ترجمها عن الإنكليزية: كريم عبد الخالق

وظيفته كانت بسيطة: كان عليه أن يجلس ثماني ساعات في غرفة مظلمة، حيث تُومض الأضواء الحمراء الصغيرة للمؤشرات على فترات منتظمة. لم يكن يفهم معناها، ولم يكن الفهم جزءاً من عمله. كان عليه أن يضغط أزراراً معيّنة مع كل ومضة ضوء، لكنه لم يكن يعرف ما تفعله الأزرار أيضاً؛ مع ذلك لم تكن وظيفته آلية لأن عليه أن يضغط الأزرار بسرعة وبمقاييس معقدة تتغير بدورها كل يوم، وتتخذ إيقاعاً وترتيباً معينين بحسب الأضواء الحمر. وباختصار، لم يكن عملاً تافهاً، كان عملاً إما تقوم به بشكل جيّد أو بشكل سيّئ؛ أحياناً يكون مسلياً، ويصبح واحدة من هذه الوظائف التي تمنحه فرصة للاستمتاع بالدقة، الابتكار والمنطق. لكنه لم يدرك أبداً مدى تأثير هذه الأفعال؛ كان يعرف فقط أن هناك مئات من الغرف المظلمة، وأن كل البيانات الحاسمة تتجمع في مكان معين. يعرف أيضاً أنه كان يتم تقييم عمله بشكل ما، لكنه لم يعرف إن كان يتم تقييم عمله منفرداً أو مع عمل الآخرين. حين تنطلق صافرة الإنذار، تُضاء لمبات حمراء أخرى عند عتبة الباب، فيكون عدد اللمبات مقياساً وملخصاً للعمل الذي أُنجز. عادة ما تُضاء سبع أو ثماني؛ لمرّة واحدة فقط أُضيئت عشر لمبات، لكن الرقم لم يقلّ عن خمسة أبداً، لذا سيطر عليه انطباع بأن الأمور مستقرة.
انطلقت صافرة الإنذار، أُضيئت سبع لمبات. خرج وانتظر دقيقة في الممر لتعتاد عيناه على الضوء، ثم هبط إلى الشارع، ركب سيارته وأدارها. كان الازدحام شديداً، ووجد صعوبة في الانجرار مع التيار المنطلق إلى آخر الشارع. فرامل، استعداد ثم السرعة الأولى. بنزين، السرعة الثانية، بنزين، مكابح، الأول، مكابح مرة ثانية، الضوء أحمر. لقد مرت أربعون ثانية كأنها أربعون عاماً، من يعلم لماذا: لأنه ليس هناك وقت أطول من الوقت الذي تمضيه عند إشارات المرور. لم تكن لديه رغبة إلا في العودة إلى البيت.
عشر إشارات مرور، عشرون. عند كل واحدة صف أطول، بطول ثلاثة أضواء حمراء، خمسة أضواء حمراء؛ ثم يتحسن الطريق قليلاً، الزحام أقل في الصفوف التي على الأطراف. تنظر في المرآة الخلفية لتواجه غضب ونفاد صبر وجه السائق خلفك الذي يتمنى لو لم تكن هناك؛ ثم إشارة لليسار؛ حين تتجه لليسار تشعر ببعض الذنب. تتجه إلى اليسار بحذر: ها هو الباب، وهناك مكان فارغ لتركن السيارة، نقل، مكابح، مفتاح التشغيل، فرامل اليد، تشغيل الإنذار، انتهى النهار.
يُومض الضوء الأحمر الصغير عند المصعد، تنتظر حتى ينطفئ. ينطفئ، تضغط على المفتاح، يُومض الضوء الأحمر من جديد، تنتظر حتى يأتي المصعد. أن تنتظر نصف وقت الفراغ، هل هذا وقت فراغ؟ في النهاية تومض أضواء الطابق الثالث والثاني والأول بالترتيب، تُومض كلمة PRESENT وينفتح الباب. مرة أخرى أضواء حمراء صغيرة، الأول، الثاني وصولاً إلى الطابق التاسع، لقد وصلنا. ضغط على جرس الباب، لا حاجة للانتظار هنا، في الحقيقة انتظر برهة قصيرة، سمع صوت ماريا الهادئ يقول «قادمة»، ثم سمع صوت أقدامها، ثم انفتح الباب.
لم يتفاجأ حين رأى الضوء الأحمر مُضاء بين كتفيّ ماريا، لقد كان يحترق منذ ستة أيام، وكان يتوقّع أن يستمر الضوء الكئيب لأيام عدة. تمنى لويجي لو أن ماريا قد غطته بطريقة ما؛ قالت إنها ستفعل، لكنها عادة ما تنسى، خصوصاً في البيت؛ وفي أوقات أخرى لم تكن تغطيه جيداً فكان ضوؤه يتسرب من أسفل الوشاح، أو في الليل من خلال الأغطية، وكان هذا الأمر الأكثر حزناً. ربما في أعماقها ومن دون أن تعترف بذلك لنفسها، كانت خائفة من التفتيش.
قام بمجهود كبير ليتحاشى النظر إلى الضوء، لينساه تماماً. في أعماقه دارت تساؤلات أخرى حول ماريا، تساؤلات كثيرة أخرى. حاول أن يتحدث عن العمل، وعن كيف أمضى يومه؛ سألها عن حالها، وعن ساعات وحدتها، لكن الحياة لم تدب في الحديث، اشتعل للحظات ثم انطفأ، كنار أُشعلت بخشب رطب. لكن الضوء الأحمر الصغير كان مختلفاً: ضوء ثابت ومتواصل، وسيلة الحظر الأكثر إرهاقاً، لأنه كان هناك دائماً، في بيتهم وفي كل البيوت، صغير لكنه ثابت كعائق، في كل أيام الخصوبة، منتصب بين كل زوجين رُزقا بطفلين. ظل لويجي صامتاً لفترة طويلة، ثم قال: «سأحضر مفك البراغي».
قالت ماريا: «لا، تعلم أننا لا نقدر، إنها تترك علامة دائماً. وماذا لو جاء طفل آخر أيضاً؟ لدينا اثنان حتى الآن، ألا تعرف كم سيغرّموننا على هذا؟»
مرة أخرى، كان من الواضح أنه لا يوجد شيء آخر يتحدثان عنه. قالت ماريا: «هل تعرف السيدة مانكوسو؟ تذكرها، أليس كذلك؟ السيدة التي كانت تسكن في الأسفل، السيدة الأنيقة في الطابق السابع؟ قامت بتقديم طلب لتغيير نموذج الحكومة بنموذج IBM 520 الجديد: تقول إنه مختلف تماماً».
«لكنه مكلف كثيراً، والحسابات ستظل كما هي».
«بالطبع، لكنك لن تشعر أبداً أنك ترتديه، والبطاريات تدوم لمدة عام. قالت لي أيضاً إن هناك لجنة فرعية في البرلمان تناقش تطبيق النموذج على الرجال أيضاً».
«كلام فارغ! مع الرجال سيظل الضوء الأحمر مُضاء دائماً».
«لا ليس الأمر بهذه البساطة. المرأة دائماً هي الدليل، وهي ترتدي الضوء أيضاً، لكن الرجل أيضاً يرتدي جهاز الإقفال. هناك جهاز إرسال، ترسل الزوجة ويستقبل الزوج، وخلال الأيام الحمراء يظل الجهاز مقفلاً. في النهاية يبدو الأمر مناسباً، يبدو أخلاقياً أكثر».
شعر لويجي بالإرهاق يغمره. قبَّل ماريا، تركها أمام التلفاز وذهب لينام. نام سريعاً من دون مشاكل، لكنه استيقظ في الصباح قبل أن يُضاء الضوء الأحمر للمنبه الصامت. قام عن سريره، وحينها فقط في الغرفة المظلمة، لاحظ أن ضوء ماريا الأحمر قد انطفأ. لكن الآن كان قد فات الأوان، ولم يُرد أن يوقظها. تحقّق من الضوء الأحمر لمؤشر السخان، ولماكينة الحلاقة، والمحمصة، وقفل الباب؛ ثم خرج إلى الشارع. ركب سيارته وراقب الضوء الأحمر للموتور وفرامل اليد. قام بتشغيل الضوء الأيسر وهذا معناه أن يوماً جديداً قد بدأ. توجه إلى العمل، وفي طريقه قام بعدة حسابات ليدرك أن معدل الأضواء الحمراء التي يراها في اليوم الواحد تقارب المئتين؛ سبعين ألفاً في العام الواحد، ثلاثة ونصف مليون خلال خمسين عاماً من العمل. وقتها شعر بتصلب في جمجمته، وكأن طبقة جلدية جديدة قد غطته، مناسبة تماماً لكي يرتطم بحائط، مثل قرن وحيد القرن، لكنها مسطحة وأكثر تبلداً.

* القصّة من مجموعة «اليوم السادس وحكايات أخرى» (1990) للكاتب الإيطالي بريمو ليفي (1919 ــ 1987). في قصصه الخيالية، يظهر الجانب العلمي من عقل الكاتب. يتنبأ بتداعيات وآثار التطوّر التكنولوجي على الحيوات البشرية، والعلاقات الجنسية، والأطفال. كان يمكنه أن يكون عالماً أكثر كمالاً. لعلّ تلك هي خلاصة هذه الحكايات التي يخترع فيها ليفي آلة قادرة على استنساخ أي شيء حتى البشر، وأخرى تستطيع إشباع الجياع عبر ضخ الحليب في حفر عملاقة، ومخدّر بمقدوره تحويل كل الألم إلى سعادة. الثابت الوحيد في الحكايات الساخرة القاتمة أحياناً هو القلق من التطوّر العلمي السريع والمتهوّر الذي رأى ليفي مستقبله باكراً، خصوصاً ابتعاد التكنولوجيا عن الحاجات البشرية. كل هذا يصقله ليفي بخلفيته العلمية الكيميائية، التي كان يدرسها قبيل اعتقاله بتهمة الانتماء إلى المقاومة ضد الفاشية، ونقله إلى «معسكر أوشفتز» النازي عام 1944. سنة اعتقال كاملة نشرها في مذكراته If This Is a Man عام 1947 لينتقل إلى كتابة القصص والروايات والمقالات، لكن غايته الوحيدة من الكتابة ظلّت أن «يصل صوتي إلى وحدات إس إس التابعة للحزب النازي الألماني».