«أستدعي السنين وأطعمكِ منها/ أطرد الوقت منها/ وأطعمكِ منه/ ليس لي أن أعود إلى ذلك المكان/ حيث تقاطعنا/ المكان الذي نام بيننا/ سنين حتّى يستدير الجمال/ حتّى تقفّي الظلمة/ حتّى يخلو العش/ سنين مطرقة لنتصل عليها أو نفترق/ ماذا أمام النور سوى الغبار/ ماذا بعد الظلمة/ غير الخلاء/ ماذا يتسقط من الوحشة/ ماذا يبقى من حجرة الصيف/ ماذا بعد الجمال/ سؤال يتحول رماداً/ لا الصمت ينزف/ ولا الكلام».

هكذا يخاطب عباس بيضون (1945) شقيقته الراحلة العام الفائت في مجموعته الجديدة «الحداد لا يحمل تاجاً» التي تتضمن ثلاثين نصاً شعرياً (دار الساقي). نحن هنا أمام حِداد لا تعوزه دقائق الصمت ومظاهر الأبهة التي تحيط بحزن الملوك، أو بخمش الوجوه وشق الجيوب ورشّ الأرز فوق الجثمان كما يليق بالشهداء. إنه حداد أشبه بالخريف حين يحدّ على الصيف، وبحزن الليل حين يُسلَخ منه النهار. وكما يجمع الفصول معجم كامل من التراب والأوراق والضوء والرائحة، فإن صاحب «الموت يأخذ مقاساتنا» قد وصل إلى عتبة الحداد، مراجعاً الحياة أنطولوجياً في جميع محطاتها، ليؤرخ بالشعر للخسارات الصغيرة في الذكريات.

(مروان بو حيدر)

وعلى طريقة الرسام السويسري بول كلي الذي اعتبر المرئي جزءاً صغيراً من الواقع، فالشعر مع عباس بيضون في «الحداد لا يحمل تاجاً» هو محاولة الإضاءة ــ ولو بالألوان التي يشوبها الحزن ـ على المفاصل غير المرئية للحياة، منظوراً إليها من علِ، من شباك للكتابة منصوب فوق برج للحداد يمكن تحويل الموت منه وبواسطته إلى مادة للكتابة. لا يفسر بيضون في مجموعته الجديدة الموت بالحداد، لكن الكلمات تشي بأن الشعر لا يضيره الغياب والرحيل، لأن أشياءه حاضرة في غيابها، ولأنه يعيش على المخاتلة والضد الذي يتغذى من الضد كما تتغذى الحياة من الموت. وباشتغاله على بارادوكس الحياة والموت، فإن بيضون يأخذنا إلى قلب حركة الشعر التي تصالح أو على الأقل تقرب المحدود من المطلق، والمضيء من المظلم والحي من الميت، ليأخذنا الشعر إلى النقطة المركزية في وجودنا، إلى سؤال الغيب حيث تصبح القصيدة مستودعاً للأسرار، ونجد أن الشعر هو نوع من ميتافيزيك خاص وشخصي.
في كتابه «شهران لرلى» الذي أصدره العام الفائت، كان الراوي يعيش حياة كأنها ليست حياته ويقع على غير أشيائه، إذ أنه فقط راو ومتنقل ومتفرج على نفسه وحياته. في «الحداد لا يحمل تاجاً»، يطلعنا عباس على الحياة التي أصابها الترقق في عظامها ومفاصلها، ليسكن الشعر في التجاويف. في كتاب لرولان بارت بعنوان «يوميات الحداد»، يقول الفيلسوف الفرنسي حول موت أمه: «أن لا يدمرني هذا الموت كلياً يعني أنني أرغب في العيش بشكل مفتون وحدّ الجنون... أدرك الآن أن حدادي سيكون فوضوياً». الحداد عند عباس في مجموعته يستعير من بارت الفكرة الأولى. إنه يسمح للشعر بأن يعيش فتنته القصوى. أما في الشق الثاني من الفكرة، فالحداد عند عباس ليس فوضوياً أو ملكياً، إنه أقرب إلى حزن أرملة أنيقة.

* يوقع الشاعر مجموعته «الحداد لا يحمل تاجاً» (دار الساقي) في مقهى «الدار» (الوردية ـ الحمرا) بين الخامسة والسابعة من عصر الأربعاء ١٩ حزيران (يونيو) ـ للاستعلام: 01/373347