اكتُشفت مسلة «مسلة ميشع» أو «حجر مؤاب» في ذيبان في الأردن بعد منتصف القرن التاسع عشر. وهي موجودة الآن في متحف اللوفر في باريس. وتوجد نسخة مصنوعة منها في المتحف الأردني. ويفترض أن نصها يعرض الأحداث ذاتها التي يعرض لها الإصحاح الثالث من سفر الملوك الثاني في الكتاب المقدس، أي إنها تؤكد هذا النص.

وقد كان يمكن للمرء أن يتقبل عرض المسلة باعتباره عرضاً ميثولوجياً يؤكد العرض الميثولوجي لسفر الملوك الثاني، كما حصل في مسألة «بلعام بن بعور» و«طوفان نوح». فقد أثبت نقش بلعام من «دير علا» في الأردن وجود «بلعام» التوراتي، لكنه أثبته كتقليد ديني لا كتاريخ. كما أثبتت الألواح السومرية طوفان نوح، كقصة دينية، من خلال طوفان (أوتونبشتيم). أي أننا في هاتين الحالتين كنا مع تقليد ديني توراتي يؤكده تقليد غير توراتي، لا مع نصوص تاريخية تؤكد بعضها. وكان يمكن للمرء أن يدرج نص مسلة ميشع في هذه السياق، أي باعتباره قصة ميثولوجية تؤكد القصة الميثولوجية في سفر الملوك الثاني. 
لكن المسلة تملك زعماً أكبر من ذلك بكثير. فلا تتقدّم كي تثبت تاريخية رواية سفر الملوك الثاني، بل إن زعمها الأساسي أنها رواية الطرف الآخر، رواية الضفة الأخرى من النهر، أي رواية «مؤاب»، للأحداث ذاتها التي وردت في سفر الملوك الثاني. وهذا في الحقيقة أمر نادر الحدوث جداً في النقوش القديمة. ولعل المثل الوحيد الذي نملكه هو معركة قادش (1275 ق.م) بين رمسيس الثاني والحثيين. فقد عثرنا على رواية عن المعركة في الأرشيفين الإمبراطوريين: المصري والحثي. لكننا نتحدث هنا عن إمبراطوريتين، لا عن كيانين صغيرين في شرق نهر الأردن وغربه.


والأهم أنه يمكن للمرء أن يلحظ أن في المسلة عملية تصفية لرواية سفر الملوك الثاني من أحداثها الميثولوجية. فهي تزيل معجزات اليشع، الذي حوّل الماء المالح إلى ماء عذب، ولا تضع معجزات مؤابية مكانها، بل تحول معجزات ميشع إلى مشاريع مائية واقعية: «وأنا... أنشأت البركتين بقرب المدينة، ولم توجد بئر في داخل قرحه، فقلت للشعب: اجعلوا لكم آباراً في بيوتكم». وهذا يعني أن المسلة تجري في الواقع عملية «عقلنة» لرواية سفر الملوك. أي هي تحذف الأحداث التي تبدو غير «المعقولة» في نص سفر الملوك الثاني. وهو ما يجعل المرء يشك في أن المسلة تقصد أن تقدم نفسها قصداً كتاريخ.
يتضح هذا من تجاهل المسلة للحدث الميثولوجي المركزي الصاعق في سفر الملوك الثاني: تقديم ميشع المؤابي ابنه أضحية على الأسوار. وهذا الحدث بالذات يمثل ذروة قصة التوراة، ولحظة انحلال عقدتها. فبعده انسحبت إسرائيل وحلفها: «فلما رأى ملك موآب أن الحرب قد اشتدت عليه أخذ معه سبع مئة رجل مستلي السيوف لكي يشقوا إلى ملك أدوم، فلم يقدروا. فأخذ ابنه البكر الذي كان ملك عوضاً عنه، وأصعده محرقة على السور. فكان غيظ عظيم على إسرائيل. فانصرفوا عنه ورجعوا إلى أرضهم» (ملوك ثاني 3: 26-27).
هذا الحدث المركزي أزيح من نص المسلة. فلماذا يتخلى ميشع في مسلته المزعومة عن أهم حدث في القصة، وهو الحدث الذي أدى إلى انتصاره؟ هذا ما يضاعف الشكوك حول المسلة. إذ هو يعطي الانطباع بأن هناك طرفاً ما، أو لنقل مؤلفاً ما، يحكم على نص سفر الملوك، ويفصل بين ما يعتقد أنه تاريخي وما يعتقد أنه ميثولوجي فيه، راميا الميثولوجي إلى سلة المهملات، وزارعاً ما يعتقد أنه التاريخ في نص المسلة.
أكثر من ذلك، فنص المسلة يختصر قصة الملوك الثاني ويزيد من استقطابيتها. فهو يحذف يهودا وآدوم من المشهد، باعتبارهما عنصري تشوش في العرض التاريخي- الدرامي المطلوب، في ما يبدو.
غير أن المشكلة المركزية في عرض المسلة، والتي تثير أشد أنواع الشكوك هي مسألة: يهوه. فالمسلة توافق على أن يهوه إله إسرائيل القديمة. وهي بهذا توافق على خلطة توراتية حدثت متأخراً جداً. فالخلطة التي جمعت تقليدي يهودا وإسرائيل في تقليد واحد، وصار بموجبها يهوه إلهاً ليهودا وإسرائيل معاً، بعدما كان في الأصل إلهاً ليهودا وحدها، حدثت في زمن لا يتعدى العهد الفارسي، أي في حدود القرن الخامس قبل الميلاد على أبعد تقدير. وقد أوضحت في كتابي الذي صدر قبل عدة أشهر (عندما سحقت حية موسى: نشور اليهودية في فلسطين في العصر الفارسي). وإذ تجعل المسلة من يهوه إلها لإسرائيل، لا ليهودا، فهي تضع نفسها موضع التساؤل. إذ كيف لها وهي ابنه القرن التاسع قبل الميلاد- حسب التوقيت المفترض- أن تعرف بنتائج عملية حصلت بعد أربعة قرون من وجودها؟ 
عليه، فإما أن تكون المسلة مصنوعة بعد العصر الفارسي، وهذا لا يصح، لأنه من المؤكد أنه لم يكن هناك كيان اسمه إسرائيل في فلسطين في هذا الوقت، أو أنها من اختراع القرن التاسع عشر، أي من اختراع أناس قرأوا التوراة كما نعرفها الآن، ونقشوا مسلة مؤاب على هدي «معلوماتها».
احتمالات أن تكون المسلة مزورة عالية جداً، بل تكاد تكون مؤكدة في نظري


يدعم الافتراض الثاني أن المسلة بنت نفسها على غرار نص سيرة سرغون الأول، الذي كتب بعد مئات السنوات من موت سرغون ذاته. يقول سرغون في أول سيرته: «أنا سرغون»، ويقول ملك مؤاب في أول سطر في المسلة: «أنا ميشع». الصيغة ذاتها. لكن الطريف في الأمر أن نص أسطورة سرغون اكتشف وترجم قبيل اكتشاف مسلة ميشع مباشرة. إذ ترجمت السيرة الأسطورية لسرغون في عام 1867، في حين أن المسلة اكتشفت بعد هذا بعام واحد، أي عام 1868. ولهذا بدأت المسلة بجملة مشابهة لجملة سرغون. لقد قرأ المزور نص سرغون في ما يبدو.
أما الرواية البوليسية العجيبة للعثور على المسلة، فتقدم للمتشكيين سبباً وجيهاً آخر يدعم تحفظهم حول أصالتها. ويحسن بمن يهتم أن يقرأ هذه الرواية البوليسية كي تتأكد له الشكوك حول المسلة.
فوق ذلك، فقد وافقت المسلة من حيث المبدأ على رواية سفر الملوك الثاني القائلة أن مؤاب كانت خاضعة لإسرائيل. فملك مؤاب يعلن بسهولة ويسر أن عمري وابنه، ملكي إسرائيل، قد أذلا مؤاب. وهو أمر لا يحدث عادة في المسلات الملكية ذات الطابع الدعائي. فالملوك لا يبدأون عروضهم الدعائية بالقول أنهم كانوا مستضعفين ومذلين، حتى لو كانوا كذلك واقعياً. غير أن المزورين جعلوا ميشع يعلن أنه كان مذلاً من مؤاب وخاضعاً لها في وقت ما.
بالطبع، يخالف نص المسلة نص الملوك في أكثر من موضع، وعلى الأخص في نتيجة المعركة، فقد قلبت المسلة نتيجة المعركة. إذ جعلت مؤاب ينتصر، عملياً، على إسرائيل بدل أن تنتصر إسرائيل عليه. لكن هذا القلب ضروري من أجل تقديم ما يبدو أنه وجهة نظر الطرف الآخر. فليس متوقعاً من مزور أن يجعل إسرائيل ينتصر على مؤاب في مسلة مؤابية. على كل حال، فإن انتصار مؤاب في المسلة لا يقض مضجع المؤلف، ولا مضاجع باحثي التوراة. فالهدف الأساسي هو إثبات تاريخية نصوص التوراة. بالتالي، لا يهم هؤلاء أن هزمت إسرائيل في المسلة، وأثبتت تاريخية هذه النصوص في الوقت ذاته.
انطلاقاً من كل هذا، فإنني أدعو إلى التدقيق في المسلة وفي صحتها. أعرف بالطبع أن كثيراً من الناس، وفي الأردن خاصة، تبهجهم فكرة أن ميشع قدم ابنه أضحية لكي يواجه إسرائيل القديمة المفترضة، مماهين إسرائيل القديمة بإسرائيل الصهيونية الحالية. أنا أتفهم هذا جيداً، وأفهم الروح الوطنية الكامنة وراءه، لكن هذا خطر أيديولوجياً وتاريخياً. فإسرائيل القديمة كانت جزءاً من هذه البلاد وليس لنا معها أي مشكل. مشكلنا مع إسرائيل الصهيونية الاستعمارية التي زرعتها في بلادنا أوروبا وأميركا. هذا أولاً. أما ثانياً فاحتمالات أن تكون المسلة مزورة عالية جداً، بل تكاد تكون مؤكدة في نظري. ولسنا بحاجة إلى أثر مزور كي يكون رمزاً لنا.

* شاعر فلسطيني