يرحل السوريّون وتبقى أمكنتهم. تُدمَّر الأمكنة وتبقى ذاكرتها. يبقى السوريّون في ترحالهم ويكتبون هذه الذاكرة، ذاكرة المكان، ذاكرة ما كان. في العلاقة الديالكتيكيّة بين البشر والأمكنة، يبدو أنّ لعنة مصائر السوريّين قد اختارت الأمكنة لا البشر. ليست اللعنة سيّئة بالمطلق، إذ أبقت الذاكرة الأجمل بالضّرورة، وكلّ ما كان أجمل بالضرورة في ظلّ واقعٍ يوغل في السّواد أكثر فأكثر. انطلاقاً من هذا الماضي بالذّات، كُتبت وستُكتَب حكايا السوريّين. بمعنى ما، فإنّ السوريّين يكتبون الماضي ليهربوا من الحاضر وليفتحوا بوّابات المستقبل، يكتبون الذّاكرة ليقاوموا النّسيان وليخلقوا ذاكرة جديدة؛ يكتبون ما كان لرسم ما سيكون. المفارقة هنا هي أنّ الذاكرة الجديدة ليست إلا وهم الذاكرة القديمة. ما سيكون ليس إلا وهماً لما كان. والكتابة «وهمٌ» بمعنى من المعاني، وترسيخ لهذا الوهم. وليس الوهم سيّئاً بالمطلق حين لا يبقى لنا ملاذ غيره.



لا تحاول عبير إسبر في روايتها الجديدة «سقوط حر» (دار نوفل) التّنظير للحاضر، بل تُصرِّح بالهروب منه إلى وهم، إلى هذيان، إلى تشظٍّ، إلى ذاكرة. تقلب الرواية منطق «الواقع» بحيث تصبح الذاكرة هي الجوهر، لا خلفيّة الحدث. والذاكرة في «سقوط حر» هي ذاكرة أمكنة في الجوهر، وليس البشر إلا خلفيّة لها، يترسّخ حضورهم أو يخفت بترسُّخ الذاكرة/ المكان وخفوتها. نبدأ من دمشق وننتهي إليها وفيها. وفي الوقت ذاته، نبدأ من ياسمينا داغر وننتهي إليها. ولكنّ هذا لا يعني أنّ ياسمينا هي دمشق أو أنّ ياسمينا هي البطلة أصلاً برغم هيمنة حضورها على طول الرواية القصيرة. تحاول ياسمينا إقناع نفسها وإقناعنا بأنّها هي من تُحرِّك الحدث، وتنقلنا بين الأزمنة والأمكنة، بينما هي في واقع الأمر تعيش وهم الرواية، وهم الحكاية، وهم الذاكرة، وهم البوح. إن كان هناك تشابه بين ياسمينا وحكايتها، فالتّشابه ليس إلا في كونهما معاً (الراوية وروايتها) صورة لحكاية أكبر تُحرّكها قوّة أكبر: صورة/ وهم لحكاية دمشق (بوصفها صورةً مصغّرة عن سوريا) تُحرّكها ذاكرة دمشق. كأنّنا ندرك أثناء القراءة وبعدها بأنّنا كلّنا بيادق في يد هذه الذاكرة، تُحرّكنا كما شاءت وتشاء، وتمنحنا وهم الإرادة. ولو أردنا التقاط العنصر الذي يسم الرواية ويحكمها، فهو وهم الإرادة هذا. تظنّ كلّ شخصيّة من شخصيّات الرواية بأنّها سيّدة مصيرها، وبأنّها تمتلك الحرّيّة، وتمتلك إرادة تحريك غيرها من الشّخصيّات، ولكنّ الحقيقة أبسط (وأسوأ؟): ما من أحد يمتلك الإرادة، وما من أحد يمتلك الحريّة. والمفارقة (في الواقع والرواية على السّواء) هي أنّ قدوم الحريّة التي بشّرت بها الانتفاضة/الحرب كشفت خواء الحريّة الشخصيّة التي كنّا نظنّ امتلاكها؛ وكانت ياسمينا على الأخص تظنّ امتلاكها.
تغوص عبير إسبر في الشّجن كما لم تغرق من قبل. تُدخلنا منذ الجملة الأولى في عالمٍ كئيبٍ لا متنفّس فيه، في سجن بأسوار عالية كلّ حدودها ألم. ولو أردنا تلخيص رواية «سقوط حر» في صفة واحدة لقلنا إنّها مؤلمة. قد تبدو الصفة «عاديّة» للوهلة الأولى، ولكنّ الحقيقة هي عكس الظاهر تماماً. إذ برغم كمّ الألم الذي يكفي السوريّين أجيالاً، لا نجد أعمالاً مؤلمة كثيرة، بل نقرأ دوماً أعمالاً تستجدي الألم. والفارق ضخم بين الحالتين.
تُذكّرنا الرواية بما كنّا نغفل عنه: جمال دمشق مؤلم

لا تستجدي عبير إسبر أيّ مشاعر من قارئها، بل تجذبه من عنقه وتغوص معه في الألم. تُذكّرنا الرواية بما كنّا نغفل عنه: جمال دمشق مؤلم. جمال دمشق التي كانت مؤلم أكثر. ذاكرة جمال دمشق التي كانت مؤلمة أكثر وأكثر. ولعلّ هذه الالتقاطة البارعة هي حامل الرواية الحقيقيّ. يصل جمال السّرد إلى أقصاه حين تنحت الروائيّة دمشقها، بحيث تبدو الأمكنة الباقية باهتةً بالمقارنة، كلّها بلا استثناء، بما فيها قرية العائلة، أو بيروت الصّخب، أو دبيّ الحلم، أو مونتريال السّكينة. هل هذه الشام (وهو اسم دمشق الأجمل) هي الشام حقاً؟ هذا ليس مهماً. هل هذه الشام هي شامنا، أو شام أيٍّ منا؟ هذا ليس مهماً كذلك. هل هذه الشام هي شام عبير إسبر؟ لا نعلم تماماً، ولكن هذا أيضاً ليس مهماً. مرةً أخرى تلتقط عبير ببراعة فكرة أنّ الشام – بصرف النّظر عن أيّ شام نتحدّث – هي المكان (بأل التّعريف)، وكلّ ما عداها مكان كغيره من الأمكنة. هذا ما يحس به كلّ من يسكن الشام، أكان من أبنائها أو من عابريها. كلُّ من يسكن الشّام سيصبح من أهلها. هذا ما نغفل عنه، وتذكّرنا به عبير بقسوةٍ جميلة مؤلمة.
ولهذا ربّما يتعثّر السّرد بدرجات متفاوتة كلّما ابتعدت ياسمينا عن الشّام. تحاول ياسمينا إقناعنا بأنّ محور الرواية هو جريمة قتل، حين أفلتت يدي أبيها العجوز عمداً، ليسقط سقوطه الحر، ولتسقط هي سقوطها الحر عبر الهروب. ولكنّ محور الرواية الحقيقيّ هو هذا الهروب: هروب ياسمينا داغر من شام ياسمينا داغر، لا من أهلها، أو عشيقها، أو جريمتها، أو قريتها، أو ذاكرتها حتّى. وهل يكون الهروب من الشّام إلا سقوطاً حراً بالضّرورة؟ لهذا بالذات كانت العودة غير المبرّرة ربّما لياسمينا إلى الشّام. هل عادت حقاً، أم أنّ العودة وهم آخر، هذيان آخر من هذيانات ابنة الحريّة؟ هل حدثت الجريمة حقاً أم أنّها وهم آخر؟ السّرد ضبابيّ هنا، والذّاكرة ضبابيّة، وحتّى الأوهام باتت ضبابيّة. وكلُّ ما بقي هو شام ياسمينا، وربّما شام عبير، وربّما شامنا كلّنا، وربّما شام أيّ منّا.