ترجمة وتقديم: سعيد الباز

الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888-1935) الذي استطاع أن يكتب بأسماء عديدة، اتخذها بديلاً عنه من ألبرتو كاييرو وألفارو دو كامبوس وبرناردو سواريش.. ولم يخصّ نفسه إلّا بعمل واحد ونصوص متفرقة، ويُعدّ ظاهرة أدبية غريبة، ظلّ مشغولاً بالتفكير في ذاته الهائمة في مدينته لشبونة. كان بإمكانه أن يكون كلاسيكياً ورمزياً ومستقبلياً وسوريالياً، أن يكتب بالإنكليزية والفرنسية والبرتغالية، وأن يترك جلّ أعماله مخطوطاً في حقيبته المشهورة كي تُنشر بعد وفاته. من أعماله النثرية التي رأت النور وحازت شهرة كبيرة «كتاب اللاطمأنينة»، وبعدها الكثير من الأعمال الأخرى كروايته القصيرة «المصرفي الفوضوي» وروايته البوليسية Quaresma، و«يوميات الحياة العابرة» وErostratus. النصان التاليان مقتطفان من أعماله النثرية.

1. المصرفي الفوضوي
كنا قد انتهينا من العشاء. أمامي صديقي المصرفي، التاجر والمحتكر المعروف يدخن في ذهول. الحوار بيننا كان مُشرفاً على الموت وفي النزع الأخير، وميتاً الآن. كنت أبحث عن وسيلة لإحيائه فأمسكت عشوائياً بأوّل فكرة خطرت في بالي. التفتُّ إليه مبتسماً:
- بالمناسبة، قيل لي يوماً بأنّك في الماضي كنت فوضوياً.
- بأنّي كنت فوضوياً، لا كنت وما زلت فوضوياً. ولم أتغيّر بخصوص هذه النقطة. أنا فوضوي.
- يا لها من فكرة جيّدة هذه؟ أنت فوضوي؟ في ماذا إذن أنت فوضوي؟ إلّا إذا كنت تعطي لهذه الكلمة معنى مختلفاً.
- مختلف عن المعنى العادي؟ لا، على الإطلاق. إنّي آخذ هذه الكلمة بمعناها الأكثر ابتذالاً.
- إذاً أنت تريد أن تقول بأنّك فوضوي بالمعنى الذي عليه الفوضويون هؤلاء الأشخاص الذين نراهم في المنظمات العمالية؟ وأنّ بينك وهؤلاء الأشخاص، بقنابلهم ونقاباتهم، ليس ثمة في الحقيقة أيّ فرق؟
- في كل الأحوال، ثمّة بالتأكيد اختلافات. الاختلافات ليست هناك حيث تعتقد. ربّما تعتقد بأنّ نظرياتي الاجتماعية ليست مشابهة لهم؟
- آه، أرى ذلك؟ أنت فوضوي نظرياً، لكن في الممارسة.
- في الممارسة أنا فوضوي بالقدر نفسه الذي أنا عليه نظرياً. وفيما يتعلّق بالممارسة فهي بمقدار أكثر، لكن أكثر من كلّ أولئك الأشخاص الذين ذكرتهم. وعلاوة على ذلك حياتي كلّها تثبت ذلك.
- هاه؟
- نعم، حياتي كلّها تثبت ذلك. في الواقع لم تنظر أبداً بوضوح إلى المسألة. لهذا السبب لديك شعور بأنّ ما أقوله محض حماقة أو أنّي أهزأ منك.
- عزيزي لم أعد أفهم في الأمر شيئاً. أو إذن... إذن تتصور حياتك منحلّة ومعادية للمجتمع، وهذا هو المعنى الذي تحدّده للفوضوية.
- لقد قلت لك سابقاً، لا. باختصار قلت لك مراراً وتكراراً بأنني لم أضف على هذه الكلمة معنى مختلفاً لما جرت به العادة.
- حسناً، حسناً.. لكنّي ما زلت لا أفهم شيئاً. في نهاية المطاف، عزيزي، تريد أن تقول بأن لا وجود لأيّ فرق بين نظرياتك الخاصّة، الفوضوية حقيقة، ووضعها موضع التطبيق في حياتك، حياتك كما هي عليه اليوم؟ أتريد منّي أن أعتقد بأنّك تعيش حياة شبيهة تماماً بأولئك الناس الذين ندعوهم عادة فوضويين؟
- كلّا، لا يتعلّق الأمر بذلك، ما أريد قوله، هو أن لا تعارض بين نظرياتي وممارستي اليومية. بل، هناك على العكس تماماً، تطابق تام. ألّا أعيش نفس حياة هؤلاء الأشخاص المغرمين بالقنابل والنقابات، هذا مؤكّد. لكن حياتهم هي التي تتناقض مع الفوضوية والمثل العليا الخاصة بهم، وليست حياتي. إنّ بداخلي – أجل بداخلي أنا المصرفيّ، التاجر الكبير، والانتهازي إن شئت - تندمج النظرية والممارسة وتجد التعبير الأكمل عنهما. لقد قارنتني بهؤلاء الحمقى، هواة القنابل والنقابات لكي تظهر لي إلى أيّ حد أنا مختلف عنهم. أنا بالطبع كذلك، الفرق بيننا أنّهم من ليسوا فوضويين إلا نظرياً، أنا فوضوي في النظرية وفي الممارسة. هم فوضويون وأغبياء، أما أنا فوضوي وذكي. بتعبير آخر يا صديقي، أنا هو الفوضوي الحقيقي. هؤلاء الناس بقنابلهم ونقاباتهم (لقد كنت مثلهم وتخلّصت من ذلك وهذا بالضبط بسبب فوضويتي الحقيقية جداً) هؤلاء الناس هم حثالة الفوضوية، الإناث المعقّمات للعقيدة التحررية.

2. لست أحداً
لست أحداً، وقد انتبهت إلى ذلك ولأوّل مرة اليوم. لا أحد مطلقاً، وأمامي مدينتي ولا أرى سوى أرض منبسطة، وهي مهجورة وليست ثمّة سماء. أنا كلّ ما ليس موجوداً، ولم يكن أبداً قد وُجِد. ولست حتّى شخصية من كتاب، هل أطوف في حلم شخص آخر؟ إذا لم أكن أحداً، فإنّي ما زلت أفكّ وأفكّر دونما توقّف، لكنّه ضباب، اضطراب دون إحساس، مثل كابوس، أسقط في حفرة سوداء، سقطة بلا اتّجاه، سقطة لا نهائية وفارغة. روحي عدم دائخ، حائمة في محيط بلا أفق، والمياه كلّها تعكّر صور ما رأت وسمعت في المنازل، لكنّها أيضاً وعلى حدّ سواء الوجوه والكتب والموسيقى، وأنا الأنا مركز كلّ هذا، مركز غير موجود، إلّا من هندسة الهاوية هاته، والتي تدور من أجل أن تدور، ولا شيء أكثر من دائرة كروية أو بئر. رجل زعم: «أنا أفكر إذن، أنا موجود» هذا شأنه! أنا أفكّر، وهذا ما قد حطّمني بقوّة، وشرّحني دون جدوى: أنا تعددت والكلّ، كلّ ما يدور حولي، يستعاد لغاية الولوج به إلى مسرح، هو بداخلي أنا، وأتنبّه له مثل حنيني ويأسي. في كلّ حدث أنا آخر، أتجدّد في الألم، وأحيا بأحاسيس ليست ملكاً لي.
تبدّدت وهنا تعرّفت على نفسي. خلقت في ذاتي العديد من الشخصيات، أخلقها في كلّ حين ودون توقف. لقد ازدوجت شخصيتي كما يجيد ممثل صنيعه على شاشاته السينمائية. لكي أكون دمّرت ذاتي، ملغوماً ومتآكلاً إلى حدّ أنّي الآن وبصدق لا أحد.
في المدينة لست إلّا مساعدَ محاسب والمفارقة لا تزعجني، بل بالعكس أنا في حاجة إليها وتجعلني أحيا وأرفع رأسي عالياً. مغموراً من لدن الجميع أشعر بنفسي عظيماً وهذا يرفعني إلى مصافّ الأخيار.
جالساً على طاولتي، وحيداً في الغرفة أواصل كتابة كلمات. هل ستكون خلاص روحي؟ أن تحيا هي أن تكون آخر يتجدّد في كلّ لحظة، وأن تتكرّر هي أن تكون شيئاً غير مثير للاهتمام.
أن تغسل ذاكرتك في كلّ الصباحات، أن تمحو كلّ شيء لتجد نفسك جديداً عذرياً هذا هو المثال، وأن تعيد في كلّ لحظة اكتشاف ألوان الأشياء وأشكالها، أن تعيد اكتشاف الزمن ثانية بعد ثانية، الصوت ومذاق الأشياء كما في المرّة الأولى، فغداً لن يشغلني إنّه يوم آخر.
أرى مسافراً منحنياً في باص يسير من نقطة إلى أخرى في المدينة، السماء ذات ضوء كئيب، بيد أنّها تكشف عن الطيور البيضاء الهائجة، ولم أشعر، كما هو معتاد في عظامي، بقدوم العاصفة. كان عليها أن تقصف في الجانب الآخر من الضفة في أسفل المدينة. عندما يكون الجو هكذا، يتّجه فكري إلى التأمّل الفارغ كاشفاً عنّي كما أنا في عزلتي في هذا الغور المعتم المعروف لدى الشعراء، دون أن أدري كيف أنّ روحي تتذكر جوّاً آخر.
خارج الكلّ، من بين هذه الصور الواضحة والحزينة طبعاً، منظر لبطّ وحشيّ. لديّ انطباع فظيع بأنّي واحد منها، وثمّة صيادون أراهم فأجزع لأن أحراش قصب تمنعني من المشيّ. السماء أخيراً تفرغ من سحبها الرمادية والميتة، فألقي نظرة على الضفة الأخرى، تلك التي أوجد بها. هناك لا أحد، ولن يكون ثمة أبداً أحد. وإذا كان بإمكاني الهروب من ذلك المنظر، فسأقضي وقتي في الانتظار، وسيقبل حتماً الليل. فجأة أحسّ ببرد عميق يخترق جسدي...
كلّ واحد منّا يعتقد بأنّه وحده متفرّدٌ بأصالة شخصه، أريد أن أقول في علاقته بالآخرين. هؤلاء الآخرون ما أصعبهم في الواقع ! نصل إلى القول بأنّهم ليسوا مثلنا، إنّهم مختلفون، لكن في ماذا؟ هذا وسواسي وكم هو فظيع معايشته... عندما أراهم يتصرّفون أتحقّق من أنّهم يشبهونني في كلّ شيء، وهذا الأمر ليس في صالحي. إنّهم أشباهي، وهذه حقيقة الحياة، ولا أنازعها البتة. هذا الإحساس يستمرّ حتّى في الكتب المقرّرة، والصور المرئية والأحلام اليومية... في الواقع وللاختصار، هناك الآخرون وثمّ هناك أنا. إنّهما عالمان اثنان.

Fernando Pessoa, Proses, traduites par Simone Biberfeld, Dominique Touati et Joaquim Vital, Editions de la différence, Paris, 1988.