فجأة ردّ لي الموت ما أخذه مني. وقفتْ عربته أمام بيتي، وأنزلت كل شيء: أحبتي الذين اختطفهم مني، أصدقاء طفولتي، والأمل بتنورته القصيرة.

لم يعد لدي ما أبكيه. أستطيع الآن أن أضع نعلي تحت رأسي كي آخذ غفوة طويلة.
غير أن فاختة ناحت على الدالية.
لم النواح يا فاختة؟ ألا ترين أن أخي القتيل هابيل قد عاد؟ ألا تبصرين كيف عاد الأمل يلثغ مثل طفلة في الثالثة من عمرها؟ 
ردت الفاختة بصوت لا رحمة فيه: «ما فُقد لن يعود. لن يعود أبداً».


أيتها الكذّابة. سوف أكسر غصنك. سوف أكسر المنبر الذي تعظين فوقه. الكون دائرة. وكل شيء يسافر من نقطة على محيط الدائرة ثم يعود إليها. والموت ذاته حصان يجري على هذا المحيط. يحمل حمله ثم يفسخه. يأخذ القتيل ثم يردّه.
ردت الفاختة ثانية: «لا، لا، الموت حرّاث. يصيح ببغلته: دي... دي، ويشقّ ثلمه الطويل. ثلمه لا يتوقف أبداً، وبغلته لا ترتد».
سحبت الفاختة نعلي من تحت رأسي.
خرّبتِ الحفلَ الكبير الذي كنت أنوي أن أبدأه.
2018
■ ■ ■

تساقطت زهور شجرة الجكرندا الزرقاء على كتفي وعلى الطاولة أمامي. ولم أكن أفعل شيئاً. كنت أنظر لأغصانها وهي تسقط مطرها فوقي، وأنظر للسماء من فرجات أغصانها.
وفكرت أن على هذا المشهد أن يكون المشهد الأخير في فيلم حياتي. تعال يا عمارة، يا أخي، صوّرني هنا تحت الجكرندا. وليكن الفيديو دقيقة واحدة. دقيقة واحدة فقط. ثم احفر لي بعد ذلك بيدك قبري.
لكن أريدك أن تضمن لي أن هذا الفيديو سيعرض على الشاشة بلا توقف. ينتهي ليبدأ من جديد، ثم ينتهي ليبدأ من جديد، هكذا إلى الأبد. فهذا هو الخلود الذي أردته يا عمارة. جسدي سيتحلل في التراب، لكن روحي ستتفتح كل يوم، وإلى الأبد، في الفيديو تحت شجرة الجكرندا.
ولا تحزن يا عمارة، لا تحزن. فمن الممكن أن يأتي يوم أعود فيه. من يدري؟ طائري في عنقي، وهو سيدلني على الحديقة وعلى شجرة الجكرندا.
سيدلني عليك أيضاً يا عمارة يا أخي.
13-05-2019
■ ■ ■

أحببتك مرة يا أليس كما تحب الخيل المحبوسة ميدان سباق مفتوح.
أحياناً أتذكر بلوزتك الخمرية وأبكي. أعرف أن هذا مضحك. لكن إن لم يتحول الحب إلى ذكرى فلن يكون حباً. الحب ذكرى فقط. اليمامات أيضاً ذكريات وليست طيوراً. تهب من الماضي بأجنحة ملتهبة، وتحرق وجوهنا.
أعرف أنك ما أحببتني يا أليس. لكن هذا لم يكن أمراً فظيعاً. فالمهم أن تحب أنت. أن تضع يدك على موضع الألم، وأن تكسر بعينك شعاع نجمة الزهرة.
أتذكرك يا أليس. أدخل يدي في شق الأبد وأتذكرك. أمسك عود الرحى ثم أطحن وأتذكرك.
غير أن الأمور معقدة جداً، فالحب ذاته لا يعرف ذاته.
عبرت أمس حافياً حقل الشوفان البرّي عند الفجر، فأغرق الندى قدمي. وكان هذا كافياً كي أمحوك وأمحو ذكراك.
القدم تمحو الألم.
القدم حفلة عدم كبيرة يا أليس. لذا أمشي كي أمسح اللوح كله من الطفولة للكهولة بقدمي.
الحب حظيرة مقفلة يا أليس. أما الخيل فحنينها للميادين المفتوحة.
25-04-2018
■ ■ ■

خلقت اليمامات بأجنحة كي تأتي بالوحي من السماء السابعة.
فهي تذهب إلى سدرة المنتهى، وتعود من هناك بحوصلة مليئة بالأناشيد. تحلّق وتنشد باسم الله.
ثم تحط، بعد أن تفرغ وحيها، على أسلاك الضغط العالي كي ترقب فعل النشيد في الناس الذين لا أجنحة لهم.
هل أدركوا شيئاً؟ هل نفعهم الوحي الذي حملته في حواصلها؟
لا شيء يدل على ذلك.

الرسوم لزكريا محمد

فالناس يعبرون الشارع وأعينهم بين أقدامهم كما لو أنهم لم يسمعوا. ينشرون الغسيل على الحبال من دون أن ترتعش قلوبهم.
لكن اليمامة لا تكترث. لقد أوصلت رسالتها، وانتهى الأمر.
تقف على أسلاك الضغط العالي لحظات تتطلع يمنة ويسرة، ثم ترمي بذرقها، وتطير باحثة عن عيدان تبني بها أعشاشها.
هناك وقت للأناشيد والأغنيات، ووقت لبناء الأعشاش.
فخلّ لك إذن، مثل اليمامات، وقتاً تجمع فيه عيدانك، وتبني عشك.
2018
■ ■ ■

الألم كتاب ضخم بصفحات لا تُعد. وعلى كل واحد أن يقرأ منه شيئاً. هناك حاجز على الجسر يسألونك فيه إن كنت قد قرأت نصيبك من كتاب الألم. لا يمكن العبور من دون أن تكون قد قرأت على الأقل صفحة واحدة من هذا الكتاب.
هناك أناس قرأوا صفحات لا عدّ لها منه. وهناك من غرقت رؤوسهم فيه طوال حياتهم.
أما أنا فقد كان ألمي خفيفاً. غرز شوكته القصيرة في صدري، ثم هبت ريح وصفعتني على جبيني. كسرت الريح غصناً واحداً من اغصاني، ثم مضيتُ في طريقي. هذا على الأقل ما أتذكره الآن.
أيها الذين كان عبورهم في الممرات الصخرية الصعبة لطريق الآلام. يا من قرأوا فصولاً لا عدّ لها من كتاب العذاب، خُطّوا لنا كلمة كي نحس بألمكم العظيم.
عيب على الألم أن لا يترك وراءه ولو خدشاً صغيراً يذكّر به.
عيب أن لا يخط بيده حتى إشارة استفهام على وجه الصخرة.
06-07-2018
■ ■ ■

عددتُ زهور الكتان في الحقل كله يا نسرين مرات ومرات، وفي كل مرة أخطئ في عدها. الخطأ حرفة من يتبع نسرين.
أعبدها زهرة الكتان. وأعبده طائر الطنان الذي يخطئ هو أيضاً في العد من واحد إلى اثنين.
أيها الصيف المتلهّب. أيها التيه الذي يبشر بتيه آخر خلفه، ويوصل إليه. أنت لا تنفع للفرح ولا للبكاء. لا تنفع حتى كي أقطع بالسكين قطرة ماء.
رمت نسرين دفتر يومياتها في الحديقة. رمت الطيور على قمم الأشجار. ورمتِ الصخور في التلال، ومضت.
وها أنا أجلس كل يوم تحت شجرة الجكرندا وأقرأ دفترها.
وما الذي يمكن لطفل على صدر أمه أن يفعله غير أن يعض بسنّه كل صبيحة خدّها؟
30-09-2019
■ ■ ■

وقّعت الطيور جميعاً وثيقة تشهد بأن أجنحتها منحة، وأنها قد تُستَرد في أي لحظة.
جاء هذا في كتاب كليلة ودمنة، أو في كتاب يشبهه، في ما أظن.
لكن طائر أبي الحناء الأحمر الصدر لم يبصم على الوثيقة.
مسح بكفه الملطخة صدره بدل أن يبصم على الورقة.
وهكذا تلطّخ بالحناء صدره، وظلّ جناحُه ملكه.
لذا فهو يطير حرّاً في وجه الريح، ويمزّق ثوبها.
يحط على شجرة الرمان، وبمنقاره يفرط عقيقها.
يده الملطخة بالنار أنقذته.
وهو ممتنّ لهذا. لذا فهو يفرد في كل صباح جناحيه مثل سجادة صلاةٍ، ويطير كأنه يصلّي.
26-07-2017
■ ■ ■

هناك شوق ما. أو قل هناك يأس ما. أو ربما نقطة على الخط الواصل بينهما. وعليّ أن أصل بهذا اليأس أو بهذا الشوق إلى منتهاه. لم أصل بعد. لكن الصالة مضاءة. وهذا هو الجيد في المسألة على الأقل.
القط متوثب والصالة مضاءة. لا يمكن رؤية العصفور، لكن القط متوثب.
وهذا أقصى ما يمكن لي قوله.
19-07-2019
■ ■ ■

كانت الشمس في برج السنبلة، وكان حزيران آكل مناديل. يصرخ: «أعطني منديلك، أعطني منديلك»، ثم يمزق المنديل ويأكله. وكان الليل كاسر قناديل. يكسر القنديل بيده ثم يأكله.
ثم جاء الشعر وأكل ما تبقى من أيامنا. فشُلّ يا حبيبي يميني بضربة من جناحك كي أكفّ عن الشعر. اصبغ لي باليأس كفّي، وقل: هذه صبغة الله: «ومن أحسن من الله صبغة؟».
واليوم هو الثامن من أيلول. الدنيا تحاول أن تمطر ثم لا تمطر. ليس مهماً أن تمطر، فقد تيممنا بالتراب. غسلنا به قبل شروق الشمس وجوهنا وأفواهنا.
ولا أفهمك يا حبيبي كي أمدحك. فاقطرني وراءك كي أعرفك، اجعلني العربة الأخيرة في قطارك.
كانت الشمس في برج النار. وكان الليل سعلاة تقتل أختها ثم تبكيها في تختها.
أعطني تاجك العظيم، تاج كسرى، لكي أكسره. أعطني كفك الرحيمة كي أقطع بفأس اليأس سُلامياتها.
08-09-2019
■ ■ ■

لقطتُ بيدي آخر تمرة على النخلة. وحين مضغتها حل الشتاء. وما كان أغرب هذا.
لكنني لا أكترث بالفصول أبداً. الفصول عنزة شاردة، وعنزة عائدة. أما المطر فطفل يمخط أنفه بكمه ويبكي.
لذا لا تسمح لأحد أن يعتادك.
وأمس أبصرتك في الصبيحة من نافذة المقهى وأنت تمشي تحت المطر. ولم أناد عليك. جعلتك تمضي كأنني لم أشبك خنصري بخنصرك يوماً.
الحب عادة قبيحة ينبغي تركها تمضي بلا مظلة تحت المطر.
باضت اليمامة بيضة صغيرة فانكسرت الجرة.
باضت الريح حجراً كبيراً فوق الصخرة.
06-12-2019
■ ■ ■

عصفور في اليد، وعشرة على الشجرة. العصفور الذي في اليد هو ذاتي. والعشرة التي على الشجرة ذات نسرين. وقد عزمت على أن أطْلِقَ ذاتي. على أن أطلّقها من أجل نسرين.
اعبري السماء يا نسرين، فأنا خيط طيّارتك الورقية. أنا ذيلك الملون الطويل.
اعبري ولا تعودي. فليس بالعودة يحيا الإنسان بل باليأس منها. ليس بالمحبة بل بفقدانها.
طيّارة نسرين تجوب الأفلاك والسموات. وأنا على الأرض أنْحلّ مثل كبّة خيطان كي يستطيل حبلها، ويمتد مداها.
وجودي واحد لا يبلّ ظمأ. أما وجود نسرين فمضاعف كالعناقيد.
24-08-2019
■ ■ ■

يجب أن يكون هناك أمل ما حتى ولو كان مثل قط مريض يئن على الكنبة. حتى ولو كان مثل فراشة عثّ ترجف بجناحها الطحيني على علاقة الملابس.
الحياة دابة غريبة لن تسير إن لم يكن قدامها قبضة من حشيش الأمل.
03-04-2018
■ ■ ■

تفتحت زهرة صبّار في الليل. أردت أن ألمسها بيدي. لكن نومي لم يكن عميقاً بما يكفي كي أصل إليها.
النوم درجات. وأنا لم أصل بنومي إلى الدرجة العميقة.
ما زلت بعد على الحافة بعد. ما زلت بين النوم واليقظة.
الألم زهرة تتفتح على الحافة.
13-03-2018
■ ■ ■

طيور كثيرة تعبر السماء فوق رأسك. واحد منها فقط طائرك. واحد منها عظْمةُ لسانك.
30-09-2017
■ ■ ■

لو كان هناك صوت يناديك باسمك.
لو كان هناك خاتم حديد يدور على خنصرك، ويدير لك، حين تلمسه، ناعورة الزمن القديم.
لو كانت هناك بركة تسبح فيها، وتخرج بغرة مبتلة بالأسف والأسى.
لو كانت هناك مسبحة يُسْر تسقط بإبهامك حباتها، فيسقط معها من ذاكرتك كل ذنب من ذنوبك.
لو كانت هناك نجمة وحيدة تحترق على شاشة السماء العريضة.
لو كان في هذا الليل أمل ضئيل يقعد بعينين مضيئتين مثل قرد بابون على حجر.
25-09-2017
■ ■ ■

 ليس عند الزمن شهية لكتابة قصائد طويلة. فهو يكتب مقاطع قصيرة فقط. مقاطع ترجف في الزرقة مثل جناح حدأة.
أرني كفّك البيضاء كي أتنبأ لك بوقفاتك القصار.
 أرني ضبّة أسنانك، كي أكسر لك منها سنّك الذهبية.
31-03-2017
■ ■ ■

اليأس لطخة كبيرة على صدري. لكنني أطبع كفّي المحناة على الصخرة، وشفتي المحمومة على المرآة.
01-02-2014
■ ■ ■

للخيبة أفواه كثيرة. وهي تغني بها جميعاً. 
08-02-2016
■ ■ ■

أفكر بالكلمات كما لو أنني طائر يعترض الحشرات في الجو. يأخذها بمنقاره، ويُعدمها فوراً. 
لا، ليس هكذا. الأمور أعقد قليلاً من هذا. الأبد مثلاً كلمة كبيرة تملأ الكف كأنها حجر. سأضرب بها جبين الموت.
أما الصمت فكلمة سوداء مثل سراج أطفأ نفسه بنفسه.
ضعوا حجاباً على عين الشاهين، خيطوا منقاره، فالكلمات تقتل مثل أضاح في العتمة.
19-06-2016
■ ■ ■

يدي اليسرى تعاكس اليمنى، فأعجز حتى عن إشعال شمعة. فأنا حبيس الزجاج والقصدير: حبيس المرآة.
ومن هناك أغني لكم. اللحن ليس لي، ولا الكلمات. أنا المؤدي فقط.
المرايا تخرّب كل شيء: لا شيء يمسك بشيء، وكل شيء قابل للكسر.
اكسرني بالعصا إن أردت، أكسرني كأنني جرة فخار.
12-09-2016
■ ■ ■

أغني في الليل لكي يكون النهار شقيقاً لليل.
وإلا كيف أضمن أن يظل جحشاي البليدان، ليلي ونهاري، معاً؟
سيفلتان إن لم أقيّدهما بحبل الغناء الغليظ.
خذوا مني ما يلصق ليلكم بنهاركم
وخذوا أيضاً ما يفلت خيطكم من إبرتكم
ما يجعلكم غريبين حتى عن أنفسكم.
21-08-2013

(*) مقتطفات من ديوان بالعنوان نفسه يصدر قريباً عن «دار الناشر» رام الله/عمان.