«حيثُ يَنبُعُ الكلام» (الدار العربية للعلوم ناشرون) هيَ ثالثةُ الأثافيِّ التي يضعُ عليها أديب صعب قِدْرَ شعرِهِ، بعدَ أولى هيَ «أجراسُ اليومِ الثالثِ»، وثانيةٍ هيَ «مملكتي ليسَتْ من هذا العالم». يُعلِنُ، في الأُثفيَّة الأولى، تطلّعَهُ إلى قيامةٍ بعدَ الصَّلب، سواءٌ أكانَ المصلوبُ إنساناً أو بلاداً بكاملِها. ويُصَوِّرُ، في الأُثفيَّةِ الثانية، الإنسانَ في قلقِهِ الوجوديِّ وحروبِهِ العبثيَّةِ واغترابِهِ القسري. فما تُراهُ يقولُ في الثالثة؟ وكيفَ يفعلُ ذلك؟

في «أجراسِ اليومِ الثالث»، يُصَدِّرُ صعب أُثفيّتَهُ الأولى بمقتبسَيْنِ اثنَيْنِ يُشكّلانِ مفتاحَيْنِ مناسبَيْنِ للدخولِ إلى مملكتِهِ الشعرية. الأوّلُ من «العهد الجديد»، ويتعلّقُ بالمضمون، وقدْ جاءَ فيه: «ورأيْتُ سماءً جديدةً وأرضاً جديدة، لأنّ السماءَ الأولى والأرضَ الأولى مَضَتا»، ما يعني أنّ هاجسَ الشاعرِ هوَ البحثُ عن أرضٍ شعريَّةٍ جديدةٍ يفتتحُها، وسماءٍ جديدة يُحلّقُ فيها. الثاني من الشاعر ت. س. إليوت، ويتعلّقُ بالشكلِ والمضمونِ معاً:
A condition of complete simplicity costing not less than everything مؤكّداً أهميةِ البساطةِ التامّةِ في الذاتِ كما في النصِّ الشعري. وهيَ بساطةٌ – كما في تعبيرِ إليوت – يدفعُ صاحبُها «ليسَ أقلَّ من كلِّ شيء» للحصولِ عليها. وبرأيي، إنَّ هذَيْنِ المفتاحَيْنِ يَصلُحانِ للدخولِ إلى الأُثفيّةِ الثالثة، التي نحتفي بها لجمعِها بينَ بساطةِ الكلمة وجدّةِ المعنى.


تشتملُ المجموعةُ على 95 قصيدة، كُتِبَتْ، في معظمِها، منذُ ثمانينياتِ القرنِ الماضي، باستثناءِ قصائد القسمِ الأخيرِ «من دفترِ الطفولة» التي كتبَها صاحبُها وهوَ دونَ العشرين. تتوزّعُ القصائدُ على محاورَ، هيَ: الشعرُ، الطبيعةُ في عرسِها الربيعي، الحبُّ، الإنسانُ في حروبِهِ العبثيَّةِ واغترابِهِ الوجودي، والفردُ في تجربتِهِ الروحيةِ وأسئلتِهِ الكبرى. وغنيٌّ عن التعبيرِ ما بينَ هذهِ المحاورِ، كُلِّها أو جُلِّها، من تواشج؛ فالشعرُ ربيعُ الكلام، والربيعُ شعرُ الطبيعة، والحبُّ محرّكُ الشعر، والاغترابُ الوجوديُّ قَدَرُ الشعراء. لكنَّ تجربةَ الشاعرِ الصوفيةَ هيَ التي توحِّدُ هذهِ المحاورَ كلَّها.
يتّخذُ أديب صعب من الشعرِ محوراً لبعضِ القصائد، وموضوعاً يتناولُهُ في ثمانٍ منْها. فنراهُ أداةَ اللهِ لكشفِ الفتنةِ والجمال، وطريقةَ الشاعرِ الإنسانِ في معاينةِ الوجودِ ورؤيةِ الوجهِ الآخرِ للكون، ووسيلةً للحب. وهوَ خريطةُ طريقٍ إلى النور: «حينَ يمدُّ الدجى خيوطَه/ ويرجمُ النورَ بالرُّكام/ أتركُ شعري لكُمْ خريطه/ سفينةً تَعبرُ الظلام» (ص 17). ويماهي بينَ الشعرِ والصلاةِ بقوله: «وما الشعرُ إنْ لم يكنْ صَلَواتٍ/ وما الصَلَوات/ غيرَ شعرٍ يَفيضُ من القلبِ/ يَرسمُ وجهَ الحياةْ» (ص 23)، محوّلاً إيّاهُ من لغةٍ دنيويةٍ إلى طقسٍ ديني، ومن نشاطٍ بشريٍّ إلى جسرٍ إلهي.
الموضوعُ الثاني الذي يتمحورُ حولَهُ عددٌ منَ القصائدِ هوَ الربيعُ وتجلياتُهُ في العناصرِ والمخلوقاتِ والموجودات؛ ويرتقي بهِ الشاعرُ من حَدَثٍ طبيعيٍّ إلى رمزٍ شعريّ يشي بتجدّدِ الحياة. ويصفُهُ بأنّهُ صباحُ الدروب، ووجهُ البكاء، وترجمانُ الشتاء، وخيمةُ الطبيعة. ويُماهي بينَهُ وبينَ الشعرِ في قولِهِ: «إذا قُتِلَ الشعرُ ماتَ الربيعُ» (ص 65). ويرصدُ علاقةً جدليةً بينَ الشعرِ والربيع، فتَبتكرُ القصائدُ أبجديّةَ الربيع، وتغدو الزهرةُ قصيدة، والوزنُ برعماً، والقافيةُ شذا: «ونظرْتُ، كانَ كلُّ شيء/ حولَنا قصائدَ اختبأنَ في سرير/ يبتكرنَ أبجديةَ الربيع/ كلُّ زهرةٍ قصيده/ وزنُها براعمُ الضحى الجديدة/ والقوافي شذاها» (ص 30). وهكذا، ينتقلُ صعب، في هذا المحور، منَ الإنسانِ شاعرِ الكلماتِ إلى اللهِ شاعرِ الطبيعة، ومنْ ربيعِ الكلامِ إلى قصيدةِ الربيع. هوَ حبُّ الجمالِ اللغويِّ أو الطبيعي، البشريِّ أو الإلهي، يحرّكُ شاعريّتَهُ ويُنتِجُ أجملَ الكلام. فليسَ ثمَّةَ إبداعٌ بدونِ حب.
يرصدُ التفاعلَ بينَ الزمانِ والإنسانِ والمكان


ولا يقتصرُ حبُّ الشاعرِ على الشعرِ والطبيعةِ بلْ يتعدّاهُما إلى الإنسانِ/ المرأة، فيتمحورُ قسمٌ من قصائدِهِ حولَ الحب، يتناولُهُ مداورةً، من خلالِ وصفِ الحبيبة، أكثرَ ممّا يفعلُ مباشرةً، بوصفِ الحبِّ نفسِهِ. وهوَ في وصفِها يجمعُ بينَ التاريخيّ/ الأسطوريِّ والحضاري/ الواقعي في القصيدةِ نفسِها، فتكونُ الحبيبةُ سفينةَ نوح، في بدايةِ القصيدة، وتصبحُ قوسَ نصرِ المدينة، في نهايتِها: «نوحٌ أنا/ وجئْتِني سفينه/ نَعبُرُ هذا العصرْ... / إلى مدى أصبحُ فيهِ/ النهرَ والمدينة/ وأنتِ قوسَ النصرْ» (ص 91).
وإذا كانَ تَمحوُرُ القصائدِ حولَ المحاورِ الثلاثةِ المذكورةِ آنفاً ناجماً عن مطاردةِ الشاعرِ الجمالَ في الكلمةِ والطبيعةِ والمرأة، ففي المجموعةِ قصائدُ أخرى تتمحورُ حولَ الإنسانِ في اغترابِهِ الوجوديِّ وأسئلتِهِ الكبرى، وهذا التمحورُ ناجمٌ عن تأمّلِ الشاعرِ في أحوالِ الإنسانِ والكونِ، وهوَ الآتي من خلفيَّتَيْنِ ثقافيَّتَيْنِ تُعنَيانِ بهذهِ الأحوالِ هما: الفلسفةُ والدين. فيتناولُ وصولَ الإنسانِ إلى حائطٍ مسدودٍ، في بحثِهِ عنِ الماءِ بما هوَ رمزٌ شعريٌّ للخلاص: «حاملينَ البؤسَ نَمضي/ نحوَ أبوابِ الرجاء/ ونُصلّي، ونُصلّي للمطرْ... / غيرَ أنّ الشمسَ تَسْوَدُّ/ ولا تَدْمَعُ عينٌ للسماءْ/ ثمّ تنهالُ علينا/ سُحُبٌ راعدةٌ من غيرِ ماءْ» (ص 47). ويرصدُ التفاعلَ بينَ الزمانِ والإنسانِ والمكان، مستنتجاً عجزَ الإنسانِ في مواجهةِ الأقنومَيْنِ الآخرَيْنِ، فيدورُ بهِ الزمانُ ليُلقيَ بهِ في الحُفَر: «ودارَ بنا الزمانُ دورةً/ فلم يبقَ في الدربِ إلّا الحفَرْ» (ص 53). وفي مواجهةِ هذا الاغترابِ النفسيِّ والزمانيِّ والمكانيِّ، يلوذُ الإنسانُ بالطبيعة: «افتحي ذراعَكِ القويَّةَ، احضنيني/ أيُّها الجبالُ/ وانثري البخورَ فوقَ ناري» (ص 75). وأخيراً يجدُ الينبوع: «خذْني/ حيثُ يَنْبُعُ الكلامُ من عيونٍ/ حيثُ يُزهرُ الكلامُ في الشجرْ/ خذْني/ فلقدْ سئمْتُ لغوَهُمْ/ أولئكَ البشرْ» (ص 86). وعليهِ، فإنّ أديب صعب ينطلقُ، في شعرِهِ، منَ الوقائعِ الصغيرةِ إلى الأسئلةِ الكبرى، ومنَ المحدودِ إلى اللامحدودِ، ومنَ النسبيِّ إلى المطلقِ، وهذا ما يمنحُ شعرَهَ الجِدَّةَ والعمق.