في (أيار) مايو 2019، صدر للصحافي حسين كزفاني كتاب بالإنكليزية بعنوان Follow Me, Akhi أو «أخي، اتبعني». )(Hurst Publishers) كتاب تحليلي يَرصد كيف تتكون الأفكار المتطرفة خلال المُناقشات بين مسلمي بريطانيا عبر مواقع الإنترنت والمقدر عددهم حوالى 3.4 مليون مسلم يعيشون في المملكة المتحدة، نصفهم تقريباً دون سن 24 عاماً حيث يرصد كزفاني المواضيع التي تدور بين المسلمين حول الفتاوى الدينية والاجتهادات الشخصية في الأمور الحياتية بداية من الأكل الحلال وصولاً إلى القضايا الشائكة كزواج المثليين.

يحاول كزفاني في كتابه أن يُفكّك كُلاً مِن ثقافة الإنترنت والثقافة الدينية، خصوصاً الإسلامية، حيث صار يتشكل في الأولى مجال عدائي واسع النطاق ضد المسلمين البريطانيين، ما دفع المُسلمين إلى صنع عالم افتراضي خاص ومُغلق حتى لا تتسلل إليهم ـ قدر الإمكان ـ مظاهر وتعبيرات الكراهية للإسلام والأفكار والعادات المُحرمة في ديانتهم. في بداية الأمر، كان استخدام الإنترنت يعد مُبتكراً من أجل دفع الناس إلى التمسّك بعقيدتهم.


لكن مع تنامي الأفكار المتطرفة وظهور «الدولة الإسلامية في العراق والشام» وارتباط بعض مسلمي الغرب بها، ومرور كزفاني نفسه بتجربة تمثّلت في تلقيه رسالة تطلب منه التخلّي عن نمط حياته الغربية والانضمام إلى «داعش» وملاحظته تنامي الإسلاموفوبيا ومعها صعود نجم حركات اليمين المتطرف السياسية، قرر كزفاني دراسة وضع المسلمين على الإنترنت.
بعد رحلة مكوكيّة في جميع أنحاء المملكة المتحدة، رصد كتاب كزفاني حكايات عدد من الشخصيات من مُختلف الاتجاهات لكن تتفق كلها على أنّها تنتمي لليمين المتطرف وتنقسم بين اليمين المتطرف الأبيض المهاجم للمسلمين واليمين المتطرف الإسلامي الذي ينمو ويقوى هو الآخر وينتمي لمنظمات إرهابية عابرة للحدود ويروّج لأفكارها في الداخل.
يسلط كزفاني الضوء على البيئة الاجتماعية لأفراد من اليمين المتطرف الأبيض «الإسلاموفوبيك» والناتجة عن الظروف الاقتصادية المريرة وتراكم الديون التي خلفتها السياسات الفاسدة للحكومات المُتعاقبة، ولكن كما يشير الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك: «كلّما زاد الوضع الاقتصادي سوءاً، انحرف الناس يميناً نحو الشعبوية والأصولية وليس يساراً كما يتوقع (1). ولهذا تتمّ مأسسة خطاب سياسي يميني متطرف يحصد العديد من المكاسب السياسية في الفترة الحالية ويدفع الأفراد للهجوم بشكل غير عقلاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي على كلّ ما هو مختلف مع بيئتهم التقليدية كالأجانب والمسلمين والسود بوصفهم فيروسات تدمّر الاستقرار الذي عاهدوه في الماضي. وقد ضرب كزفاني مثلاً بارزاً لهذا الوضع الاجتماعي والسياسي المأزوم وهو الهجوم المُكثف على عمدة لندن المسلم صادق خان عبر توزيع «ميمز» وعبارات سخرية من شكله ومن ديانته، وقد هاجمه الرئيس الأميركي وأحد أبرز مروّجي خطاب الكراهية الآن في العالم دونالد ترامب أيضاً بلا أيّ مُبرر عقلاني.
كما قدم كزفاني البيئة الاجتماعية للمسلمين وتحولاتهم الفكرية ودوافعهم للتطرف وهي عملية مُعقدة للغاية، لكن يمكن أن نتتبع أصولها ونلخصها كالتالي:
في أول الأمر، كان للإنترنت مساهمة كبيرة في نمو آليات الدعوة الإسلامية ونشر العقائد بين الأجيال. ساعد يوتيوب وإنستاغرام المسلمين في أن يصبحوا أقرب إلى دينهم ولديهم القدرة على الوصول إلى مزيد من التعاليم وعدد أكبر من صفحات الأئمة، ما جعل المسلمين أكثر ترابطاً من تجمعات المصلين في المساجد.
وعلى سبيل الذكر لا الحصر، يشير كزفاني إلى أنّ المحتوى الخاص بالإسلام على موقع يوتيوب يفوق غيره من الديانات الأخرى. في عام 2012 ، نُشر أكثر من 5 آلاف مقطع ديني إسلامي مصوّر «أسبوعياً» مُتعلّق بنمط الحياة الإسلامية.
وهكذا اكتسب الإنترنت في الإسلام بُعداً جديداً غير الشق التجاري كبيع الملابس الإسلامية والمأكولات الحلال، وصارت تمثل صفحات ومجموعات مُغلقة على الفايسبوك ومنتديات وصفحات «تمبلر» مساحات آمنة لنقاش القضايا الشائكة كتلك التي تتعلق بالمثلية والجنس، وشكلت ملاذاً للنساء المسلمات لصنع حراك نسوي، وإيجاد طرق للإجهاض.
لكن مع مرور الوقت في هذه البيئة المُغلقة المُشكلَة من سلسلة مواقع إلكترونية، نمت بشكل سريع الأفكار المُتطرفة وتم تجنيد العديد من مسلمي بريطانيا في صفوف تنظيم «داعش» الإرهابي في دولتي سوريا والعراق، لأسباب لا تبدو مقنعة كلياً لكنها تشكل مأزقاً وإفلاساً اجتماعياً وسياسياً يعيشه مسلمو الغرب في الوقت الحالي، ومن أبرز ملامحه: الشعور بفقدان هوية الفرد المُسلم وعدم قدرته على الاندماج داخل المجتمع المحيط به، ويمكننا أن نعيد هذا إلى أسباب عقائدية واقتصادية تعيق بناء بيئة اجتماعية سليمة.
كلّما زاد الوضع الاقتصادي سوءاً، انحرف الناس يميناً نحو الشعبوية والأصولية وليس يساراً كما يتوقع


ولهذا من أجل رسم صورة كاملة عن الإسلام على شبكة الإنترنت، لم يخجل كزفاني من سرد الحقائق الكارثية التي تحدث على المواقع الإلكترونية الإسلامية كالتكفير والأفكار الرجعية المتعلقة بالمرأة وتعنيفها والمواريث وغيرها من الأمور الحياتية، ونقل ما يحدث على أرض الواقع وفضحه على وسائل التواصل الاجتماعي كوقائع التحرش في أماكن العبادة وأثناء موسمي الحج والعمرة والتفرقة في أماكن الصلاة حيث يُسمح للنساء بالصلاة في أقبية كئيبة، بينما يحتل الرجال باحات المساجد، وجرائم قتل بين المسلمين داخل وخارج المملكة المُتحدة لمخالفة بعض الفروض الدينية.
أخيراً، من الصعب فهم طقوسية الدين وعملية الدمج بينها وبين الطفرات التكنولوجيا الهائلة، ولكن عالم المسلمين داخل المملكة المتحدة وخارجها ـ وبرغم غنى مظاهره وأفكاره ــ محفوف بالمخاطر وتجب إعادة ضبطه والتعامل مع المفاهيم الدينية بمفهوم أكثر اتزاناً، خصوصاً أنه صار من السهل على المرء أن ينشر فكرة عقائدية خاطئة ومتطرفة بين ملايين المسلمين حول العالم ويغذيها بالعديد من المدخلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الفاشلة في العالم الإسلامي لنصبح أمام كارثة وفاجعة جديدة كالتي أحدثها تنظيم «داعش» في أراضي سوريا والعراق.
وفي حين أن العديد من المخاوف من تزاوج عالم الإنترنت والأصولية الإسلامية ستظل حقيقية، يبقى كتاب حسين كزفاني متحمساً لكيفية تعايش الدين مع ما أسماه الديمقراطية الرقمية في السعي لإيديولوجيا مستنيرة وليبرالية.

1- سلافوي جيجك، بداية كمأسأة وأخرى كمهزلة، ترجمة أماني لازار، ص 31