القاهرة | «احضر فوراً». رسالة تلغرافية تلقّاها إدوار الخراط (1926 ــــ 2015) من صديقه الكاتب المسرحي ألفريد فرج، غيّرت مجرى حياته. جاء الخراط من الاسكندرية، منتصف الخمسينيات تقريباً، ليلتحق مع صديقه مترجماً في السفارة الرومانية، ويسكنا سوياً في شقة مشتركة في الدقي لسنوات، قبل أن يتمكن الخراط من استئجار شقّة خاصّة به، بمبلغ تسعة جنيهات كاملة. أخيراً سيجمع كتبه وأوراقه المبعثرة بين بيت الأسرة، والشقة المشتركة، ويتزوج بعد قصة حب طويلة. «45 شارع أحمد حشمت - الزمالك» صار عنواناً للخرّاط منذ عام 1958، وصار أيضاً مقصداً لمئات من المثقفين المصريين والعرب؛ خاضوا نقاشات صاخبة، وربما استعاروا كتباً من مكتبة الخرّاط التي تراصّت على جدران الشقة.

■ ■ ■

تقع الشقّة في الطابق الثاني. لن يستقبلنا الخراط بنفسه هذه المرة، كنا بصحبة ابنه الأكبر الطبيب إيهاب الخراط، نتجوّل في الغرف لمشاهدة المكتبة. في غرفة المكتب، احتفظ الخراط بكل مخطوطات أعماله القصصية، والروائية، والنقدية، نسّقها بعناية. نطالع مسودات وبروفات كل عمل على حدة، ومصادرها سواء قصاصات الصحف التي استعان بها أثناء الكتابة أو حتى اللوحات التي طالعها والكتب التي راجعها. كلّ شيء مؤرخ بدقة تبيّن مراحل العمل منذ كان مجرّد فكرة، حتى وصوله إلى المطبعة، بالإضافة إلى ملفّات بكل ما كتب عن العمل من أخبار صحافية أو دراسات نقدية أو حوارات أو شهادات شخصية.
يتذكر إيهاب ونحن نتجول في الشقة بعض ذكرياتهما المشتركة، أتركه يتحدث من دون أن أقاطعه: «كان يبدأ يومه بالموسيقي الكلاسيكية، ويقرأ بعد الظهيرة حتى الثانية صباحاً كل يوم»، ويضيف «كاتباه المفضلان عبدالقادر المازني، ويحيى حقي، كان يرى مغامراتهما لغوية، وأنّ كلاهما لم يحصل على حقه من التقدير الكافي». يخبرنا أن والده «كان يقرأ الإنكليزية والفرنسية، وعندما كنت أسأله عن معنى كلمة معينة، كان يطلب مني أن أبحث فى القواميس، وعندما لا أجدها كان يقول لي معناها. كان يعرف جميع الكلمات التي لا توجد في القواميس». في غرفة النوم، احتفظ الخراط بصندوق آخر، لم يعرف الأبناء ما فيه، إلا بعد رحيل الأبوين. صندوق يضمّ الرسائل الغرامية التي تبادلها الخرّاط مع زوجته أيام الغرام، كانت جميعها بالفرنسية.
■ ■ ■

احتاج الأمر إلى زيارات متعددة، إذ يصعب الإحاطة الكاملة بما تضمه المكتبة، فالكتب لدى الخراط مثل الحب «متاع خفيف وجوهري في الحياة» كما يقول ميخائيل مناجياً رامة في «رامة والتنين». منذ بداياته، كان الخراط منذوراً للفن، بدأ القراءة في سن صغيرة، ولم تكن مجرد قراءة، بل «كان شرهاً» حسب وصفه: «نوع من الشره الذي لا يشبع والعطش المستمر الذي لا يرتوي للقراءة، كان في بيتنا سحارة كبيرة تحت السرير مليئة بمجلات مثل «الصرخة» و«روز اليوسف» وكنت أكتفي بمشاهدة صور الكاريكاتور. في هذه السن المبكرة، قرأت «كليلة ودمنه»، والأدب الصغير والأدب الكبير، وكتاباً مطبوعاً فى بيروت بعنوان «مختارات من الأدب العربي القديم»، وكتاباً آخر هو «الأدب والدين عند قدماء المصريين».... وغيرها». في سن العاشرة، قرأ الخراط الإنجيل كاملاً، وكان تأثيره عميقاً عليه: «ما زلت أذكر بوضوح شديد تأثري العميق بالإنجيل، إلى درجة البكاء الملتاع أمام استشهاد المسيح، وإلى درجة الرعب والكابوس أمام سفر الرؤيا، بل أذكر بوضوح تام أن أول خبرة لي بالجنس والحب وبالشهوة الحسية، كانت من قراءة نشيد الأنشاد في العهد القديم».
يولي الخراط «ألف ليلة وليلة» عناية خاصة حيث تحتل طبعاتها المتعددة، ونصوصها المختلفة رفوفاً كاملة في المكتبة


في تلك الفترة، بدأ الخراط الترجمة، ولا تزال ترجمات الطفولة في أوراقه الخاصة. كانت أول ترجمة له رواية «هانسل وغريتل» للأخوين غريم، التي ترجمها في الحادية عشرة من عمره، حيث كان يوقع أوراقه حينها باسم «إدوار قلته». إنه الاسم نفسه الذي استخدمه أيضاً في تحرير مجلة «المنار» التي كانت تصدر سنوياً عن مدرسة العباسية الثانوية في محرم بك التي كان يدرس فيها الخراط. كتب الخراط في أعداد أعوام 1938 حتى 1940، وكانت معظم مقالاته عن تاريخ مدينة الإسكندرية، فنونها وآدابها، فضلاً عن موضوع آخر عن بشاعة الحروب وأضرارها. كانت حياة الخراط في تلك الفترة «حياة من كتب»، حتى أنّ زملاءه في المدرسة أطلقوا عليه تندراً اسم «ابن المقفع».

■ ■ ■

يحتفظ الخرّاط فى مكتبته بمراسلاته من السجن. أكثر من أربعين رسالة بعثها إلى والدته، يحكي فيها أحواله، وفي كل رسالة لا يطلب شيئاً من الأسرة سوى الكتب. يكتب في واحدة من الرسائل: «الكتب: مهمة جداً وأرجو الاهتمام بها خصوصاً: زجاجة حبر «واترمان» للقلم الحبر، نصف دستة أقلام رصاص، نصف دستة كراسات (100 صفحة)، مجموعة كتب من المكتبة ويمكن الاستعانة بأحد أصدقائي لاختيارها، وعلى الأخص الكتب التالية أو غيرها حسب الظروف: دوستويفسكي («ذكريات من منزل الموتى»، «رسائل من تحت الأرض»)، غوركي، «الأنفس الميتة» لغوغول، تورغينيف» (يكتب العناوين الكتب بالإنكليزية). اهتمامه بالأدب الروسي يبدو واضحاً في تلك الرسائل، وتحديداً دوستويفسكي الذي «ترك عندي آثاراً غائرة لدرجة الهلوسة الحقيقية» كما يكتب في رسائله. وقد احتفظ الخرّاط في مكتبته ببعض كتب تلك المرحلة، التي لا يزال ختم السجن واضحاً على صفحاتها.
فى مكتبته، نعثر على عشرات الكراسات التي تبدو كأنها تدريبات على اللغة. في الصفحة الأولى لهذه الكراسات، يكتب ما يبدو شعاراً دائماً له: «لا فن جيّداً إلا بصنعة جيدة»، ويكفي أن نقرأ عناوين الصفحات في الكراسات: عن الألوان، ساعات الليل والنهار، درجات البكاء المختلفة، العاميّة الصحيحة، الريح والرعد والسحاب والمطر، أنواع الأشجار والنباتات، درجات السرور، والحب والرحمة والشوق، مراحل العمر، التهوين والتقليل... وغيرها من موضوعات تكشف ثراء اللغة، والفروقات بين لفظ وآخر.
■ ■ ■

ما يبدو فوضى داخل مكتبة الخراط، هو النظام نفسه، حيث يخضع ترتيب المكتبة لاهتمامات الخراط. في مدخل الشقّة، ركن كامل للأدب الشعبي لا يضم ما كتبه شعراء العامية المصرية فحسب، أو ما كتب من دراسات عن العامية، بل يتسع لكتب السحر والتنجيم مثل «شمس المعارف الكبرى» أو «تذكرة العارفين». داخل حجرة المكتبة، يضع الكتب التي يستخدمها دائماً أو يعود إليها باستمرار: الأدب الروسي تحديداً، ترجماته العربية والإنكليزية، أعمال طه حسين والعقاد ويحيى حقي، أرشيف كامل لمنظمة التضامن الأفروآسيوي، إصداراتها، ومجلتها «لوتس»، معاجم اللغة، «لسان العرب» وغيرها، وقواميس فرنسية وإنكليزية، وكتب المسرح، والنقد، فضلاً عن ركن خاص للأدب الآسيوي، وآخر للياباني، والإيراني. باختصار شديد، كل أدباء العالم في مكتبة الخراط وبلغات عدة. في الغرفة الأخرى، قسم مخصّص لكل الدوريّات التي صدرت فى الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. تحتلّ الكتب التراثية مكانها على الرفوف: كتب التصوف، ابن عربي والحلاج والنفري، ولكن «ألف ليلة وليلة» تحظى بعناية خاصة لدى الخراط. مثلما خصّ بورخيس «الليالي» برفّ كامل في مكتبته، كذلك فعل الخراط، حيث تحتل «الليالي» بطبعاتها المتعددة، ونصوصها المختلفة رفوفاً في المكتبة. «ألف ليلة وليلة» هي كتاب العجائب والسحر لديه: «انضجتني، منذ فجر اليفاعة الأولى، وسحرتني وامتزجت بحلمي ودمي وكتابتي» كما قال في شهادة له.
■ ■ ■

هناك مئات الكتب المهداة للخراط وهي تبدأ بأجيال سابقة عليه، وصولاً إلى الكتاب الشباب. وعلى الرغم من أن أعمال نجيب محفوظ تحتلّ ركناً كاملاً في مكتبته، إلا أننا لا نعثر إلا على كتاب واحد أهداه محفوظ للخراط، وهو المجموعة القصصية «دنيا الله» (1963)، كتب إليه: «مودة لشخصه وإعجاباً بفنه»، وقد جاء الإهداء تالياً لنشر الخراط دراسته الشهيرة «عالم نجيب محفوظ» في مجلة «المجلة».
ويكتب له الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو على كتابه «الغائب» مبدياً «الإعجاب والمودة». تعدّدت رسائل كيليطو إلى الخرّاط، وفي واحدة من تلك الرسائل، يتنبأ له بحصوله على جائزة «نوبل»: «إنني على يقين، أن لك موعداً مع جائزة «نوبل»». ويكتب أدونيس: «أخي إدوار: كانت الأيام التي أمضيتها في القاهرة – في صحبتك المضيئة، فرحاً عامر، لا أعرف كيف أفصح عنه، إنها أيام ينابيع... أحييك معتزاً بصداقتك». أما الشاعر اللبناني الراحل بسام حجار، فيصفه بـ«الكاتب بلغة الحياة»، ويطلق عليه عباس بيضون بـ «كبيرنا في الشعر وما بعد الشعر». وبلهجته الساخرة يكتب محمد البساطي بمحبة: «لست وحدك الذي لديه واقع مجنون، لدينا نحن أيضاً. إنما على طريقتنا. ليس مجنوناً تماماً. نصف مجنون يكفي، والأرزاق على الله. مع تقديري ومحبتي»، ويصفه جمال الغيطاني بـ«الفنان الكبير»، ويكتب عبد الحكيم قاسم: «إليك كلماتي أضعها –متواضعاً- إلى جوار كلماتك جسراً مشتاقاً إلى الحياة».
كتب مهداة من عبد الفتاح كيليطو وأدونيس وبسام حجار وأحمد فؤاد نجم وأمل دنقل وعباس بيضون وبهاء طاهر


كثير من الإهداءات يمكن اعتبارها ترموميتر لتطور العلاقة الإنسانية بين الخراط وبعض الكتاب، وهو ما تكشف عنه – على سبيل المثال - إهداءات الروائي يحيى الطاهر عبد الله، الذي يكتب على أول أعماله :«الذي أنكرني كثيراً، ومع ذلك سأظلّ أحبه كثيراً وأحترمه كثيراً... وسيبقى دوماً ملهمي للفعل»، ثم «إلى رائد القصة القصيرة الجديدة»، أو «النهر هادئاً، والنهار واضحاً»، وأخيراً «الصديق الذي أحبه كثيراً». لم يكن يحيى يهدي الخرّاط أعماله فقط وإنما أعمالاً أخرى، مثل كتاب «أغنيات أحمد عدوية» الذي كتب عليه: «إلى الفاضل إدوار الخراط شريكي في تقدير فن أحمد عدوية»، وقد قام الخراط بتجليد الكتاب ووضعه في مكتبته ضمن قسم الفن والأدب الشعبي. أما الشاعر أمل دنقل، فيهديه ديوانه «العهد الآتي»: «الفنان الكبير إدوارد الخراط: أحبه بصدق وهو لا يصدق وأصدقه عندما يقول أنه يصدق. احترامي وتقديري».
تميزت علاقة الصداقة بين بهاء طاهر والخراط بالثبات، وخاصة أن الاثنين عملا سوياً في «إذاعة البرنامج الثقافي» في القاهرة، حيث كان الخراط يترجم وكان بهاء يقوم بإخراج ترجمات الخراط للمسرحيات الشهيرة. يكتب بهاء على مجموعته القصصية الأولى «الخطوبة»: «إلى إدوار الخراط... صداقة عمر باقية». وبعد أكثر من ثلاثين عاماً يهديه كتابه «في مديح الرواية» بالأداء نفسه تقريباً: «في مديح صداقة عمر باقية». ويكتب إليه رؤوف مسعد: «إلى الكاتب الفنان الذي لولاه لأصبح ليل القاهرة أكثر وحشة، تحية إلى حيطانه العالية، محاولة مني للتسلق إليها». أما الشاعر والفنان التشكيلي أحمد مرسي، فيصفه بصديق العمر ويهديه كتابه «صور من ألبوم نيويورك»: «هذا الكتاب انهمر عليّ كالسيل بعد قطرة. وكانت هذه القطرة هي القصيدة الأولى «تفصيل... إلى إدوار» التي فجّرت طاقة مخبوءة ومكتومة كانت تنتظر المفجر. ولهذا لا أحيد عن الحقيقة، إذا قلت إني مدين لك لا بكتابة هذه القصائد، لكن باستعادة صوتي، الذي لم أفقده، ولكنني أراوغه في انتظار هذه اللحظة من العمر». ويكتب محمد المخزنجي: «إلى رجل أظنه لا يشيخ، بل يزداد عافية، وحيوية مع السنين، ونتعلم منه»، ويصفه على صفحات كتاب آخر بالمدرسة: «التي طالما تعلّمنا فيها ونتعلم: العناية، وعزة النفس». الروائي المصري يوسف أبو رية يكتب: «المبدع الكبير إدوار الخراط. أرجو أن أعي درسك كاملاً: الدأب، وبذل العرق، والإيمان بالفن في أحلك الأيام. كما أرجو أن أعيش بقلب الطفل مثلك. قلب محب، حيوي، يفيض حياة، وحنواً». فيما يهديه الشاعر والناقد محمد بدوي ديوانه «تلويحه النسيان»: «إلى إدوار الخراط لشاعريته، لحساسيته، ليديه العليمتين، وبصره الحديد». شعر العامية المصرية يحظى بركن كامل في مكتبة الخراط، وكثير من الدواوين مهداة من أصحابها، يكتب فؤاد حداد إلى الخراط: «تحية إعزاز وتقدير يا بسمة في محيا الفن والأدب»، ويكتب إليه الأبنودي واصفاً إياه بـ «الفنان والصديق»، أما أحمد فؤاد نجم فيهديه ديوانه الأول «صور من الحياة والسجن» بعبارة «مع تقديري».