تجمعه معها قد أخذت مكان الجنس في علاقتهِ مع شارلوت. يبادل البيك أدوار كلّ من شارلوت وريما في منتصف الرواية، من غير أن يرتبك السرد الذي يُركّب تركيباً. يناكف كريم وريما واحدهما الآخر، فيما حيفا أساس حواراتهما، ليبرز شاغل الكاتب الفلسطيني الجوهري في مشروعه، وهو المنفى الفلسطيني وأشكال تطوره وتعقيده. كيف ينظر اللاجئون إلى مدنهم، هل يعودون إليها غرباء أم يكتفون بالمخيلة والآداب مواساةً؟ يعيده رقص ريما إلى عائلته الكبيرة في المخيم. تتولى تبعات من الحنين والاغتراب صقل «لاجئين في إنسان واحد»؛ أحدهما يريد العودة إلى المخيم، والآخر يريد العودة إلى حيفا. يختار كريم أن يكون سورياً بين الفلسطينيين وفلسطينياً بين السوريين، حريصاً على انتماءين معذبين، ينفعل أمام معرفة ريما بحيفا وأمام لهجتها التلقائية. إذ يواجه جهله بمدينة اعتقد أنّه عرفها، بينما كان يبنيها عبر خيالات العودة إلى مدن تركها الأجداد في أزمان غابرة، فيما استمرت بالنمو والتغير. إنّ حيفا التي يعرفها كريم «لا توجد خارج رأسهِ». يتخلل السرد مقال كتبه عن الإقامة والمنفى يستخدم فن المقالة ليوضح أفكاراً ذخر بها السرد الروائي، وليضع سؤال ريما له في سياقه الإشكالي: «العالم بدها تترك البلد وإنت جاية تلاقيها؟».
يجلس كريم في المقهى؛ عينه على الشارع، يلمح الناس والأشياء، شارلوت على الشاشة أمامه وريما في ذهنهِ، يفكر بالكتابة عن مدينة وحب يجهلهما، نراه يحفل بنقصان الأشياء في علاقاته مع الأمكنة والحب، كما لو أنّ الكتابة بذاتها هي ترميم لحاجات وغايات لا تُدرك.