بدأ ابن وحشية كتاب «الفلاحة النبطية» بشجرة الزيتون:

«واعلموا أنني بدأت بذكر شجرة الزيتون، قبل دخولي في الكتاب، لعلة بقائها، فإنها أبقى النبات كله، فيما يلينا. فلذلك أضافها قُدامانا إلى زحل، وقوم منهم أضافوها مع زحل إلى الشعرى اليمانية، وهو الكوكب المضيء الذي هو على عنق صورة الكلب [يقصد كوكبة كلب الجوزاء التي مركزها الشعرى العبور]. فقالوا إنها لهذين الإلهين، فهما يمجدانها ويحوطانها. ولعمري إنهم أصابوا وأحسنوا. فبدأت بذكرها، لأن هذا الكتاب إنما حركني على نظمه إلهنا زحل لأن الفلاحة كلها وعمارة الأرضين وإصلاح البنات، فبدأت بها لذلك، فاعرفوا مقدار هذه الشجرة وموقعها» (ابن وحشية، الفلاحة النبطية، تحقيق توفيق فهد، ص 18).
وهذا نصّ شديد الأهمية، وكاشف حقاً بشأن ديانات المنطقة العربية. فهو يعطينا كما نرى عدة معلومات مهمة:
أولاً: أن شجرة الزيتون مرتبطة بالإله زحل عند بعضهم، وبنجمة الشعرى اليمانية عند آخرين.
ثانياً: ونحن نعلم أن الشعرى اليمانية قرينة الإله- النجم سهيل اليماني. بذا يمكن القول إن سهيلا اليماني نظير زحل ومماهيه: سهيل اليماني = زحل.
ثالثاً: وبما أننا نعرف أن نجمة الشعرى اليمانية هي نجمة إيزيس المصرية، بذا فإيزيس المصرية يجب أن تكون على علاقة بشجرة الزيتون.

«شجر زيتون» لفان غوخ (زيت على كانفاس ــ 1889)

رابعاً: وبما أن أوزيريس هو قرين إيزيس، بذا يمكن الافتراض أن سهيلاً اليماني هو أوزيريس العربي. وأوزيريس له وجهان فيضي وغير فيضي. والفيضي (حين يكون اسمه ساهو) حسب منطوقة مصرية قديمة. فنحن نعلم أن سهيلاً اليماني مرتبط أيضاً بالفيض وزيادة الماء. فما زال يقال عندنا: إن طل سهيل زاد السيل، أي زاد الماء. ولا يخفى عليكم التشابه بين اسم «سهيل» و«ساهو». فسهيل اسم مركب (سه إل) أي «الإله سه». وكما ترون، فليس ثمة فارق بين «سه» و«ساهو». إنه الإله ذاته بالطبيعة والاسم.
خامساً: وهناك نصّ للبيروني يقول فيه إن زحل يساوي اللات العربي عند صابئة حران: «ويذكرون [أي الصابئة الحرانية] أن الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا من جملتهم، وأن اللات كان باسم زحل، والعزّى باسم الزهرة» (البيروني، الآثار الباقية عن القرون الخالية، ص 205). وبما أن زحل يساوي سهيل اليماني ويساوي اللات في الوقت ذاته، فإن هذا يوصلنا إلى أن اللات = سهيلا اليماني ويماهيه.
ولنعُد إلى شجرة الزيتون التي تعلن بوضوح في نصّ آخر من «الفلاحة النبطية» أنها صنم زحل: «أنا صنم زحل، من سجد لي في كل يوم ثلث سجدات، وصلى لي ثلث صلوات، وقرب لي ثلث قربانات أحييته مع الهي حياة الكشونا وأدرجته وقت أدراجه جوف المشتى بلا دبيب ولا بلى ولا تقطيع، لأنه وقت يدفن، إن دفنت معه في مدفنه، من كل جزء من أجزائي جزء مع اجزايه، لم يبل جسده أبداً. أنا التي عمرت الخرابات» (ابن وحشية، الفلاحة النبطية).
وهكذا فشجرة الزيتون إلهة تطلب أن يصلى لها. لكن علينا أن نحترس. فحين تقول «أنا صنم زحل»، فإن هذا لا يعني أن الزيتونة تمثل زحلاً، بل يعني أنها قرينة زحل.
شجرة الزيتون مرتبطة بالإله زحل عند بعضهم، وبنجمة الشعرى اليمانية عند آخرين


وانطلاقاً من هذا، فإنه يجب فهم ما جاء في القرآن عن الزيتون في سورة النور: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار».
وكما نرى فالزيتونة هنا توصف بأنها لا شرقية ولا غربية. ومن الآية يمكن أن نفهم أن هناك ثلاث شجرات أو شجرة بثلاثة أفرع رئيسية: شرقية وغربية، ووسطى بينهما. الوسطى ليست شرقية وليست غربية، بل هي عقدة الميزان التي تمسك بالكفتين الشرقية والغربية. ونحن نعلم أنه كان في معبد العزى في بطن نخلة قريباً من مكة ثلاث شجرات سمر، وأن العزى كانت تتمثل بالوسطى بينهما كما يخبرنا ابن الكلبي في الأصنام:
«كانت العزى شيطانةً تأتي ثلاث سمراتٍ ببطن نخلة. فلما افتتح النبي (صلى الله عليه وسلم) مكة، بعث خالد بن الوليد، فقال له: إيت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمراتٍ، فاعضد الأولى، فأتاها فعضدها. فلّما جاء إليه (عليه السلام)، قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية، فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي (عليه السلام)، فقال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة، فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشةٍ شعرها، واضعةٍ يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حرمى الشيباني ثم السلمي، وكان سادنها» (هشام الكلبي، الأصنام).
وإذا تجاهلنا الطريقة الروائية التشويقية، فإن لدينا ثلاث شجرات سمر. والثالثة منهن هي شجرة العزى. وأظن أن الشجرة الثالثة هنا هي الشجرة الوسطى. فالإلهة الأنثى تكون في الوسط دوماً، لا شرقية ولا غربية. وإذا كان العزى في الوسط، فيجب أن يكون اللات ومناة على الطرفين: اللات شرقي، ومناة غربي. فنحن مع ثالوث تكمن العزى في وسطه (اللات والعزى ومناة). وهذا الثالوث هو الشجرة الكونية التي لها ثلاثة جذوع أو ثلاثة أفرع.
ولاحظ أن العزى في النص حبشية سوداء «فإذا هو بحبشية نافشةٍ شعرها». والسواد لون إيزيس. فإيزيس زرقاء سوداء. بذا فالسواد لعزى وإيزيس. زحل أيضاً أسود لأنه مرتبط بشجرة الزيتون. سواده من سوادها: «واعلموا أن كل حيوان أسود فهو لزحل. وكل حجر كذلك فهو لزحل. وكل نبات أسود فهو له. واعلموا أن شجرة الزيتون اجتمع السواد في ثمرتها والرزانة في خشبها» (ص 15). وشجرة السمر تلعب هنا دور شجرة الزيتون. الاثنتان تمثلان آلهة من طراز العزى- الشعرى- إيزيس.

* شاعر فلسطيني