ثمة عدد متزايد من المفكّرين يشككون في جدوى النظام الليبرالي السائد في العالم بعد هزيمة الشيوعية. وخير دليل على ذلك عدد الأعمال التي تنتقده وإقبال القراء الكبير عليها وكثرة المناقشات التي تجري في هذا الخصوص، بما في ذلك كتاب «لماذا أخفق النظام الليبرالي» (منشورات جامعة يال ـ 2018) باتريك جاي. دينين الذي حظي باهتمام واسع ليس بين أهل الاختصاص فحسب وإنما بين القراء عموماً. لكننا نرى الآن أن الليبرالية تموت كما حصل مع الشيوعية. الأطراف تنهار بداية مع المجر وبولندا وغيرهما في شرقي أوروبا. الأنموذج الأميركي الساطع الألوان لم يعد يجذب أحداً، حتى في دول أوروبية غربية مثل ألمانيا الموحدة ترسّخ فيها الخيار الليبرالي. حتى إذا صوبنا نظرنا تجاه دول إسلامية مثل تركيا، كان يفترض بثورة أتاتورك أن تكون مثالاً لدولة ذات غالبية مسلمة وغربية وديمقراطية. اليوم هي غير ليبرالية بغض الطرف عن ديمقراطيتها، وأصبحت أقل علمانية وأكثر عصبية من ذي قبل وأقل توجهاً نحو الغرب.

لا شك في أن النظام الليبرالي حقق نجاحات مهمة للبشرية، لكنه أخفق في أمور أساس وجوهرية مثل المساوة، حيث نرى التفاوت الهائل في الدخل والثروات بين أقلية ضئيلة للغاية وأغلبية ساحقة. النظام الليبرالي هو الذي سبّب نجاح البعض في تكديس الثروات على سبيل المثال، لكن أسباب إخفاقاته تكمن في نجاحه، أي إن هذا النظام حمل في داخله أسباب نجاحاته ومن ثم زواله الحتمي. نحن نعلم أن هزيمة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي أثارت موجة حماس بين بعض المفكرين في الغرب الذي ظنوا أن الرأسمالية هي النهاية الحتمية للبشرية، مغفلين حقيقة أنها، والنظام الليبرالي، ليسا سوى أيديولوجية، وأنهما ليسا قدر البشرية.


كاتب هذا المؤلف باتريك جاي. دينين بروفسور العلوم السياسية في «جامعة نوتردام». علماً بأنه سبق له التدريس في «جامعات برينستن» و«جورجتاون»، ومجال اهتماماته نظرية الديمقراطية والاقتصاد السياسي واللاهوت السياسي. والمقصود بالأخير دراسة الطرق التي ترتبط بها المفاهيم اللاهوتية أو طرق التفكير بالسياسة والمجتمع والاقتصاد، وغالباً ما ارتبط بالمسيحية، لكنه نوقش في الفترة الأخيرة بالارتباط مع الأديان الأخرى. أما مفهوم أو مصطلح الليبرالية فجذره liberty بمعنى الحرية، التي عرّفتها الفلسفة السياسية الإغريقية والمسيحية المبكرة بأنها المقدرة على تنمية الفضيلة من أجل حكم الذات والمدينة خاصة الفرد عبر ضبط النفس. أما الليبرالية القياسية أو الكلاسيكية، فقد وسعت مفهوم الحرية ليعني المقدرة على العيش والعمل من دون قيود السلطة القانونية التعسفية أو العادات الاجتماعية القمعية. علماً بأن الأخير هو الذي ساد على سابقه. هذا الإطار الليبرالي قاد بدوره إلى أمراض اجتماعية هو غير قادر على معالجتها.
على سبيل المثال، يتناول الكاتب وضع المرأة في النظام الليبرالي بالقول: «غالباً ما يشير المدافعون إلى تحرير المرأة مثالاً هاماً على نجاح الليبرالية، ويدّعون أن أي نقد لليبرالية دعوة لإعادة النساء إلى العبودية السابقة. لكن الإنجاز العملي الرئيس لتحرير المرأة هو نقل العديد منهن إلى القوى العاملة في رأسمالية السوق. فالليبرالية تفترض أن تحرير النساء من الأسرة يعادل التحرر، لكنه يساوي النساء بالرجال في عبودية أكثر شمولاً بكثير». وهو يرى أيضاً أن أهم عواقب الليبرالية سلبية، إذ إنها تخلق التقنيات التي تجعلنا وحيدين مثل الخَلَوِي وهي تخلق مؤسسات تنفرنا. فثقافة الربط وإدمان الهواتف المحمولة، أي الخَلَوِي من علامات الانهيار الحضاري، لأن الليبرالية تجعل من الأفراد منفصلين ومستقلين ووحيدين ولا علاقة للفرد بالعلاقات. وفي المدارس يتم استبدال الفوضى الواسعة النطاق والغش بقواعد التواضع والرفاه والصدق التعليمي. كما إننا نواجه ضعفاً سياسياً والانخراط في إجبارنا على اختيارات لا تمثل في جوهرها سوى العبودية. في الوقت نفسه، الكاتب يرى أن الليبرالية فلسفة سياسية تم إطلاقها لتعزيز قدر أكبر من الإنصاف وتوسيع دائرة الحريات التي هي في الواقع تولِّد عدم المساواة الهائلة، وتفرض الاتساق والتجانس، وتشجع التدهور المادي والروحي وتقوض الحرية.
خلق التقنيات التي تجعلنا وحيدين مثل الخَلَوِي


هذا النمط واضح لا يمكن تفويته: سواء كانت الحضارة مسلمة أو هندوسية أو أرثوذكسية، فثمة علامات انطباق ذلك حتى على العالم البوذي وما وراءه حيث تم تأكيد الدولة القومية تعبيراً عن شعوب متميزة لها مصالح مميزة وآلهة متنافسة، في وجه النظام العالمي لليبرالية العقلانية. يجادل الكاتب بأنّ الأسس الفلسفية والأنثروبولوجية لليبرالية، التي تمتد إلى توماس هوبز (Thomas Hobbes, 1588 - 1679) وجون لوك (1632 – 1704 John Locke) الذي يعد الأب الروحي لليبرالية، وكذلك توماس جيفرسون (Thomas Jefferson, 1743 - 1826) وجون ديوي (John Dewey, 1859-1952) وغيرهم، قادت إلى قيام السوق الحرة، والحكومة المركزية الكبيرة للعمل معاً لتحرير الأفراد من بعضهم، بل حتى تحريرهم من طبيعتهم الخاصة، بما قاد بدوره إلى فقدان الفضيلة وإشاعة القلق الدائم خاصة بالعلاقة مع التكنولوجيا، وكذلك الشعور بالعجز والتغرب تجاه حكم الذات، وسلسلة من الكوارث المالية والبيئية والوشيكة. يوضح الكاتب في عمله أنه لا يريد بقاء الليبرالية، لكن من دون تقديم بديل. مع ذلك، فقد نجح هذا الكتاب في الحصول على عروض ومراجعات كثيرة، من كتاب تقدميين ومفكرين محافظين، وهذا أمر يدعو للدهشة، آخذين في الاعتبار أن الكتاب مسيحي كاثوليكي محافظ وناقد لأفكار اليمين الأميركي بما في ذلك الاقتصاد الرأسمالي. لقد نجح الكاتب في اجتذاب اهتمامات الطرفين اليميني والتقدمي لأنه يهاجم الرأسمالية والثقافة اليسارية. النقطة الأخيرة هي قول الكاتب إن التوق اليوم واسع لقائد قوي ذي إرادة لاستعادة السيطرة الشعبية على أشكال الليبرالية للحكومة البيروقراطية والاقتصاد المعولم، يأتي بعد عقود من التفكيك الليبرالي للمعايير الثقافية والعادات السياسية الضرورية للحكم الذاتي. التحرير الاقتصادي الذي لا يرحم، ترك كثيراً من الناس غير آمنين مادياً، والتحرر الثقافي الذي لا هوادة فيه جعلهم في وضع غير مستقر، والعلاقات المحلية (communal ties) يتم التخلي عنها لتشجيع قوة عاملة متنقلة، والحرية تصبح شيئاً للحكومة القوية على نحو متزايد، فإما أن تمنحها أو تحجبها.

* Why Liberalism Failed (Politics and Culture) by Patrick J. Deneen - Yale University Press -2018