كلّهّم خرجوا من معطفٍ

لغوغول أو لسواه
إلّا نحنُ
نحنُ لا نلبس المعاطفَ
هذا من جهة
ومن جهة أخرى
لا يوجد معطف واحد على مقاساتنا.
■ ■ ■
ولدتُ في محلّة عبثيّة
يتسابق في شوارعها الماشون والماشية
والباقون من أهلي
اشتروا حصاناً سموّه الداحس
وفرساً أطلقوا عليها الغبراء
وصاروا يموتون يوميّاً
ويتكاثرون على الدوام
ولا أحد يعرف كيف.
■ ■ ■
ولدتُ في العهد الملكي
كان أبي سائق سيّارة
في الثالثة من عمري
كنتُ أنتظره يأتي
وفي يده قنينة الحليب المعقّم
دخل السجن في زمن الجمهورية
وباعت أميّ السيّارة
في العهد العارفيّ اشترى سيّارةً جديدة
في العهد البعثيّ اشترى بيتاً
في العهد الصدّامي باع السيّارة والبيت
وفي لحظة موته
وجدوا في يدهِ صورةً لي
وأنا في الثالثة من عمري
أمسكُ قنينةً من الحليب المعقّم.
■ ■ ■
عزيزي بدر!
أنا لستُ مثلك يا صديقي
لم أقل يوماً لديواني
«يا ليتَ من تهواك تهواني»
أنا لا أريد من هذه السيدة
أن تراني عارياً
إلّا في الوقت المناسب
أو على أقلّ تقدير
في وضعٍ معمول به
ومتعارف عليّه.
■ ■ ■
كنتُ مؤمناً بالأساطير
وتحقيق المعجزات
إلّا واحدة
حكاية طائر الفينيق هذه لم تدخل عقلي
هو قبل أن يحترق
سيموت عندنا من الجوع
أو من العطش
أو من الحزن
أو من الضحك أو الغضب
لستُ متأكداً من كلّ هذا
لكنّي أراهن بجميع أموالي المنقولة
وغير المنقولة
هو قبل أن يحترق سيموت فوراً من الخجل.
■ ■ ■
أيّها الرّب!
لم أحسد في حياتي كلّها غيركَ
هم يمكرون
وأنت خير الماكرين
وأنا عندما يمكرون
أضع يدي على قلبي
قد لا يكفي ما بحوزتي من أقراص النوم
لأرق الليلة المقبلة.
■ ■ ■
في حياتي كلّها
لم أحسد أحداً
إلّا من فقدوا الذاكرة.
وفي حياتي كلّها
لم أجرّب العيش مع كلب واحد
لكنّني
ولأسباب يطول شرحها
جرّبتُ العيش مع الكلاب.
■ ■ ■
أحبّ جميع الأسئلة
إلّا واحداً
هذا الذي يطرح نفسه.
■ ■ ■
لم أكتم ضحكتي
عندما سمعتُ من يقول
سيأتي يومٌ
يضعون على صدورنا نجمة خضراء
ــ لماذا كلّ هذا التعب؟
وجوهنا تكفي.
■ ■ ■
من لا خصوم له
مثل الذي لا أصدقاء لديه
الأول ينام مثل خروف
والثاني ينام مثل ذئب
كلاهما
لا يكترث كثيراً بشحّة الأقراص المنوّمة
في الأسواق.
■ ■ ■
من فرط اللدغ
كي يَبقى الواحد منّا مؤمناً
هو في أمسّ الحاجة إلى جحرين.
■ ■ ■
لا تخف من العيش
لا تخف من الموت
أنا شخصيّاً كنتُ شاهد عيان
على موت ثلاثة أطباء
كانوا لا يكفّون عن منعي
من العيش أو الموت مثلما أريد.
■ ■ ■
ذات ليلةٍ
كنتُ ضيفاً ثقيلاً
على جمعيّة المحاربين القدماء
كان عليّ
أن أُريهم كلّ ما بحوزتي
من أوسمة ونياشين
لم أجد إلّا سجائري.
■ ■ ■
الفرق بين امرأة وامرأة
وبين رجُل ورجُل
كالفرق بين القيمة والثمن
ولا فرق بين شاعر وشاعر
إلّا في القدرة على الطاعة
والاستعداد للعصيان.
■ ■ ■
عندي قدرة
على تصريف الفعل ضاع
في أي زمن
وفي أية لغة
وفي كلّ مكان
تعلّمت ذلك من أجل ضياع الوقت.
■ ■ ■
نحنُ واحد من اثنين
إمّا رجُل
فشل في أن يكون أباً ناجحاً
أو
رجُل نجح في أن يكون ابناً فاشلاً.
■ ■ ■
خُلقنا
كي ننجب أطفالاً
ليكونوا أسياداً علينا
وعبيداً لمن سيحبّون.
■ ■ ■
أقسم لكم بأغلظ الأيمان
أو بأيّ شيء من هذا القبيل
لو مُنحتُ عقل البرت آينشتاين
وموهبة ليوناردو دافنشي
وهدوء ستيفان مالارميه
وشهرة شارلي شابلن
وثروة الأثرياء في هذه المعمورة
لما تنازلت عن نصيبي من الليل
أو عن حصتي الكاملة من أيّ نهار.
■ ■ ■
مات الذين نحبّهم
بسبب الحرب
أو
الجوع
أو بدون سبب
وحدنا سنموت كالملوك
من الضجر.
■ ■ ■
كانت الأحلام
قابلة للقسمة على اثنين أو أكثر
واليوم صار بعضها
لا يقبل القسمة إلّا على نفسه
والبعض الآخر ينقسم من تلقاء نفسه.
■ ■ ■
صار الموت عادة شائعة عندي
أموت من الحب
أموت من الحزن
أموت من الغضب
أموت من الملل
أموت من الانتظار
وعندما يأتي ذلك اليوم
وأكفّ عن الموت
سأقدّم إلى مجلس الشعر
نسخةً من استقالتي.
■ ■ ■
كلّما ذهبتُ إلى السوق
تذكّرتُ التفاحات الثلاث
التفاحة التي أخرجت آدم من الجنّة
والتفاحة التي سقطت
على رأس إسحق نيوتن
وتلك التي كنّا لا نأكلها
إلّا في السجن
أو فوق سرير في مستشفى.
■ ■ ■
أجمل ما في الوطن
الحب من طرف واحد
لا يجلب العار لمن يفعله.
وأجمل ما في المنفى
يتذكّر المرء أهله وذويه
عندما كانوا في منتهى العافية.
■ ■ ■
بعضهم يغرّد مثل بلبل
بعضهم ينقنق مثل دجاجة
بعضهم يصيح مثل ديك
بعضهم يعوي مثل ذئب
بعضهم ينبح مثل كلب
بعضهم يصهل مثل فرس
بعضهم ينهق مثل حمار
بعضهم ينقّ مثل ضفدعة
بعضهم ينعق مثل غراب
بعضهم يزقزق مثل عصفور
بعضهم يثغو مثل مَعْز
بعضهم يضحك مثل قرد
والباقي
يئنّ مثل إنسان.

* باريس/العراق