بعد طول انتظار ختم ج. م كويتزي (1940) ثلاثيّته «حياة يسوع» برواية «موت يسوع» التي صدرت بالإنكليزيّة في أستراليا، وفي لندن قبل أيّام (Harvill Stecker)، مفتتحة العام بعمل أجمع النقاد على اعتباره الثلاثية الأكثر غرائبيّة لهذا العقد. الكاتب الجنوب أفريقي الذي ورث من بيكيت القدرة على الالتصاق بالجزء العليل من العالم، ما زال وفياً للعبث، ولعالم قائم على حيرة الإنسان الأزليّة. هذا البنّاء الروائي المحترف، تناول القضايا السياسية الآنيّة والثيمات الإنسانية الكبرى، ضمن حبكة خياليّة تقوم على عناصر متنوّعة من اللغات والإحالات الدينية والموت والبعث. لا شخصيّة تدعى يسوع في الثلاثيّة بأكملها، إلا أنه يظهر في شخصيّة البطل ديفيد الذي بلغ الآن عامه العاشر بعدما ولد في الجزء الأوّل من الثلاثيّة «طفولة يسوع» (2013)، وأكمل حياته في «الأيام الدراسيّة ليسوع» (2016).



لا يكفّ الطفل عن طرح الأسئلة، فيما حسم الأمر بأنه لن يقرأ رواية أخرى غير «دون كيخوته» لثيربانتس. ربّما لذلك أراد كويتزي أن تصدر الرواية بنسختها الإسبانية المترجمة العام الماضي، قبل صدورها بلغتها الإنكليزية الأصليّة أخيراً. إنها أيضاً لغة المنطقة المتخيّلة التي تجري فيها أحداث القصّة. لكن هذه الخطوة ترتبط بشكل مباشر بحياة كويتزي الشخصية والأدبيّة وزياراته المتكرّرة في السنوات الأخيرة إلى «جامعة سان مارتين الوطنية» في بوينس آيرس، لإدارة سلسلة من المؤتمرات الأدبية بعنوان «آداب الجنوب» بهدف تجاوز «حرّاس الشمال» الذين يقرّرون كتب الجنوب التي يحقّ لها أن تترجم إلى الإنكليزيّة. بالنسبة إلى كويتزي، كما عبّر في مقابلات عدّة، كان إصدار الرواية بالإسبانية وسيلة للتخلّص من الملل الذي به يقابل قرّاء الإنكليزية أعماله في العادة، كما فعل العام الماضي حين أصدر مجموعته القصصية «حكايات أخلاقيّة» بالإسبانيّة أيضاً، سبقتها خطوات مماثلة في بعض كتبه ورواياته التي صدرت بترجمتها الهولنديّة بداية، أي لغته أجداده الأولين. في الجزء الأوّل من الثلاثيّة، يصل الطفل اليتيم ديفيد إلى بلدة نوفيلا. تحيل الثلاثيّة منذ البداية إلى اللجوء الذي يجرّد المهاجرين من ذاكرتهم. في تلك المنطقة المتخيّلة، يجتمع ديفيد بالأم إنييز والأب سيمون اللذين يتبنيانه. لكن لا خلاص في أرض الخلاص القابعة تحت الحكم الديكتاتوري، حيث لا سبيل إلى الفرديّة إطلاقاً. تنقّلت الثلاثية بين مناطق جغرافيّة عدّة. إلا أن الانتقال الأبرز الذي يحيل إليه الجزء الثالث هو الآخرة، أو الحياة بعد الموت. أكثر ما يشغل بال الطفل هو احتمال لقائه بالدون كيخوته هناك!