صار بوريس جونسون الرجل المثير للجدل سيد عشرة داوننغ ستريت مقر رئاسة الحكومة البريطانية. ومن قبله شكلت نتيجة الانتخابات الإسبانية مشهداً جديداً على قوة اليمين المتطرف. فما هو المُحرك لقوى اليمين في الدول الغربية الآن؟ في كتابه «اللاعقلانية، تاريخ الجانب المظلم من المنطق» (2019 ـــ Irrationality: A History of the Dark Side of Reason ــ منشورات جامعة برينستون) يحاول الفيلسوف وبروفيسور الدراسات العلمية والتاريخ في «جامعة باريس» جاستن سميث أن يجد إجابة للسؤال السابق ذكره عبر رسم مسار تاريخي للاعقلانية منذ ما قبل الميلاد في اللحظة التي قتل أبناء مدرسة فيثاغورس زميلهم هيباسوس على خلفية اكتشاف الجذر التربيعي، مروراً بإعدام الفرنسية أوليمب دو غوج على خلفية صدور وثيقة حقوق النساء إبان الثورة الفرنسية، وصولاً إلى صعود نجم حركات اليمين المتطرف وتتويج دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية. المسألة في نظر سميث تكمن في كون العقلانية تُنجب اللاعقلانية والعكس صحيح في تداخل «ديالكتيكي» لانهائي. لذا فالقضاء على اللاعقلانية غير عقلاني. هذا هو المثير والمهم في طرح سميث، إلى جانب التعرف إلى تاريخ اللامعقول في رحلة العقل الغربي.

عمل سميث جاهداً على مدار 330 صفحة من أجل كشف الثقوب السوداء داخل قصة «العقل الغربي» التي ما زال كثيرون يرددونها، وينبهرون بها على مدار قرون بوصفها المسار الأمثل للتقدم، على الرغم من أن كل ما يُحاك عن هذه القصة من أفكار يعدّ «خطأ» في نظر سميث. صحيح أن الإنسان عاش مؤمناً بالكثير من الخرافات إلى أن اكتشف الإغريق القدماء العقل، واعتبر أرسطو أنّ البشر يتميزون عن الحيوانات بقدرتهم على التفكير، وأن البشر مخلوقات عقلانية، وهذا ما يعتبره سميث «مُضللاً». فالحيوانات قادرة على التفكير بشكل عقلاني بما يكفيها حتى لا تقع في المخاطر وتؤمن لنفسها الغذاء والمأوى والتكاثر للحفاظ على نسلها. أما البشر فهم يفكّرون بلا شك، لكنهم ينزلقون إلى مناطق الصراعات والمشاكل، ما يخلق لديهم الكثير من الأزمات. وهذا ما ينفي كون البشر مخلوقات استثنائية عقلانية، لكن يمكن القول بأن البشر مُغرمون بشكل استثنائي بتمجيد العقل.
مع حلول عصر التنوير، تعزز مفهوم «الحياة العقلانية» كأعلى نمط تاريخي لحياة الإنسان، وزادت مكامن الخلل السلوكي للبشر وفق سميث، فقد تم تجاهل العلاقة الديالكتيكية بين العقلانية واللاعقلانية عبر التاريخ، وهذا التجاهل مستمر إلى الآن. فتاريخ العلم والفلسفة والتطور التقني وما نتج عنه وارتبط به من تاريخ اجتماعي وسياسي، غالباً ما كان نتيجة تأرجح ديالكتيكي من المثالية إلى المادية، والعكس. وهذا ما يتم إنكاره لصالح تمجيد العقل، وحتمية العقلانية المفروضة على الجنس البشري ككل.
هذا الفكر الحتمي للعقلانية أدى إلى تكون سياسات تمثّلت في حركات تاريخية أعطت لنفسها الحق في القضاء على اللاعقلانية وبناء الحضارة وإعادة تهذيب الآخرين بوصفهم «همجاً» عبر آليات الضبط الاجتماعي والغزو والعبودية والإبادة. وهذا هو الثقب الأسود لعصر التنوير الذي يتم تجاهله والمُرتكز إلى الإمبريالية، حيث تبارى الفلاسفة ورواد العقل في عصر التنوير على بناء مركزية للفكر العقلاني تدور حول «الإنسان الأبيض». البداية مع فولتير (1694 –1778) الذي أقر بالدونية المتأصلة في أصحاب البشرة السوداء. ولم يسلم من هذا التفكير حتى شركاء المنظومة الأوروبية الآن، فقد اعتبر فولتير الإسبان من جنس الكلاب! هل يذكركم ذلك بتصريحات ترامب ضد الأفارقة وساكني أميركا الجنوبية؟ كما عَلقَ فيلسوف ألمانيا الكبير إيمانويل كانط (1724 ـــ 1804): «أن يكون المرء أسود من رأسه حتى أخمص قدميه دليل كاف على كونه غبياً». وكتب ديفيد هيوم (1711 ـــ 1776) إنّ «غير البيض كانوا دائماً أدنى بشكل طبيعي من البيض، فهم أعراق خالية من الفنون والعلوم ولا يحملون أي أفكار عبقرية».

التيار العقلاني خلال عصر التنوير ارتبط بتضخم الذات الأوروبية البيضاء


وعلى ذكر الأفكار العبقرية، فقد لعبت التيارات الفكرية العقلانية الأوروبية في القرن الثامن عشر دوراً محورياً في وضع المنهجية اللازمة لإنشاء الأنثروبولوجيا والتصنيف البشري على أساس العرق في القرن التاسع عشر. منهجية قدمت التبريرات الجاهزة لإبادة شعوب وحضارات كاملة في قارتي أفريقيا وأميركا. وقد شمل السرد التاريخي للاعقلانية مواقف وكتابات لرواد آخرين للفكر الغربي كسقراط وشيشرون وفرويد، والاستناد إلى مقالة «في مديح الحماقة» لديزيديريوس إيراسموس الصادرة عام 1511، وكتابات السير توماس براون (1605-1682) الذي عمل على دحض الخرافات السائدة في عصره، وكتاب الفيلسوف الأميركي ويليام باريت (1913–1992) «الإنسان اللاعقلاني، دراسة في الفلسفة الوجودية» (1958)، بالإضافة إلى «تاريخ الجنون» (1961) للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926 - 1984).
وعبر فيض واسع من المعلومات التاريخية، بنى سميث حكمه بأن أغلب أفكار وكتابات مفكري التيار العقلاني خلال عصر التنوير جاءت مُرتبطة بشكل أساسي بتضخم الذات الأوروبية البيضاء، وإيمانها بالتقدم المبني على مفاهيم التسلسل الهرمي العنصري وتخلف الحضارات الأخرى غير الأوروبية والمسيحية. هذا الفكر اللامعقول إذا مددناه على استقامته، يمكن أن نفهم صعود الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، والحركات الشعبوية في حقبتنا الحالية وفهم من أين استقى دونالد ترامب وجونسون أفكارهما. اليمين الشعبوي يلجأ دائماً في نظر سميث إلى التعبير عن آرائه وأهدافه بمصطلحات مُستمدة من حقبة التنوير وعظمة ما كان عليه العقل الأوروبي في «عصر هيمنة الرجل الأوروبي» مع تجاهل كل الظلامية اللامعقولة في هذا العصر. لذا يمكننا أن نفسر مثلاً وليس حصراً، تصريحات ترامب المعادية والمهينة التي لا يتّسع المجال لذكرها من كثرتها، وتصريحات جونسون التي يأتي على رأسها تصريح نموذجي للامعقول الموروث لديه هو «أنّ خلفية أوباما الكينية وكونه أسود تجعله حاقداً على بريطانيا العظمى».
تعد إشكالية التنوير الليبرالي وانحرافاته غير جديدة، فقد سبق أن أشار رواد مدرسة فرانكفورت في القرن العشرين وتحديداً تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر في كتابهما «جدل التنوير» إلى فشل عصر التنوير، وأن ما يُطلق عليه عالم التنوير الغربي لديه ميل فطري إلى الانحطاط، وإلى الأسطورة، والسبب هو كبت اللامعقول. هذا ما يتفق معه سميث، فميل العقل نحو اللامعقول، وانعدام المنطقية يتفاقمان بسبب الجهود الطموحة والمفرطة لقمع وكبت اللامعقول، وخصوصاً على مستوى العقل الفردي، وتنقية علم النفس والاجتماع والفلسفة من أي أثر لفكر لامعقول، والمحاولات المُستمية لإخفاء الخيارات غير العقلانية على مستوى المجتمع الغربي ككل، رغم أنّ اللاعقلانية هي التي صنعت الأحداث التاريخية الكبرى، وهذه النقطة تتجاهلها المدارس الأكاديمية التي ترغب في فرض العقلانية، لجعل المجتمع دائماً يبدو عقلانياً وهذا ما يُنتج «نوبات مُذهلة من اللاعقلانية».
للأسف لم يقدم سميث أي مقترحات عملية للوضع الراهن في الغرب، بل اكتفى بتقديم تشخيص للمشكلة، محذراً من نمو الأفكار النازية والشعبوية المتطرفة والتصدي لها لو بلغت مرحلة العنف. لكن يبدو أنه تجاهل ــ سهواً أو عمداً ـــ أن هذه التيارات لا تحتاج لممارسة العنف، فهي تصل إلى السلطة وتقود المجتمع، وتوجه عنفها الرمزي والهيكلي ضد الآخرين من المهاجرين والأقليات وشعوب القارات الأخرى، حتى داخل القارة نفسها، فقد قام جونسون رئيس الوزراء البريطاني الجديد بوصف الاتحاد الأوروبي بأنه منظومة هتلرية تحقّق مشروع النظام النازي!