عزيزي ريلكه،

أتحدث إليك وأنا أخرج من صمتي إلى كتابة رسالة لك والتي كانت مجرّد لغة تعلقُ في حنجرتي وأحتاجُ أن ألقي بها في الخارج مثل عُصفور. حين بدأتُ في قراءة العالم من حولي، العالمُ الّذي يتكوّن من أكثر من لغة، وتشتبكُ فيه اللغات وتتواجه وتتصارع، بينما يأتي الشاعر بصمت لينسج لغته الخاصة. أنظر إليه أحياناً كمتفرجة، وأحياناً أصرخ وأغادر الغرفة التي أسمع فيها لغة تأتي من زمن آخر لتذكرك أنك لست إلا صورة مجازية أو كلمة جامدة في النص.
قرأت كتابك «رسائل إلى شاعر شاب»، وصرت أرى العزلة مثل غرفة وحيدة في العالم، فأنا كلاجئة، أعيش بين أكثر من لغة وأكثر من عالم، كان المخيم لغتي الأولى، ثم المدينة، ثم ما بينهما من تمازج وعناق وأحياناً ذلك الخصام والانفصال. أتنقل بينهما وأتلمس الأزقة التي ترتبك وتتركب.

بَالَادِينْ كْلُوسُوفْسْكَا ـ «التّأمّل الدَّاخِلي لِرِيلْكَهْ» (ألوان مائية على ورق، 1921)

ربما كنت أبحث عن الشعر في أشياء أخرى، فذهبت إلى الرسم، وجدت أن الخطوط الكثيرة التي أرسمها، إنما هي تلك الطرقات التي سلكتها في حياتي بحثاً عما يشبهني، فشعرت أن الحديث عنها لم يعد يجدي، بل إنها أجمل حين تأخذ فراغاً يكوّرها ويحضنها وتكون عالمها الخاص. هل هي لغة وحيدة؟ ربما.
تحولت عزلتي في الفترة الأخيرة إلى مجموعة من النوافذ، كل نافذة تطل على حديقة من النجوم، بعض النجوم يزعج القلب، وبعضها يضيف إلى ليلي كلمات تجعله يمشي إلى ليل آخر وأنت تقول في قصيدة لك : «يا نافذةً نبحث عنها غالباً/ لكي نضيف إلى الغرفة المحسوبة/ كلَّ الأرقام الكبيرة غير المروَّضة/ التي يُضاعِفُها الليل» أبحث عن تلك النافذة الناقصة، التي لا تطلّ على مخيم ولا على مدينة، النافذة التي أدخل منها إلى داخل الأشياء، وأغرق في قلبها الواسع، وربما أحتاج لتلك النافذة التي يخرج منها قلبي ليلقي على العالم قلوباً كثيرة.

* لبنان/ فلسطين