الأوركسترا كاملة على المسرح. المايسترو يدير وجهه إلى الجمهور، يلقي على القاعة الغاصة بالصمت والترقب نظرة متفحصة وإصغاء مرهفاً يستقصي بهما أي حركة/ نأمة لم تسكن/ تسكت بعد.

تسترخي قسمات وجهه المتفحص المصغي، يعبر مقدمة المسرح في خطوات عَجِلَةٍ إلى الكواليس على اليسار.. دقيقة أو قرابة.. ثم يعود بها: سيدة في حوالn الأربعين، تلبس ثوباً أزرق من قطعة واحدة يهبط من صدرها حيث منبت النهدين ضيقاً إلى الخصر، ثم يتسع.. يتواسع حتى تغطي حافته الرافلة القدمين، فلا يبين منهما إلا رأسا الحذائين الأسودين. أعلى الصدر عار إلا من شريط أزرق يحيط بالعنق ملتصقاً بالجلد، والذراعان عاريتان، وفوق الرأس شعر أصهب مسرّحاً من اليمين إلى اليسار، ومتصاعداً في الكثافة من الأمام إلى الوراء حتى ينتهي بما يبدو لمة معقودة خلف الرأس. في شحمتي الأذنين حليتان لاصقتان بهما لا يكاد يميزهما إلا لونهما الأزرق الفاتح. وعلى العينين نظارتان بيضاوا الزجاج، بإطار مشرب الحمرة يكاد يذوب في لون الجلد العاري على الوجه والصدر والذراعين.
يقود المايسترو السيدة الزرقاء إلى مقدمة المسرح حيث تنحني أمام الجمهور المصفق، فتبدو من خلفها الأوركسترا الباذخة بمختلف الآلات الكلاسيكية مع غلبة الكمانات.
تجلس السيدة في مواجهة المتفرجين، على يسار المايسترو المولي ظهره لهم. تمسك بيدها اليمنى آلتها، آلة نفخ بمفاتيح، تشبه السيدة في شكلها الخارجي، لونها رمادي مائل إلى الزرقة، رقيقة الأعلى، لكنها تتسع بالتدريج مع اتجاه العين نحو نهايتها السفلى، وبيدها اليسرى تنزع السيدة النظارة من فوق عينيها، وتضعها على منضدة صغيرة بينها وبين المايسترو، يرفع المايسترو يده الممسكة بعصا القيادة، يبدأ العزف.

بلو ماكرايت ـــ من دون عنوان (زيت على ورق ــــ 22.9 × 15.2 سنتم ـــ 2011)

في عنفوان العزف، وفور أن تصل الكمانات إلى قمة الجبل وهي تلهث، يشير المايسترو بيده اليسرى الهابطة إلى السيدة الزرقاء، كأنما ليساعدها على الصعود إلى قطار. تقف السيدة، وتبدأ النفخ في آلتها الزرقاء الشبيهة بها. تخرج النغمات حية خجولة في البداية وسط صخب الكمانات. لكن، شيئاً فشيئاً، تتسيد الآلة الزرقاء المسرح، تكاد تنفر بآذان القاعة لولا أن أصوات الكمانات المتراجعة لم تصمت تماماً، خفتت فقط.
الصوت الأزرق يتصاعد.. يتراقص.. والسيدة تتواجد.. تندمج.. تغمض عينيها الحسيرتين وهي تنفخ في الآلة محركة رأسها مع النغم في حركة دائرية من اليمين الهابط إلى اليسار الصاعد ثم اليمين الهابط.. والنغمات العذبة تنبجس من الأسفل كأنما تغترفها العينان المغمضتان من قاع نهر عميق، وتصعدان بها من الرأس نحو اليسار العالي، ثم تهبطان بها من حاااااالق على.. على النظارات المتلهفة الفاغرة زجاجها الرملي فوق المنضدة الصغيرة بجوار الحذاء الأسود للعازفة الزرقاء. يتراجع زفير الآلة الزرقاء أحياناً، لتتصاعد أصوات الكونترباصات والكمانات.. تتصاعد محايدة ملساء كهفهفات أثواب أو رفرفات فرشات، فتغطي الزفير المشتاق أو العاتب أو المجروح، حتى لَيَنْبَهِمُ المعنى الذي أوحى به، وينداح الإحساس الذي ركزه. لكنه هناك بعد.. خافت هامس أو متوار متوارب.. هناك بعد حي ويتنفس أو يتنهد أو يتهيأ للصدح الصدع الصدم.. ها هو ينطلق.. ينخرط في حوار ساخن مع هفهفات الفراش. تهيمن أنفاس العازفة الزرقاء على المسرح، تبندل حركة رأسها «السانية» من اليمين الهابط إلى اليسار الصاعد ثم اليمين الهابط.. مغمضة العينين محرورة/ ممرورة النفس كأنما تستقي أنغامها من جوف مجرة.. تصعد بها من يمين الدرك الأسفل للألم البشري إلى يسار السدرة العليا للبوح الإنساني، ثم تهبط بها من حاااالق على النظارات العطشى فوق المنضدة الصغيرة، فيبدو العالم من ورائها أزرق كأنما كله بحر.. أو كله سماء.
تتهاطل النغمات على النظارات.. يصفو العالم.. تغفو الطبيعة.. يطفو الإنسان.. يُزَنِّرُ الكون حزام فاطمة الزهراء. تسكن حركة يد المايسترو الممدودة في أعلى. تسكن كل الحركات على المسرح..
تتحرك القاعة في عاصفة من التصفيق والقيام والابتسام المعجب المبهور.
أدار المايسترو وجهه إلى الجمهور الواقف المصفق، مد يده تلقائياً إلى العازفة الزرقاء عن يمينه.. ولكن يداً لم تمسك يده..
التفت، فلم ير العازفة بجانبه، لم يرها واقفة ولا جالسة ولا نائمة ولا عازفة ولا صامتة ولا حتى منطرحة جسماً بلا روح.
لم ير في مكانها الخالي إلا نظارة بدون عينين، وآلة نفخ بدون شفاه. ومع التفاته كان الجمهور يلتفت، وكان العازفون يلتفتون، ومعه أيضاً كان غياب العازفة يخرسهم.
وفي الصمت الشامل العميق، لم يكن يسمع إلا مزيجاً خافتاً من الزفر الناعس والهفهفات والرفرفات العابرة والحفيف الخفي، يشيع في فضاء القاعة، مزيج خافت يتفاعل ويتداخل وتمحي حروفه فَيَمْلَاسُ وَيَعْذَوْذِبُ وهو يتلاشى ويتسرب مع الأوكسجين، إلى رئات الحاضرين.

* الدار البيضاء /المغرب