«إنجيل زهرة» هي الرواية السابعة للكاتب السوري نبيل ملحم، الصادرة أخيراً عن «دار رياض الريس». لعل مرور ثلاث سنوات قبل ولادة الرواية التي بين أيدينا قد منحه مزيداً القدرة على الإمتاع. هنا، يقصّ علينا سيرة «يوسف»، الرجل الذي تعرّض للخيانة، فاختار القتل درءاً للعار. «يوسف» ممثل مسرحي مشهور، يساريّ الاتجاه، يدّعي أنه ميت. لم يعرف طول حياته التي امتدت على «مدى ألفي سنة» إلا لحظات الضغط المتوحشة، وهو «الابن البكر» لهذه الحياة. إنه الرجل الذي صُلب، أو صلب نفسه عمداً، معمّداً يديه بدماء الشابة «زهرة». هو نجم لامع تارة، تحتلّ صورة ضخمة له جداراً في صالات المسرح، أحبه كثيرون وصفقوا له بحرارة، وهو أيضاً الفتى المغمور الذي اندفع باتجاه شابة من بين الحضور هامساً لها بطبقات صوت ملونة: «أرجوك… لا تنظري إليّ هكذا، فإنني حقاً، والله، بحاجة لبعض التشجيع… التشجيع منك، أنت لا سواك». إنها «زهرة»، التي ستحيك لهما الأيام رداء من عشق وموت. كطيف آتٍ من المجهول تأتي «سلمى»، وتقرر اختراق عزلته الاختيارية، فيما يبدو هو حائراً، مرحّباً ومتوجساً تجاه رفع الستارة والظهور مرة أخرى.

«أنا إلهها، وها هي تحثّني على كتابة إنجيلي»؛ هكذا يتجاذب الطرفان طرفَي الحديث/ اللعبة، فهو «رجل ضجر»، إنه السبب المعلَن الذي تبوح به سلمى لتبرير موافقتها على مواعدته، والتردّد إلى منزله. وهو يعلن: «كل ما يشغلني هو اللعب، بما في ذلك اللعب العاري الذي يتكئ على هاجس السؤال الذي يقود إلى خلق معانٍ رفيعة».
يبدو الزمن ملتبساً على طول خطّ الرواية، لا يمكن التقاطه، ولا مجال للتنبؤ بموعد رفع الستارة أو إسدالها. الرواية خالية من الأحداث تماماً. كلّ القصة أن سلمى تقرر خوض غمار الإبحار في هذيان يوسف، وهو مصاب بالخيال، أو مريض خيال، كما يحلو له وصف نفسه، ولا يتردد في نبش ماضيه وتعرية أبطال مسرحه واحداً تلو الآخر.
عبر الحوار الذي يتماهى مع المونولوغ، يمكن تتّبع ثلاثة مسارات في الرواية التي تمتدّ على واحد وعشرين فصلاً. أولها، تشريع أبواب الذاكرة، لنقتفي أثر رحلته ساعياً وراء حلمه في أن يصبح ممثلاً مسرحياً، ينطلق من بيروت، حيث ظروف العمل القاسية، لتسديد أجرة جامعة لم يرتدها في زمن الحرب الأهلية، إلى تونس حيث يظنّ أن له ابناً أو بنتاً، إلى مصر السبعينات حيث صعود تياري اليسار والإخوان المسلمين على حدّ سواء، وزواجه من «مي»، وإنجابها طفلاً. ويمر في الأفق وميض عراق البعث، وصولاً إلى دمشق.
المسار الثاني، زمن الحوار مع «سلمى»، وهو الزمن الوحيد الذي يمكن الإمساك به. إنها الحرب التي دمرت دمشق. هنا، نشتمّ رائحة الموت والقتل والظلم، ونتحسّس الفقر والجوع والألم. من دون أن يخفي موقفه المعارض لنظام الحكم القائم، ليسرد حكاية جاره المهووس بالجنس، وصديقه الذي ما زال مخلصاً لزوجة فارقت الحياة منذ زمن بعيد، وقصصاً أخرى.
أما المسار الثالث وهو المحور الذي بُني عليه السرد، فهو علاقته بـ«زهرة». رجل ستيني يقع في حبّ يافعة شبقة. يُمكن أن تُستشف المعادلة التي تحكم علاقة كهذه. بقدر ما قد تبلغه من الإدمان والوله، يمكن لهشاشتها أن تُخترق بسهولة، من قِبل «مفطومة» أو «بلسم»، وهي المعادل الموضوعي للشر والحرب والموت. امرأة تحيط بها الخرافات، فتغدو مرادفاً للظلمة أو انعدام الرؤية.

نشتمّ رائحة القتل والظلم، ونتحسّس الفقر والجوع والألم


ضباب الحرب بلونيها الرمادي والأسود، ليس السبب الوحيد الذي يشتّت تداعي الأفكار لديه. من خلال هلوسات يوسف التي تتخطى حدود الخيال، وعلى ألسنة الشخوص، نستخلص الأوضاع السياسية وانعكاسها على الطبقات الاجتماعية ما دون الوسطى، والظروف الاقتصادية لمن يحلّ في البلاد التي أقام فيها. ينشغل بتركيبة النفس البشرية، بفوضويتها وتجرّدها وتناقضاتها، بجمالها وقبحها. ويعود لتفكيك المفاهيم، ومقاربة الأسئلة الوجودية، ما بين الإيمان والتشكّك، اللعب والجدية، الحب والجنس الرخيص، الثورة والحرب، الفقر والترف، المرأة والرجل. يبوح بما يختلج النفس الإنسانية في صراعها لأجل البقاء.
صورة الحرب لا تبدو أروع من صور الذاكرة الملعونة التي يختزنها رأسه، لقطات ينتقيها من أرشيفه اللاذع، ويقدّمها من دون أيّ تنميق. وبالفوضى نفسها، تسبح شخوص الرواية في ماضيه وحاضره.
وحيث يغدو «القتل كائناً عادلاً»، تختلط الحقائق والمفاهيم، ولا نلمس الخيط الرفيع الفاصل ما بين الظالم والمظلوم والقاتل والقتيل والوفي والخائن إلا لدى انتهائه من تدوين - كما وعد «سلمى» - «إنجيل زهرة».
خروج معظم الشخوص على المنظومة القيمية، وسلوكها الغرائزي الذي ينحو إلى تخطي المحظور الإنساني أحياناً، يبدو بديهياً، فهي ثاوية في الظلّ. إنهم الهامشيون الذين لا يُلحظون. على أنّ محاكاتهم لا تعدو كونها طَرقاً لعالم الدلالات والرموز، التي شُبّعت الرواية بها. هؤلاء متورطون في اللعبة ذاتها، فتنعكس تعاستهم سخرية وهزلاً.
رواية «إنجيل زهرة» لا تكفّ عن النقر على أوتار التبصّر، هي دعوة لإعمال النظر في طبقات النفس المعقدة، ودغدغة الرؤية لتفحّص الحقيقي والمتخيّل والمتوقّع، ومحاورة فكر يدّعي الحياة فيما هو غارق في الموت.