لندن | ربما يميل بعضهم إلى الاعتقاد بأن الأديبة والشاعرة ماري آن إيفانس (1819 – 1880) التي نشرت أعمالها تحت اسم ذكوريّ مستعار هو «جورج إليوت» ـــ تجنّباً لأخذ النقّاد أعمالها على وجه الخفّة وتصنيفها في سياق الرومانسيّات إن هي نشرتها باسمها الحقيقي ـــــ قد تكون ضحيّة المجتمع الفيكتوري البطريركي النزعة حيث معاقرة الثقافة وتعاطي الأفكار مسائل كانت مقتصرة تقريباً على عالم الرجال.


لكن التدقيق في سيرة هذه الكاتبة العظيمة التي تحتفل بريطانيا بالذكرى 200 لولادتها، تجعلنا نراها في مكان آخر تماماً: نسويّة رائدة طابقت قناعاتها الفكريّة سلوكها الشخصي اليومي، رغم كلّ الضغوط الطبقيّة والمجتمعيّة والدينية التي كانت تكبّل حياة الأفراد، لا سيّما النساء، في بلادها إبّان عصر الإمبراطوريّة، وفيلسوفة من الطراز الرفيع لها الفضل في تعريف العالم الأنغلوفوني إلى الأفكار الخطيرة لفلاسفة البرّ الأوروبي المتنورين الكبار عبر ترجماتها لأعمال لوديغ فيورباخ «جوهر المسيحيّة»، وسبينوزا (كانت أول من ترجم كتبه)، وديفيد ستراوس (قراءة نقديّة لسيرة السيّد المسيح)، وأيضاً محرّرة من الدرجة الأولى لإحدى أهم مجلّات لندن الثقافيّة، قبل أن تشتهر كشاعرة وربّما أهم روائيّة إنكليزيّة على الإطلاق.
ولدت ماري آن لعائلة فلاحين تقطن قريّة عزلاء في قلب الريف الإنكليزي، لكن طموحها وعقلها المتوهّج كانا أكبر بكثير مما كان القدر ليسمح به لفتاة مثلها في تلك النقطة من تقاطع الزّمان والجغرافيا والتاريخ. اجتهدت في تعليم نفسها والاطلاع على المعارف والأفكار التقدميّة التي تداولها المثقفون الليبراليون وقتها. كانت لمّا تبلغ العشرين عاماً عندما عزمت على الخروج من شرنقة الريف والانتقال إلى لندن ــ عاصمة العالم حينها ــ والتفرّغ هناك للترجمة والكتابة. وهو ما حصل لاحقاً بعدما تعرفت إلى رئيس تحرير مجلّة «ويستمنستر ريفيو» المرموقة، وقبلت الانتقال للعيش معه ومشاركته مهمّة التحرير. في أجواء لندن البرجوازيّة المتزمتة، كان اختلاط فتاة عزباء بالرّجال المتزوجين مسألة تثير القلق، لا سيّما أنّ طبيعة عملها التحريري بالمجلّة كانت تستدعي حضور لقاءات ومناسبات ثقافيّة كثيراً ما كانت فيها المرأة الوحيدة. تنقلت بالفعل بين علاقات سريّة مع عدد من هؤلاء المثقفين (المتزوجين)، قبل أن تتسبب لمجتمعها الجديد بالصدمة بعدما عاشت علاقة علنيّة مفتوحة مع جورج هنري لويس، الفيلسوف والكاتب الذي كان متزوجاً. لكن العزلة الاجتماعية التي تعرّضت لها إثر ذلك دفعتها لمزيد من العطاء الفكري، فأنجزت ترجمة المزيد من أعمال فلاسفة أوروبا، قبل أن تخوض غمار الأدب في مجموعة قصصية دفعتها للطباعة عام 1857 تحت الاسم الأدبي «جورج إليوت»، وكذلك رواية أولى في 1859، لتستمر بعدها في الكتابة لـ 15عاماً تقريباً نشرت خلالها مجموعة من الدواوين وروايات عدة حظيت بشعبيّة واسعة وتقدير النّقاد، لعل أشهرها «ميدلمارش» و«دانيال ديروندا».
حفلت روايات إليوت بالشخصيات النسوية القلقة التي تعيش حالات تشظٍّ واغتراب عن مجتمعها وقيوده المتخلفة، وقدّمت في نسيج نصوصها الأدبيّة وصفاً نقدياً عميقاً للتحولات الاجتماعيّة والثقافيّة الحاسمة التي عاشها المجتمع الإنكليزي في القرن التاسع عشر وطحنت حياة الأفراد وغيّرت أقدار الطبقات والتجمعات البشريّة، فكأنها كانت تخطّ بالأدب تأريخاً للناس وسجلاً لتحولات عيشهم بعد انتصار البرجوازيّة النهائي على عصر الإقطاع ونهاية العصور الوسطى. وهي وإن أيّدت دائماً قضايا تعليم المرأة، والمساواة الجندريّة في الحقوق، فإنها تركت الصرّاخ لنسويات أخريات، واكتفت بممارسة النسويّة فعلاً يومياً سواء في سلوكها المتّسق مع أفكارها التقدميّة، أو عبر كتاباتها المُتخمة بهموم النساء الأعمق من أوجاع القلوب.