اليوم، يحكم اليمين المتطرف الشعبوي أو، على الأقل، يتصدر صفوف المعارضة في بلدان أوروبية عدة. وفيما يخوض معركته السياسية والاجتماعية هذه، يصدّر خطاباً يستهدف وينمّط العرب والمسلمين، من بين مجموعات أخرى، حتى على المستوى الجنسي. هذا ما حصل، مثلاً في مدينة كولونيا الألمانية يوم 31 كانون الأول (ديسمبر) 2015، حين اعتُدي على مئات النساء. إذ يجري تأطير العرب بوصفهم مغتصِبين ومعتدين ومتطفلين على الحريات الجنسية الغربية. ومن أجل فهم وإدراك أبعاد هذا الخطاب، ينبغي العودة إلى الجذور والسياقات التاريخية لتشكّله.

الكتاب الأخير لتود شيبرد «الجنس وفرنسا والرجال العرب 1962-1979» (منشورات جامعة شيكاغو ــــ 2017)، يقدم سرداً مفصّلاً للموقع الذي احتلّه العربي، وخصوصاً الجزائري، في الجدالات والنقاشات حول الجنس والمثلية وعمالة الجنس والنسوية في خطاب اليمين المتطرف في فرنسا الستينيات والسبعينيات. القصة تعود إلى استقلال الجزائر عام 1962، بعد 13 عقداً من الاحتلال الفرنسي. فاليمين المتطرف استقبل الهزيمة حينها بوصفها إذلالاً ذا طابع جنسي. «لقد اتجهوا ببصرهم نحو (ما رأوه) رجولة منحرفة، مع تأكيدات حول فَرْطٍ في الذكورة ذي طبيعة شاذة لدى العرب وخنوثةٍ منحطةٍ جعلت الفرنسيين غير قادرين على إلحاق الهزيمة بهم». بطريقة أخرى، «من أجل تفسير الهزيمة في الجزائر، قدّموا هؤلاء (العرب) على أنهم منحرفون وخطرون وأولئك (الفرنسيين) على أنهم ضعاف الرجولة».


هكذا، تمثل مشروع ما بعد 1962، بالنسبة إلى اليمين المتطرف، في استعادة الرجولة الفرنسية لمواجهة التهديد الجديد، ما وصفوه بـ «الغزو الجزائري» أو «الغزو العربي». فإذا كان الرجل الفرنسي قد هُزِم في «الجزائر الفرنسية»، عليه ألا يهزم في المتروبول. وإذا كان هذا التهديد الجديد يتقاطع مع آخر، هو التحرر الجنسي الذي رافق الستينيات، فإنه يتحتم على الرجل الفرنسي مواجهتهما معاً. بالنسبة إلى القوميين المُغَالين، كانت المعركة ضد العرب بوصفهم تهديداً للوجود الفرنسي والأوروبي هي نفسها المعركة ضد التحرر الجنسي بوصفه «أحدث خطر يهدد «العرق الأبيض»». وشأنهم شأن كثير من الفاشيين والنازيين، رأوا في المثلية التهديد الأكبر للرجول المفترضة. وكان أي وصال جنسي بين ذكر عربي وآخر فرنسي ـــ أو أنثى فرنسية ـــ مصدر إزعاج مركباً.
ولعل أكثر حلقات هذا السرد جِدّة تلك التي تتناول الدور الذي اضطلع به الرجال العرب في الثورة الجنسية وحركة المثليين واحتفاء اليسار الجنسي الجذري بهم، إذ «لم تَربط الأفعال الجنسية والشهوات بين «المثليين» و«العرب» فحسب، بل ربطت «الفعل الثوري المثلي» بأشكال أخرى من السياسة الثورية». ومن أجل تشخيص طبيعة هذه الصلة بين العلاقات الجنسية والأفعال الثورية، يقدم شيبرد تحليلاً مطولاً لخطاب العديد من المجموعات الجنسية الراديكالية في فرنسا وقتذاك، لا سيما «الجبهة المثلية للعمل الثوري»، وهي منظمة لعبت دوراً محورياً في دمج النشاط الجنسي المثلي الراديكالي بالسياسات الثورية العالمثالثية والمعادية للاستعمار، بالرغم من عمرها القصير (من 1971 إلى 1974).
لقد تمكن كُتّاب «الجبهة المثلية» من «توضيح الدور الذي لعبته الثورة الجزائرية في تشكيل اليسار الفرنسي الجديد». وإلى جانب مجموعات أخرى، قدموا الجزائريين بوصفهم «رفاق كفاحٍ ومثالاً يحتذى به في العمل». وهكذا، كان الحديث عن أوجه الشبه بين ما يتعرض له المهاجر الجزائري والمثلي الفرنسي من قمعٍ بصفته استراتيجيةً خطابيةً مُعتمدة لديهم، كما «صاغوا عملهم اهتداءً بالثورة الجزائرية ونضال العمال المهاجرين في فرنسا الحالية». وكما هو متوقع، لم تعجب هذه السياسات كثيرين، سواء في أقصى اليسار، الذي رأى في الدمج بين النضالين العمالي والمثلي تنفيراً للطبقة العاملة ورفضَ أحياناً ربط الجنسي أو الشخصي بالسياسي، أو أقصى اليمين، الذي رأى في هذا الدمج استعماراً معكوساً وسعياً للانتقال من «الجزائر الفرنسية» إلى «فرنسا الجزائرية»، فضلاً عن نظرته الرافضة للمثلية وسياساتها.
بالنسبة إلى «الجبهة المثلية»، كان العامل المشترك ــ وهو ما أطلقوا عليه «البؤس الجنسي» ـــ بين العمال المهاجرين والمثليين واضحاً: «فعوضاً عن أن يكونوا (العمال العرب) محض ضحايا للقمع الجنسي الذي عانى منه المُستغَلين كافة، تمردوا. والطرق التي أدت بها العنصرية والاستعمار المستمر إلى تفاقم بؤسهم الجنسي، جعلت هذا الشكل من أشكال القمع الرأسمالي أكثر وضوحاً بالنسبة إليهم وأقل قبولاً. وفي تمردهم ضد ذلك، فتحوا صلات مع المثليين الذين يعانون (مثلهم)، وهو ما مكّن «الثوار» المثليين من التوصل إلى تفاهمات جديدة حول القمع والثورة». لقد اتّحد المهاجرون والمثليون الراديكاليون ضد الأورثوذكسية الجنسية، أي ضد كلٍّ من العلاقات المعيارية الغيرية وتلك المعادية للتقاطع بين الأعراق والطبقات.
لا يعني هذا أنه كان ثمة إجماع بأي حال من الأحوال بين المثليين، بل إنه يمكن الحديث عن «الجبهة المثلية» بوصفها جملة اعتراضية قصيرة في تاريخ المثلية الفرنسية، وهي أكدت افتراقها عن الحركات المثلية السابقة عليها وتلك المعاصرة لها، من خلال احتضانها لقيم معاداة الإمبريالية.
يضيء الكتاب على الدور الذي اضطلع به الرجال العرب في الثورة الجنسية وحركة المثليين

هذا يتضح بشكل نموذجي في تعليقات الكاتب اليميني وأحد أيقونات الحركة المثلية الفرنسية رونو كامو، منذ السبعينيات حتى اليوم. فقد كان لكامو موقف رافض لاحتفاء بعض المجموعات المثلية الراديكالية بالعرب و«المثلية المتوسطية». ويحلل شيبرد بعض الأعمال الأدبية المبكرة لكامو وكيف تعاطت مع الشخصية العربية، أو المتوسطية، وصورتها ضمن ثقافة «مهووسة بالأدوار الجنسية، وهو ما يعد لعنة بالنسبة إلى رؤيته للعالم الجديد للمثليين الذكور»، الذي رأى أنه يقوم على التقاطع والتفاوض في الأدوار الجنسية، وأن العرب مجرد مخربين له أو متطفلين عليه يهتمون بثنائيات «المُجامِع/ المُجامَع» أكثر من «غيري/ مثلي»، ويقومون بمضاجعة رجال آخرين لكنهم لا يرغبون في تعريف أنفسهم بوصفهم مثليين ولا في الإفصاح عن مثليتهم. إن العالم المثلي عند كامو نقي ومتماثل ومرآوي يقدم حالة نموذجية من «تاريخ الفانيللا»، حيث يضاجع رجال بيض أقرانهم وبني عرقهم، وحيث يستبعد كل اختلاف. يقول شيبرد: «إن محو الدور العربي في صناعة هويةٍ حديثةٍ للمثليين في فرنسا يُعد جزءاً من هذا المشروع المريح. ويشير مسار كامو... إلى أن الرؤى العنصرية الحالية لفرنسا «بيضاء» تُستمَد من هذه الأسطورة المثلية (التي لا تعترف بالدور العربي)»..
هذا التصوير للعرب بوصفهم مخرّبين ومتطفلين لم يقتصر على المثلية، وإنما امتد أيضاً إلى ــ أو بالأحرى انطلق من ـــ كل ما هو جنسي في فرنسا. كل حديث عن الجنس تضمن حديثاً عن العرب وكل نقاش حول العلاقات الغيرية أو المثلية أو عمالة الجنس أو الجرائم المرتبطة بالجنس انطوى على نقاش حول العرب. والسرد الذي يقدمه شيبرد يوضح كيف أُطّر العربي بوصفه الزاني واللوطي والداعر والقواد والمغتصب وتاجر الرقيق الأبيض في خطاب اليمين الفرنسي المتطرف (الذي احتضنه في ما بعد يمينيون ويساريون).
بالرغم من أن هذا الفصل من تاريخ الجنسانية الفرنسية يعد بعيداً عنّا اليوم، فإن العودة إليه وإلى نقاشاته تبدو ضرورية لمن يرغب في فهم جذور الحجج المستخدمة حالياً من قِبل اليمين المتطرف الشعبوي في أوروبا، الذي يشمل الكثير من القادة البيض لحركة المثليين الفرنسية. وبالرغم من أن خطاب اليمين المتطرف في فرنسا قد استبدَل «الغزو العربي» بـ «الغزو الإسلامي» وركز على «المرأة المسلمة» أكثر من «الرجل العربي» منذ الثورة الإيرانية عام 1979، كما يوضح شيبرد في الفصل الأخير من كتابه، فإن المسألة الجنسية لا تزال تحظى باستمرارية وحضور في هذا الخطاب.