ترجمة: نجيب مبارك


ولا شجرة
ولا شجرة ستَفهمُك
ولا غابة
ولا نهر
ولا صقيع
ولا جليد، ولا ثلج
ولا شتاء
ولا عاصفة
في الأعالي، ولا قبر
ولا شرق ولا غرب
ولا دمعة، ولا ألم -
ولا شجرة...
هزّة
سأذهبُ إلى الجانب الآخر وأصرخ
أصرخُ بأعلى صوت
وأُنادي على أبي وأعترف
سأنهضُ في النّارِ وأغرز يديّ المُلتهبتين
في حَلقِ الثلج
سأطاردُ الزّهور خارج الحقل
وأكسرُ أغصان شُجيراتي
من أجلِ هزّةِ الموت
سأُعطي رسالةً إلى حِدادي
وأوصيهُ أن يُبلغها إلى الله
سأقول له إنّه الحياة
وإنّ ليس كمِثلها حياة،
حِدادٌ على شفقِ مدائنِ الآباء!
سأذهب إلى الجانب الآخر
وأخبرهم من أين أتيتُ
وإلى أين أنا ذاهب
سأذهبُ إلى حيث لن يُمسكني أحد
سأنتعل حذاءً مُوحلاً
ولن يُجمّد قلبي أيُّ صقيع
أمام يقينِ
الآلهة الكئيبة.

خوان ميرو ـ «داخلَ بيت في هولندا» (زيت على قماش، 1928)


لا أعرف أيَّ طريق
لا أعرفُ أيَّ طريق يقودُ إلى البعيد
لا أعرف أيّ طريق يهبُّ إلى مساعدتي
لا أعرف ماذا سيحدثُ لي
هذه الليلةَ
لا أعرف ما هو الصباح
وما هو المساء
أنا وحيدٌ
يا ربّ
يا إلهي
ولا أحد يشرب من أَلَمي
أنا متروكٌ للعصافير
لدقّات السّاعة الكاسرة
وهي تُقتل روحي
وتستهلكُ جسدي
يا ربّ
إنّ حَرفي ينطوي على الظُّلمات
واللّيلُ يفتك بأسماكي
تحت الريحِ
وجبالِ العذابِ الأسود
يا ربّ اسمعني
أنصِت إليّ
لا أريد أن أتحمّلَ وحدي
الغثيانَ وهذا العالم
ساعدني
أنا ميّتٌ
أتدحرجُ في الوادي
مثل تُفّاحةٍ
سأختنقُ تحت غابةِ الشتاء
يا إلهي لا أعرف
إلى أين يقُودني طريقي
لا أعرف ما هو الصواب
وما هو الخطأ
في الحقول
يا ربّ يا إلهي في الأعضاء
أنا ضعيفٌ وفقير
وحَرفي يستهلكهُ الحزنُ
من أجلك.

قصيدةٌ من أجل ساعةِ منتصف الليل
يزورني يأسِي في منتصف الليل
ويحدّق في وجهي
كما لو أنني ميّتٌ منذ زمن بعيد
عيناهُ سوداوان وجبينُه مُتعب
قبل أن يجمع الزهور
عسلُ حُزني المرُّ
يتقطّر على الأرض المعتلّة
تلك التي طالما سهّرتني في الليالي الحُمر
لكي أرى الموتَ من دون أن أرتاح
من الخريف.
يزورني يأسي في منتصف الليل
خليطٌ من أحلام الشمس والمطر
وكنتُ أقول في السابق
-حين كنتُ أمتدح كلَّ شيء
فيما أنا غريبٌ عن بابي وخوفي-
إنّها آلاف السنين التي تقع
من الجدران الباردة
وتجلبُ لي قطعةً من الشتاء.
يزورني يأسي في منتصف الليل
فيتغيّر الوادي
ويطفو القمر على المروج
ويطلّ منجلُ المساء المكسور
من حافة النافذة
وينظر إليّ.
أعرفُ تماماً أنّني مُحطَّم
مثل هذا المنجل
ولن يخدعني أحدٌ الآن
حتّى بدَفقِ إطنابِه
سيهوي قبل الصباح.

يومُ الوجوه
غداً يومُ الوجوه
ستنهض كالغبار وتنفجر بالضحك
غداً يومُ الوجوه الّتي هوَت في حقل البطاطا
لا يمكنني أن أنكر أنّني مُذنب
بسبب غريزةِ الموت هذه.
أنا مُذنب!
غداً يومُ الوجوه التي تحمل آلامي على جِباهها
وهي تملكُ يومَ عملي.
غداً يومُ الوجوه التي ترقص مثل اللّحم
على جدار الكنيسة
وتسعترض أمامي الجحيم.
لماذا عليّ أن أرى الجحيم؟ أليس لِلّه وسيلة أخرى؟
يأتيني صوت: ما من وسيلة أخرى!
وبهذه الطريقة
يقودُ يومَ الوجوه
يقودُه إلى الجحيم.

على بِساط الماء
على بِساط الماء
أُدحرجُ أيّامي
آلهتي وأمراضي.
على بساط الخُضرة
أقذف معاناتي الحمراء
وزرقة صباحي
قُرايَ الصفراء
وخُبزيَ بالعسل.
على بِساط الأرض
أضعُ قَدري
لَيْلي وجُوعي
أَلَمي
وباخرةَ يأسي الحربيّة
الّتي تمرُّ على جانبيها
آلافُ الأمواج
وهي تمخرُ
مياهِ الخلود الهائجة.

معاناة
أموتُ من الشّمس والريح
ومن الأطفال الّذين يتشاجرون على كلب
سأموتُ في صباح ما
لا يمكن أن يكون أيّ قصيدة
صباحٌ حزين فقط وأخضرٌ وبلا نهاية...
الأمّ والأب يقفان على جسر
وما زالا يؤمنان بأنني سآتي من المدينة
ولم يجلبا لي سوى خراب الربيع
في سلالٍ كبيرة
وهما يراني ولا يراني
لأنّني أموت من الشمس.
يوماً ما لن أرى الشجيرات إلى الأبد
وسيأخذ العشب أختي الحزينة
سيكون القبو مظلماً
والسماء مقفلةً في وجه يأسي...
يوماً ما سأرى كلّ شيء
الكثير من العيون تنطفئ مع الصباح...
لذلك سأعود ثانية إلى شجيرات الياسمين
وأرى البستاني
وهو يُرتّب الكلمات في أسِرّتها...
أموت من الشمس...
وأنا حزين
لأنّ هناك مزيداً من الأيّام دائماً
سوف لن تأتي بعد الآن...
في أيّ مكان.

* توماس بيرنهارد شاعر وروائي وكاتب مسرحي نمساوي. ولد في هيرلن في هولاندا في 9 شباط (فبراير) 1931. وتوفي في غموندن في النمسا يوم 12شباط 1989. عرف طفولة صعبة في سالزبورغ حين كان يقيم مع جده من أمه، خلال الفترة النازية، التي تميزت بأحداث كثيرة، منها إصابته بمرض السلّ وهو لما يزل في التاسعة من عمره. سافر عبر كل أوروبا، خصوصاً إلى إيطاليا، ويوغوسلافيا، ثمّ عاد لإكمال الدراسة في أكاديمية الموسيقى والفن المسرحي في فيينا وكلية الموسيقى في جامعة سالزبورغ. نالت روايته الأولى «جيل» جوائز عدة وشهرة عالمية. ولُعبت الكثير من مسرحياته في دول عدة، من بينها فرنسا ابتداء من عام 1960. نال أيضاً «جائزة جورج باشنر» عام 1970، وهي آنذاك أهمّ جائزة أدبية في ألمانيا الغربية. من عام 1975 إلى 1982، نشر سلسلة من الأعمال السير ذاتية، في خمسة أجزاء: «الأصل»، «القبو»، «النسمة»، «البرد»، و«طفل». هو كاتب ذو أسلوب متفرّد جداً، رغم أنه متشائم على العموم، ومعادٍ للبشر. عاش حياة من الشغَب الجميل الخارق للمألوف والمنتهِك للموضوعات الاجتماعية والبروتوكولية، كما ارتبط طيلة حياته بعلاقة حبّ وكراهية مع بلده الأم. يعدّ اليوم من بين أهمّ الأقلام التي أنجبها الأدب الجرماني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. عُرف في البداية ككاتب مسرحي وروائي، لكن أعماله سرعان ما توزعت بين الشعر (خمسة دواوين)، والروايات والقصص (31 كتاباً)، والمسرح (20 مسرحية)، والمقالات (250)، لكن العمل الأبرز والأشهر من بين كل أعماله هو بلا شكّ «صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتاين» (منشورات سرد وممدوح عدوان)، الذي صدرت أخيراً ترجمته من الألمانية إلى العربية، وهي من إنجاز المترجم المصري سمير جريس.