في سيرة صالح عبد الحي محطّات كثيرة تتشابه وسير فنانين عرب كثيرين؛ فهو دخل عالم الغناء بعدما فتن مراهقاً بليالي الجمعة التي كان ينتشر فيها المطربون في مقاهي القاهرة، فتصدح أصواتهم حتى انبلاج الفجر، وردماً لعوزه، وبحثاً عن عالم مواز يدفن فيه ذكريات الطفولة المعذّبة. وقد بذّر المال في حياته، ما جعله يعرف العوز مجدّداً في خريف العمر. وهناك إشارة في السيرة إلى غياب الصداقات الحقيقية في الوسط الفني إلى حدّ أن لا أحد من زملائه الفنانين شارك في جنازته، وإضاءات على مآل المتمسكين بالمغنى الشرقي الأصيل، وصالح منهم، ما جعله يُنبذ لعدم سيره في ركب التجديد والتأثر بألحان الجاز والنهل منها لتطعيم الشرقي لرأيه أن الجاز «ولد في بيئة مجنونة، متسرّعة، ومستهترة، ونحن إلى الآن لم نجن ولم نتسرع ولم نستهتر، ولذا فإن الجاز لن يعيش بيننا». وأيضاً، تكرار لإهمال وزارات الثقافة العربية لكبار الفنانين الذين يرحلون عن دنيانا متحسّرين، معزولين، مرضى لا يستطيعون توفير ثمن علاجهم.

لم يعرف صالح عبد الجواد خليل (1896- 1962) المولود في حارة «درب الحلواني» في منطقة السيدة زينب، والده الذي توفي قبل أن يبصر النور، فيما تولّت أمّه شؤون تربيته، بمال خاله المطرب عبد الحي حلمي (1860- 1913). لكن حياة التبذير التي عاشها الخال جعلته لا يترك خلفه قرشاً، ما دفع بخال صالح الأكبر أن يبعده عن أمه، ويذيقه الأمرين انتقاماً من أم صالح بعد زواجها الثاني، وصولاً إلى محاولة قتله!
حياة العوز وانقطاع صالح عن المدرسة أدخلاه عالم الغناء؛ بداية مع جماعة «الصهبجية». العبارة حسب الكتاب تعني «مجموعة من الأغنيات العامة يرجع أصلها إلى الموشح من حيث الإلقاء الجماعي. وكانت هذه الجماعة تتّخذ من المقاهي العامة في حي «المغربلين» مقرّاً لها، فينشد الفنانون كلاماً غير موزون، حيث كان معظمهم من طبقات عامية تجهل القراءة والكتابة، واحترفوا الغناء عن طريق الكبار منهم. وبعد إجادة هؤلاء الشبان القراءة والكتابة، والتملي من الكبار، أصبحوا ينشدون الموشحات الموزونة في المقاهي».
تعرّف صالح خلال بدايته في عالم الغناء إلى علي الرشيدي، أحد عوادي مصر الأكثر شهرةً، فتعهده حينها في دروس الطرب والغناء، وبدأ يرافقه في الأفراح والليالي. وبعدما اعتنق صالح لقب خاله، وحوّل اسمه إلى صالح عبد الحي، وغنى في منزل محمد باشا عرفي زوج الأميرة زبيدة شقيقة الخديوي عباس، تعهده الباشا وخصص له غرفة في القصر كي يغني للضيوف يومياً. كما تعرف إلى عازف القانون الشهير محمد عمر الذي درّبه على أدوار عبده الحامولي وعبد الحي حلمي حتى عرف الشهرة. ثمّ، غنى أمام الخديوي في احتفال أقامه محمد بك صيام في منزله في مناسبة سفر الخديوي، فبات حضوره ملازماً لأفراح الأتراك والجركس المتمصرين والأغنياء من الشعب من تجار وأصحاب أطيان زراعية كثيرة.
صالح الذي قضى حياته عازباً، غنى أمام السلطان حسين كامل عندما تولى حكم البلاد للمرة الأولى، ثم في أسيوط أثناء تفقد السلطان الوجه القبلي، كما في حفل «سبوع» ولي العهد الأمير فاروق، الذي أعده عبد الرحيم باشا صبري، والد الملكة نازلي، وأيضاً في حفلات الترحيب بتصريح الملك فؤاد الأول في سنة 1922 بنظام وراثة العرش، وأمام الملك فاروق. وفي حضرة السلاطين والملوك، لا بدّ من مطالع غنائية مداحة!
تعاون صالح مع سلطانة الطرب منيرة المهدية (1902- 1965)، بعد الخلافات التي نشبت بينها والموسيقار الشاب آنذاك محمد عبد الوهاب (1902- 1991) بشأن ألحان رواية «كليوباترا ومارك أنطوان» وطلب عبد الوهاب علاوة مادية، فدخل عبد الحي المسرح الغنائي من باب الصوت لا التمثيل. ومع اشتداد المرض على المهدية، كما الأزمات الاقتصادية، حلّت الفرقة. ثمَّ، انضم صالح إلى فرقة مسرحية شكّلها الملقن المسرحي حسن شلبي. وكوّن بعد ذلك فرقة غنائية مسرحية خاصة به، ثم ما لبث أن حل الفرقة، عقب تأثيرات أزمة الكساد الكبير في الولايات المتحدة على القطن المصري.
مع دخول الأسطوانة مصر في نهاية 1903، وانتشار الفونوغراف، راجت الطقاطيق، وأفلت الوصلات الغنائية في السهرات. ومع نشوب الحرب العالمية الثانية، أغرقت الأسواق بأجهزة الـ «بيك أب»، وبدأت شركات الأسطوانات تسجل للمغنين، ومنهم صالح عبد الحي الذي كانت أسطواناته تحمل الموال والدور والموشح والقصيد، فضلاً عن الطقاطيق. حافظ عبد الحي على إرث رواد الغناء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ راح يستعيد على الأسطوانات الأعمال الخاصة بأعلام تلك المرحلة. وكان المونولوج من الألوان الغنائية التي سجلها صالح على الأسطوانات، وكذلك الديالوغات مع المطربة فضيلة رشدي.

استند إلى مذكرات عبد الحي المنشورة في حلقات في مجلة «صباح الخير»


مع افتتاح الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية وإنشاء «فرقة الراديو الشرقية»، وقبلها الإذاعات الأهلية، أصبح للموسيقى المنفردة وجود دائم على خريطة البرامج الإذاعية، وعرفت الساحة الفنية المحافظين من معهد الموسيقى الشرقية، والمجددين أمثال محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي، وعبد الوهاب. وصُنّف نجوم الغناء والموسيقيون في الإذاعة، فكان هناك صف أول وصف ثانٍ. وفي عداد الصف الأول: أم كلثوم وزكريا أحمد ورياض السنباطي وصالح عبد الحي، ومن السودان الحاج سرور. ظل اسم عبد الحي بارزاً في الإذاعة حتى خمسينيات القرن الماضي، تاريخ بدء الخلافات مع لجنة السماع في الإذاعة ونزعة التجديد لديها التي كان صالح ضدها.
صداقات عبد الحي في الوسط الفني كانت مع سيد درويش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ولو أن صالح لم يؤمن بالتجديد الذي أدخله «موسيقار الأجيال» على الموسيقى الشرقية.
كتاب محب جميل الذي قدم له أسعد مخول، وثيقة عمادها مذكرات عبد الحي المنشورة في حلقات في مجلة «صباح الخير»، كما جمع لأرشيف الفنان المبعثر هنا وهناك، بغية إعادة التعريف بصوت لا يمكن لمهتّم بالطرب الشرقي الأصيل أو «سميع» أن يقفز عنه، مع رسم صورة عن مصر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى أوائل النصف الثاني من القرن العشرين. مصر المحمية البريطانية، فالمملكة، فالجمهورية. مصر الأفراح الملكية والحفلات الباذخة التي تدور في قصور السلاطين، والمسرح الغنائي، والإذاعة ورهبة الميكرفون، والأسطوانة، وذائقة الجمهور المتبدلة والمتراجعة. مصر الحضن، ومصر جفاء الأصيل. وفي الكتاب، ملحق بأغنيات صالح الأكثر شهرةً. مع استذكار تاريخ المغني، يمكن محاكاة حياته بكلمات «ليه يا بنفسج» لبيرم التونسي، الطقطوقة التي غناها صالح من ألحان السنباطي: «اسمع وقولي مين اللي قال معايا آه بقولها وحدي لوحدي والأسى هواه».