لفت كتاب «الوأد الجديد» (مسيكلياني للنشر والتوزيع ــ دار الرافدين ـــ 2019)، الصادر هذا العام في تونس وبيروت وبغداد، الأنظار إلى زهية جويرو التي تعمل منذ سنوات على قراءة النصوص المتصلة بتفسير القرآن والفقه والفكر الإصلاحي، وتشكّل أطروحتها عن مؤسسة الإفتاء اقتحاماً كان حكراً على الباحثين. جويرو المتخصصة في الدراسات الإسلامية ورئيسة قسم اللغة والآداب في أعرق الجامعات التونسية، مع مجموعة أخرى من الباحثات مثل نائلة السليني وآمال قرامي وألفة يوسف وسلوى بالحاج صالح وغيرهن من الباحثات الشابات كزينب التوجاني، تعدّ مدرسة نسوية تونسية في مجال الدراسات الإسلامية. في هذا الحوار، تتحدث عن أسباب تراجع المشروع التحديثي وصعود الإسلاميين وإخفاق النخب في تكوين رأي عام مواز لمشروع الإسلاميين الديني.



طرحت الثورات العربية كما سمّيت على الشعوب صعود الإسلاميين إلى الحكم، وكانت الحصيلة بعد عشر سنوات تقريباً إخفاقاً كاملاً وارتداداً عن المشروع التحديثي العربي الذي ظهر في القرن التاسع عشر، لماذا هذا الإخفاق؟
- تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى التعرف على الأسباب التي تقف وراء تولّي جماعات الإخوان المسلمين، بتسمياتهم المحلية المتنوّعة، الحكم في أولى التجارب الانتخابية بعد الثورات العربية، كما حصل في تونس ومصر. ويعود هذا في نظري إلى أن استبداد الأنظمة السابقة وغياب الديموقراطية قد قضيا على فرصة تشكّل أحزاب حداثية وتقدمية قوية كان يمكنها أن تخوض الانتخابات بحظوظ أوفر. وقد استغلت الجماعات الإخوانية الفراغ الذي تركه غياب أحزاب مدنية حداثية من جهة وقدرتها على التنظيم والعمل السريّين والانفلات من المراقبة والتسرّب عبر العمل الاجتماعي إلى الفئات الشعبية الفقيرة والمحدودة الثقافة والوعي من جهة ثانية لتشكّل لنفسها حاضنة شعبية. كما راهنت هذه الجماعات على استثمار الحس الديني الذي يظل مؤثراً فاعلاً في الشخصية العربية العامة بتقديم أنفسهم في صورة المدافعين عن الإسلام ورسالته أمام أنظمة صوروها كأنها تعادي الدين، والحال أنها كانت أنظمة معادية لهم ولتوجّهاتهم وطموحاتهم السياسية. وهذا ما سبّب صدامات بين الطرفين. وقد استثمرت الجماعات الإسلامية كثيراً في ما صوّرته مظلومية تعرضت لها بسبب معارضتها للأنظمة التي ثارت ضدّها الشعوب. لهذه الأسباب تحديداً، صعدت جماعات الإسلام السياسي إلى الحكم عبر الصناديق، ولم يكن ذلك لبرامج اقتصادية أو اجتماعية مدروسة على أساس متطلبات المرحلة أو قابلية حلّ المشكلات التي كانت وراء ثورة الشباب، مثل مشكلات البطالة والتهميش والتفاوت الاجتماعي الحادّ وغياب قواعد تنمية صلبة. فهذه الجماعات كانت لا تملك سوى شعارات تدغدغ الشعور الديني ووعود بجنّة أرضية. أما البرامج العملية والعلمية القادرة على تحقيق التنمية المنشودة وعلى حل المشاكل الاقتصادية الهيكلية التي كانت أحد أسباب الثورات وعلى التنمية الاجتماعية الحقيقية، فغائبة تماماً عن هذه الجماعات.

زهية جويرو: ظللنا نراوح مكاننا منذ بدايات ما يعرف بعصر النهضة إلى اليوم


إذن، تبدو أسباب الإخفاق قائمة في طبيعة هذه الجماعات وفي مرجعياتها وأسلوب إدارتها للحكم. فهي من جهة ظلت على امتداد تاريخها، ويعتبر طويلاً نسبياً مقارنة بكثير من الأحزاب التي لم تستطع الظهور إلى العلن واستكمال تشكّلها إلا بعد الثورة، تعمل على واجهتين: افتكاك الحكم وتكوين حاضنة شعبية لها. ولم تولِ وضع برامج اقتصادية وسياسية قادرة على التنمية الفعلية وعلى توفير حلول عملية للمشكلات الاجتماعية أي اعتبار. إضافة إلى ذلك، سارعت هذه الجماعات إلى التعامل مع الحكم بمنطق الغنيمة، فاستأثرت به لأتباعها بصرف النظر عن الكفاءة الضرورية والمطلوبة في ظروف ما بعد الثورات الصعبة، فضلاً عن السياسة الداخلية التي كانت تؤذن بالفشل وتهدّد بالانهيار الاقتصادي خاصة، ظلت قواعد هذه الجماعات وأتباعها يناصبون النخبة المثقفة والمعارضة لحكمهم العداء وظلت شعاراتهم ترفع لواء العداء كذلك لمن يعتبرونهم قوى الكفر والطاغوت في الداخل والخارج، بالرغم من سعي هذه الجماعات إلى إظهار نفسها ملتزمة بشروط الديموقراطية وبأنها تعمل على الفصل بين الدعوي الديني والسياسي. هذا ما حدث في عدد من البلدان، وانكشفت معطيات أثارت الشبهات حول علاقاتهم بالإرهاب وبالاغتيالات السياسية وبتسفير الشباب إلى بؤر التوتّر. ولم تفلح الخطابات المزدوجة التي تحاول أن تشيع خارجياً صورة لجماعة تؤمن بالدولة المدنية وبالديموقراطية وشروطها بينما تظلّ متشبّثة بأطروحاتها القائمة على شعارات تطبيق الشريعة وإقامة دولة الخلافة ونصرة دولة الإسلام داخل أتباعها ومناصريها، لا في استعادة ثقة القوى الخارجية التي لم تتوان عن مساندتها في البداية، ثم لم تلبث أن فقدت الثقة في ما تعلنه، ولا في الاحتفاظ بالأنصار والأتباع الذين لم يعجبهم ما يعتبرونه تنازلاً عن الثوابت لصالح قوى الكفر والطاغوت. هذه العوامل مجتمعة بدأت آثارها تظهر على الأوضاع العامة التي ازدادت انهياراً وتفاقمت فيها المشاكل التي أدت إلى الثورات وعلى الوضع الخاص بالجماعة التي ما فتئت تخسر المزيد من أتباعها ومناصريها، وهو ما يعكسه على سبيل المثال عدد ناخبي الجماعة في تونس. وهو عدد ما فتئ يتناقص بنسبة عالية، ولولا تشتت الأحزاب والقوى التقدمية والوسطية لما تمكنت الجماعة من تحقيق أي مكسب في انتخابات المجالس البلدية المحلية في نيسان (أبريل) 2019، فضلاً عن كونها خسرت الانتخابات الرئاسية. وهو ما أحدث بلبلة حقيقية في صفوفها، وسمح بظهور العديد من الحقائق التي ظلت تتكتّم عليها، من بينها ما يهدّد صفوفها من انشقاقات بسبب عدم رضى قيادات الجماعة عن أداء شيخها ــ المرشد.
لا يمثل إخفاق الإسلاميين سياسياً في إدارة شؤون الدولة دليلاً على إخفاق المشروع التحديثي، بل إن عقد صلة بين الأمرين يبدو لي في حاجة إلى مراجعة. فإضعاف المشروع التحديثي بدأ منذ عقود، ولعلّ إضعافه هو السبب في بروز جماعات الإسلام السياسي. تعود العوامل التي لم تكن لتساعد على إرساء مشروع تحديثي صلب إلى فترة أبعد من الثورات، وهي عوامل من بينها الفصل بين التنمية مطلباً اقتصادياً ــ ماديّاً والتحديث مطلباً مركباً يشمل كلّ أبعاد المنظومة. فقد تصورت النخب التي أدارت دول الاستقلال أو الدولة الوطنية في مراحل نشأتها أن بإمكانها أن تنمّي بلدانها اقتصادياً وترفع بذلك من مستوى عيش شعوبها من دون أن تكون مضطرّة إلى الالتفات إلى البعد السياسي الذي كان يقتضي إرساء مقومات حياة سياسية ديموقراطية وبناء دولة مدنية تقوم على المؤسسات والقانون والتداول السلمي على السلطة، ولا إلى التنمية الفكرية التي كانت تقتضي تعليماً كفيلاً بتنشئة أجيال جديدة على القيم والتصورات التي تقوم عليها الحداثة، مثل قيم المواطنة والاختلاف والتحاور، كما كانت تقتضي ثقافة ترسخ هذه القيم لدى المواطنين، ولا هي حتى سمحت للنخب الفكرية بالعمل على تفكيك التعارضات المفترضة بين الانتماء الديني-القومي-الحضاري والانتماء إلى الحداثة وقيمها من أجل الاقتناع بها حتى تتحول إلى مقوّم من مقومات الذهنية والوعي العامين، خاصة عندما كانت هذه النخب تحرص على إعلان استقلالها عن الأنظمة الحاكمة، فكانت مصادرة الكتب وقمع الأصوات الحرّة ممارسات سائدة أسهمت في إخفاق المشروع التحديثي.

التراجع واضح في الشارع العربي عن منجزات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، خاصّة في مستوى المرأة والحريات، لماذا حصل هذا الإخفاق؟
- ربّما يكون التوصيف أكثر موضوعية لو قلنا إننا ظللنا نراوح في مكاننا منذ بدايات ما يعرف بعصر النهضة إلى اليوم. ذلك أننا ما نكاد نتقدم خطوة حتى يحدث ما يعيدنا إلى نقطة الانطلاق. وبالرغم من أن أنصار نظرية المؤامرة يركزون دائماً بصفة كبيرة على العوامل الخارجية، فإني أميل إلى اعتبار العوامل الداخلية محدّداً فعلياً لهذا الوضع الذي أصبح حلقة مفرغة عجزنا عن التحرّر من أسوارها. فلولا هذه العوامل الداخلية، لما كانت تلك المتأتية عن الخارج، سواء بقواه الاستعمارية التقليدية والجديدة أم بنظام العولمة الذي فرض علينا ولم نختره ولم نشارك في صياغة شروطه أو استحقاقاته. فالأنظمة التي تفرض نفسها على شعوبها فتفقد بسبب ذلك الشرعية الشعبية لأنها لا تمثل إلا إرادتها الخاصة في الاستحواذ على السلطة، تظل أنظمة ضعيفة مهما أحاطت نفسها بأكثر الأسلحة تطوراً وأشدّها فتكاً. لذلك تحتاج إلى حماية من الخارج بدل أن تستمد الحماية من الشرعية الشعبية والقانونية، وبذلك تفتح البلاد أمام الإملاءات الخارجية وشتى أشكال التدخل. كما أن هذه الأنظمة المشغولة بالحفاظ على سلطتها وكراسيها أكثر من انشغالها بتنمية البلاد وبتطويرها وبتوفير مقومات العيش الكريم لشعوبها، فشلت في ما فرضته على شعوبها من مناويل تنموية لم تكن في الحقيقة إلا منفّذاً لإرادة حماتها من القوى الخارجية. وانتهى الأمر بتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ومن ثمّ بفقدان أعداد متزايدة الثقة بالدولة الوطنية وباختياراتها.
المطلوب هو السعي إلى كسب مساندة المؤسسة الدينية التقليدية لمشاريع الإصلاح والتحديث واستثمار سلطتها المعنوية بدل دفعها إلى مزيد من الانغلاق

واتسعت حالة انعدام الثقة تلك لتشمل كل المشاريع والاختيارات التي قامت عليها تلك الدولة، بما في ذلك مشروع التحديث، ومن مشمولاته تحديث النمط المجتمعي الذي يقوم، من بين ما يقوم عليه، على تحرير النساء وتمكينهن من حقوقهن والارتقاء بوضعهن إلى مستوى المواطنة الكاملة، وإرساء منظومة الحريات العامة والفردية والمساواة بين جميع المواطنين، وتحديث النظام التعليمي على مستوى مناهج التعليم وبرامجه، وخاصة إدراج المعارف الحديثة في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية ضمن البرامج الموجهة إلى الطلاب في المرحلة العمرية الأهم، وهي مرحلة تشكل الوعي والتكوين الذهني. فضلاً عن هذه العوامل المركبة، لا تفوتنا الإشارة إلى بعض العوامل الإضافية، من بينها محدودية قدرة النخبة الحداثية على التواصل الفعال والبناء مع كل فئات المجتمع، فهي حصرت الأمر في النخبة المتعلمة وظلت بعيدة عن تلك الفئات، سواء بسبب التعالي عليها وتصورها غير فاعلة في مشروع التحديث أم بسبب استخدام لغة أجنبية عن لغة عامة الشعب، وعدم استكمال عمليات الإصلاح التعليمي الضرورية لبناء تعليم حديث وإحجام عمليات الإصلاح عن المس بالتعليم الديني التقليدي سواء المقرر في المؤسسات التعليمية العمومية أو ذاك الذي تنتجه وتروج له المؤسسات الدينية التقليدية، وهو المعطى الذي استثمرته ووجهته جماعات الإسلام السياسي لصالحها. هذا إضافة إلى تأخّر أو منع إطلاق نقاش مجتمعي حقيقي ومعمق حول جملة من المسائل التي اعتبرت من جهة تمس بالدين ولكنها من جهة أخرى من شروط استكمال التحديث، مثل قضايا المساواة الكاملة بين المواطنين نساءً ورجالاً، وقضايا الحريات الفردية كحرية المعتقد والضمير، وقضايا الأقليات، وخاصة الجنسية منها.

بعض المثقفين العرب يتّهمون النفط وجامع الأزهر برعاية مشروع الارتداد؛ الحداثي إن صحّت التسمية هل تعتقدين بهذا التوصيف؟
- لا يمكن أن أعتقد أن ثروة من الثروات التي حبت بها الطبيعة بلداننا وكانت قادرة على أن تجعل لها مكانة معتبرة في العالم وأن تكون سبباً في ازدهارها ورفاهية شعوبها، يمكن أن تكون سبب فشل أو تأخر. لكن هذا لا ينفي أن الثروة النفطية لم تكن دائماً على الصورة التي ذكرناها، وهي أن تكون سبب مناعة خارجياً وازدهار ورفاهية داخلياً؛ فالنفط جعل بلادنا مركزاً تجتمع حوله أطماع كل القوى العالمية، وكلّ يريد أن يكون له منه نصيب. وهذا ما جعل بلادنا العربية أكثر بلدان العالم عرضة للحروب والاضطرابات ومخططات الهيمنة من القوى الإقليمية والعالمية إلى اليوم. كما جعل منها المسرح الأكثر حروباً واضطرابات حتى اليوم. فلا غرو والحال هذه أن تشعر شعوب المنطقة بأنها لم تستفد شيئاً كبيراً من هذه الثروة، سيما عندما تكون مداخيلها دون ما ينفق لاستثمارها وحمايتها، وعندما لا تستثمر تلك المداخيل في ما يكون له مردودية مباشرة على حياة المواطنين، وفي ما يسهم في تنمية طويلة المدى مبنية على مصادر أخرى لا على النفط وحده القابل للنفاد. هذا فضلاً عن أنّ النفط في بعض البلدان أصبح عاملاً مشجعاً على الكسل وانتظار الدولة أن توفر الحاجيات، ما أسهم في خلق عقلية التواكل أو تعميقها.
أما الأزهر خاصة، والمؤسسات الدينية التقليدية عامة، فالملاحظ منذ بدايات تبلور الفكر الإصلاحي النهضوي، ومحاولات تجديد الفكر الديني، أن الغالب عليها هو الموقف السلبي، كأنها كانت تعتبر هذه المحاولات استهدافاً لها أو سعياً إلى منافستها في سلطتها الدينية. لكن هذا لا ينفي أنّ عدداً من الأعلام الذين تخرّجوا في هذه المؤسسات أو الذين عملوا فيها وكانوا أصحاب مكانة ضمنها، كانوا في الآن ذاته قادة هذه الأفكار والمشاريع الإصلاحية وزعماء رأي فيها حتى وإن كان موقفها سلبياً من بعض «أبنائها»، كما هو شأن موقف مؤسسة الزيتونة من الطاهر الحداد ومؤسسة الأزهر من علي عبد الرازق على سبيل المثال. ولئن تغير موقف الأزهر خلال العقود الأخيرة نحو مزيد من المحافظة والانغلاق نسبياً حتى أصبح فاعلاً في تخريج أجيال من ذوي المعرفة الدينية التقليدية جداً والمنغلقة إلى حد، بل في تغذية جماعات الإسلام السياسي وحتى الجماعات الدينية المتطرفة، فإن المطلوب هو السعي إلى كسب مساندة المؤسسة الدينية التقليدية لمشاريع الإصلاح والتحديث واستثمار سلطتها المعنوية من أجل إقناعها بهذه المشاريع بدل دفعها إلى مزيد من الانغلاق، ما يهدد بتحويلها إلى مؤسسة من مؤسسات الإسلام السياسي المتطرف.

اهتممت بمؤسسة الإفتاء، هل تعتبرين أن العالم العربي ما زال يحتاج اليوم إلى الفتوى؟
- لو أخذنا الأمر في المطلق، لقلنا إن العالم الإسلامي اليوم لم يعد في حاجة إلى المفتي، بناء على معطيين موضوعيين، أولهما أننا صرنا نعيش في ظل دولة. وحتى تكون هذه الدولة دولة قانون فعلاً، وحتى تستكمل مقومات سيادتها، فإنها مدعوّة إلى الاستئثار بسلطة التشريع عن طريق مؤسسة ممثلة لإرادة الشعب. وثانيهما أن المعرفة الدينية لم تعد كما كانت في الماضي محتكرة ومقصورة على «العالم»، أي على الفقيه ـــ المفتي، بل هي، على غرار كل المعارف اليوم، أصبحت متاحة للجميع. ومن ثم لم يعد المسلم في حاجة إلى مُفت يعلمه دينه أو يجيبه عن أسئلته الدينية أو المعيشية. وسيكون من الأنفع أن يبحث الإنسان بنفسه عن جواب لأسئلته أياً كانت، وخاصة أسئلته الدينية والإيمانية، كما هو شأن الإنسان الحديث عامة اليوم. كما أنه من الأسلم للدولة، وضماناً لعدم التناقض بين مصادر التشريع ومؤسساته، أن تكون عملية التشريع مركزة في سلطة محددة معروفة لها آليات عمل مضبوطة وتخضع لمراقبة الشعب وسائر مؤسسات الدولة. لكن هذا لا ينفي أن المفتي يمكن أن يحافظ على وجوده في العالم الإسلامي شرط أن تدرج وظيفته ضمن الوظائف الرسمية في الدولة حتى يكون خاضعاً لسلطتها ومراقباً من قوانينها منعاً لفوضى الإفتاء التي نراها الآن والتي ألحقت ضرراً بعدد من الدول، وبشرط أيضاً أن ينحصر عمله في مسائل دينية بعيداً عن التدخل في القضايا التي هي من مشمولات مؤسّسات أخرى أو أفراد آخرين يملكون المعرفة المناسبة لما قد يطرح من أسئلة، مثل الأطباء بكل تخصصاتهم والمحللين النفسيين وعلماء الاجتماع وغيرهم، إذ لا يعقل أن يدّعي المفتي المعرفة بأجوبة عن أسئلة تنتمي أجوبتها العلمية إلى هذه الاختصاصات. كما يشترط أيضاً أن يكون عمل المفتي رافداً من روافد التسامح والتصالح وبث روح الوفاق والأخوة بين الناس.

مشروع الإصلاح الديني انطلق منذ القرن الثامن والتاسع عشر، كيف ترين مستقبل هذا المشروع؟ وهل تمثلين مع زميلاتك التونسيات الباحثات في هذا المجال «مدرسة»؟
في الحقيقة انطلقت محاولات الإصلاح الديني وتجديد الفكر الإسلامي بداية من جيل الأفغاني عبده رشيد رضا ولم تتوقف إلى اليوم. وقد شهدت تطوراً كبيراً في أدوات الفهم والتحليل والتأويل وفي منهجيات البحث والمقاربة. وكان لدخول علوم الإنسان والمجتمع مجال الدراسات الدينية أثر في تطوير البحث وتحديثه في هذا المجال. شهدت دراسة الأديان والبحث في الظواهر الدينية تطوراً مشهوداً لم تكن بلادنا العربية ولا كان الإسلام والفكر الإسلامي بمعزل عنهما. وفضلاً عمّا كان لهذا العامل من دور في تطوير هذا المجال وتحديثه وتوسيع الاهتمام به لدى أجيال متزايدة من الباحثين، بدأ منذ العقد الأخير من القرن الماضي يتبلور عامل آخر سيكون له أطيب الأثر في هذا المجال، هو اقتحام النساء أسوار المعرفة الدينية الإسلامية التي ظلت محتكرة من الرجال، بالرغم من أن التاريخ احتفظ في ذاكرته بأسماء عديد العالمات وإن لم يحتفظ بإنتاجهن العلمي، لأن التدوين كان مكلفاً، ولذلك كان حكراً على ما ينتجه الرجال.

الدولة مدعوّة إلى الاستئثار بسلطة التشريع عن طريق مؤسسة ممثلة لإرادة الشعب

بدأت نساء مسلمات يعلمن وعشن في ظل مجتمعات غربية هذا الاقتحام، ولم يلبث عدد من النساء في العالم الإسلامي والبلاد العربية أن التحق بهذا الجهد الرامي إلى بناء معرفة نسائية ونسوية دينية من أجل الفهم والمعرفة أولاً، لكن من أجل تفكيك ظاهرة ربط منع تمكين النساء من كثير من حقوقهن، سيما من حقهن في المساواة والمواطنة الكاملة غير المنقوصة بسبب جنسهن في الدين وشرعنته بالاعتماد على الإسلام. وقد أسهمت الجامعة التونسية في تخريج أجيال من النساء الباحثات في هذا المجال، خصوصاً في مجالي الدراسات الحضارية والتاريخية، أذكر من بينهن نايلة سيليني، وحياة عمامو، وألفة يوسف، وسلوى بلحاج صالح، وآمال قرامي، ورجاء بن سلامة، وسناء بن عاشور وغيرهن. وأعتبر نفسي واحدة من بين هذا الجيل الذي يعود الفضل في تكوينه إلى ما تتمتّع به الجامعة التونسية من حريات أكاديمية أتاحت لها أن تكون سبّاقة في الأخذ بأحدث المعارف والمناهج العلمية. كما يعود إلى أساتذتنا الكرام ممن آمنوا بقدراتنا ولم يتوانوا يوماً عن تشجعينا في دروب البحث والمعرفة، أذكر من بينهم أستاذنا عبد المجيد الشرفي رئيس الأكاديمية التونسية للعلوم والآداب والفنون، «بيت الحكمة» في تونس، والأستاذ المرحوم محمد الطالبي والأستاذ هشام جعيط وغيرهم، وإن كانوا في اختصاصات أخرى، لكن كان لهم فضل فتح عقولنا على المعرفة الحديثة وغرس الإيمان بقدرتنا على إنتاج معرفة جديدة في نفوسنا.