مثّلتْ «ثورة 14 جانفي» 2011 علامة فارقة وتحوّلاً حاسماً في مسار الرواية التونسيّة، التي ظلّت لعقود خاضعة لجملة من الإكراهات والمحاذير التي حدّت بلا شكّ من إبداع الكاتب التونسي. فقد تجنّب الأخير الخوض في جُملة من المواضيع واقتحام الممنوع، وشكّلت ثيمات الجنس والدين والسياسة سلسلة محظورات في الكتابة، استجابة لسُلطة الرقابة والإيديولوجيا الذكورية السائدة واحتراماً لـ «طبيعة» المجتمع الذي يرى في طرق موضوعات من قبيل الجنس والدين جرحاً لعواطف القارئ وزعزعة لمُسلّمات عملت الثقافة الرسميّة على ترسيخها لدى الأفراد، وامتثالاً للنظام الرسمي الذي مارس الرقابة والوصاية على دور النّشر والكتّاب ومنع الخوض في أمور السياسة أكان إشارةً أو تصريحاً. ثم هبّت رياح الثورةِ، لتقطع مع سياسة تكميم الأفواه وتحجيم أقلام المبدعين. تنامت دور النّشر وبرزت على الساحة الإبداعيّةِ أسماء عدة اقتحمت مجاهل الممنوع وأسّست لمشهد فسيفسائي جديد سمته الاختلاف والتنوع.

يُعتبرُ شوقي برنوصي (1977) أحد ألمع الأسماء الأدبيّة الشابّة التي برزت بعد «ثورة يناير» 2011 على غرار أيمن الدبّوسي ومولدي ضو وأميرة غنيم وطارق الشيباني. نجح في لفت الأنظار بفضل ما تمتّعُ به من فرادة وتميُّزٍ في الكتابة الروائيّة وما تحلّى به من رصانة في ترجمة أمّهات الآثار العالميّة. هو شاعر ومترجم وروائي تونسي وعضو مؤسس لـ «صالون ناس الديكاميرون للآداب و الفنون». أصدر مجموعة شعريّة بعنوان «كسرْتُ المرآة بأجنحتي» (2013) وترجمة رواية «بذلة الغوص والفراشة لجان دومينيك بوبي (2017)، قبل أن يلج عالم الرواية ويُصدر باكورته الإشكالية و«مأزق تشايكوفسكي» (2018). لاقت الأخيرة جدلاً واسعاً في المشهد الأدبي التونسي، لما خلخلته من ثوابت فنيّة ودلاليّة وما طرحته من قضايا كانت تصنّف من باب المحظورات والمسكوت عنه كقضيّة المثليّة الجنسيّة والتفكّك الأسري وحريّة المرأة والعلاقة بين الأزواج... وأخيراً، صدرت ترجمته العربية لرواية «حقل البرتقال» للكاتب الكندي لاري ترمبلاي (2019). رغم حداثة تجربته الإبداعيّة، إلا أنّهُ سرعان ما استطاع أن يُؤسّس مساره الإبداعي الخاص والمضاد بعيداً عن قيود وضوابط المرجعيات الإبداعيّة الكلاسيكيّة، فنال جوائز عدة، آخرها «جائزة الاكتشاف» في مسابقة «الكومار الذهبي» لموسم 2019 عن روايته «مأزق تشايكوفسكي». الرواية نفسها جعلته يفوز بجائزة «حورس» في نسختها الأولى سنة 2014 في الإسكندرية. علاوة عن اهتماماته الأدبية الإبداعية، عرف عن برنوصي انخراطه في المجتمع المدني، والتربية المواطنيّة واهتمامه بالفئات الهشّة والمضطهدة في المجتمع التونسي. أمر جعله يطوّع قلمه لسرد معاناة هذه الفئة وتعرية وجوه اضطهادها، ما أكسب خطابه الأدبي بُعداً إنسانياً. التقيناه في هذا الحوار ليحدّثنا عن تجربته الإبداعيّة ورؤيته لواقع الأدب العربي اليوم


تجربتك الإبداعيّة انطلقت في الشعر بمجموعتك «كسرت المرآة بأجنحتي» ثمّ مررت إلى الترجمة وصولاً إلى الرواية، كيف تحقّق هذا الانتقال بين هذه التجارب المتنوّعة في الكتابة على ما بينها من تباين واختلاف؟ وبم تفسّر هذا التنويع في التجريب على مختلف أصناف الكتابة؟
ـــــ لو طرحت علي هذا السؤال قبل عشر سنوات، لأجبتك بأنّني من المستحيل أن أكتب رواية! أعتقد أنّ جلّ الكتّاب يبدأون بكتابة الشعر، خاصّة في البلدان العربيّة نظراً إلى أهمية هذا الفنّ في تاريخنا. بدأت بالشعر وتأثّرتُ بمحمود درويش ومحمّد الصغيّر أولاد أحمد وأدونيس وآخرين. كنتُ قارئاً جيّداً للروايات رغم كتابتي للشعر وبقيتْ بعض الروايات عالقة في ذاكرتي إلى الآن مثل «قصّة حبّ مجوسيّة» لعبد الرحمن منيف و«شيفرة دافنشي» لدان براون و«الجميلات النائمات» لياسوناري كواباتا. جعلتني تلك الأعمال وغيرها أنتقل إلى قصيدة النثر لتخلّصها من الضوابط العروضيّة ونفحة السرد فيها. كنتُ أحرص في كلّ مرّة على التمكّن من ناصية كلّ فنّ وضوابطه. بعد أحداث سنة 2011، كنت من بين أعضاء صالون «ناس الديكاميرون» في دار الثقافة «ابن خلدون» في تونس العاصمة الذي اهتمّ بالسرد وعلاقته مع الفنون الأخرى. مكّنني هذا الفضاء من التعرّف إلى تجارب أدبيّة في مجال الرواية عبر حصص أسبوعيّة، ونقاشات وورشات كتابة وترجمة وعرض أفلام. تعرّفت من خلال هذه التجربة إلى بول أوستر وهنري ميللر وجوزيه ساراماغو وألبرتو مانغويل وباتريك زوسكيند وكافكا وغيرهم من قامات الأدب العالمي. كنتُ أقرأ أسبوعيّاً رواية أو روايتين عالميّتين وأتعرّف إلى أعمال أخرى خلال النقاش داخل الصالون. كانت الحكايات هي التي تجمعنا مثلما اجتمعت شخصيّات جيوفاني بوكاشيو في عمله الخالد «الديكاميرون» أي كتاب اللّيالي العشر بالإيطاليّة. بدأت تدريجاً أجد نفسي في الرواية، وبدأتُ ببعض القصص القصيرة «المحتشمة» ومخطوطيْ رواية يضحكانني بمجرد قراءتها في الوقت الحالي. ألهمني «رسائل إلى روائيّ شاب» لماريو بارغاس يوسا لكتابة رواية، وأعتبره من الكتب التي يجب على روائي أن يطّلع عليها ويوضح عديد المسائل العالقة الخاصّة بكتابة هذا الجنس. أعتقد أن الرواية قادرة على كشف عورات المجتمع وعقده النفسيّة وطموحاته وتمنح مساحة كبيرة للتعبير عن شخصيّات مقهورة أو مغيّبة. الشعر جنس أدبيّ موغل في الذاتيّة وأظنّ أنّ المجتمعات العربيّة تحتاج إلى الاقتراب أكثر من الفرد، وتثمين أفكاره ومعتقداته. يبحث الكتّاب دائماً عن الفن الذي يعبّر عمّا يخالجهم، وشخصيّاً وجدت نفسي في السرد، لكن يبقى الشعر المجال الذي أحاول اكتشاف ذاتي فيه أكثر. الأهمّ في كلّ ذلك هي الكتابة نفسها، «الكتابة ما هي إلّا رسم للصوت» كما قال الكاتب الفرنسي فرنسوا فولتير.


رغم ما لاقته تجربتك الشعريّة البكر من نجاح لافت، لم تواصل الكتابة في هذا المجال. هل هذا عائد إلى رغبة في التحرّر من ضوابط الكتابة الشعرية أم هو توسّع في مجال التخصّص الأدبي والانفتاح على باقي الأجناس الكتابية؟
ــــ للعلم، أملك مخطوطاً شعريّاً ثانياً بعنوان «سوبرنوفا: نهاية نجمة» جاهز منذ ثلاث سنوات، وأكتفي بنشر الشعر في بعض المجلاّت كلّما سنحت لي الفرصة. أفضّل عادة التركيز على جنس أدبيّ واحد في الكتابة. من جهة أخرى، آثرت عدم الانسياق مع هذا «الإسهال الشعري» في العالم العربي حيث ضاع الجيّد وأعطى مجالاً لفقاعات أدبيّة تنال التصفيق ـــ من هنا وهناك ـــ على كلمات لا معنى لها. أتذكّر دائماً قول الجاحظ «النثر فضّاح الشعراء». لهذا السبب يختار كثيرون الشعر لإخفاء عيوبهم وشخصيّاً اخترتُ المجال الذي يؤمن أكثر بالمنافسة والعمل الجدّي.

كانت لك تجربة مهمّة في الترجمة بنقلك أحد روائع الأدب العالمي الإنساني إلى اللغة العربيّة، فكيف كانت هذه التجربة وما دواعي الاهتمام بهذا الأثر بالذات؟
ـــ تقصد «بذلة الغوص والفراشة» للكاتب والصحافي الفرنسي جان دومينيك بوبي. مررتُ بتجربة أثناء نشاطي بالمجتمع المدني التونسي كمكوّن في مجال العمل الجماعيّ والتنظيم والدعم، عبر تكوين قرابة 900 شخص من ذوي الإعاقة في كامل أنحاء تونس. لا أخفيك سرّاً أنّني تعاطفت جدّاً مع هذه الفئة في المجتمع وبنيتُ صداقات عميقة مع عدد منهم، وانغمستُ في البحث حول القوانين الخاصّة بالأشخاص ذوي الإعاقة في تونس والعالم، وقراءة الروايات ومتابعة الأفلام الخاصّة بهم وبمعاناتهم، حتّى تجاربهم ورغباتهم الجنسيّة. بحثت خلال كلّ هذه الأعمال عن تجارب ناجحة حتّى أفهم جيّداً نفسيّة الأشخاص ذوي الإعاقة والتمكّن من التواصل معهم جيّداً، والبحث كذلك عن تجارب ناجحة واطلاعهم عليها وإلهامهم ودفعهم قدماً للدفاع عن حقوقهم في المجتمع. بداية، شاهدت الفيلم الذي يحمل عنوان الرواية نفسها، للمخرج والرسام جوليان شنابل الذي حصل على جوائز عالميّة عدّة. وبعد مدّة، قرأت الكتاب المكتوب بطريقة مرحة وساخرة وغاية في الرقيّ اللغوي ومن دون تبجّح. تمكّن الكاتب من التغلّب على شلله الجسدي الكامل عبر الكتابة برمش عينيه اليسرى. قرّرتُ حينها تجربة الكتابة، وكان تحدّياً خضته لتقديم تجربة تحدٍّ إنسانيّ للقارئ العربي وأتمنّى أنّني نجحتُ في ذلك. هنالك نقص حقيقي في السرد العربي في أدب الإعاقة مقارنة بالغرب، لكن تبقى تجربة طه حسين فريدة ومتميّزة. تحتاج هذه الفئة إلى التعبير عن طريق أعمال سرديّة. نحن معرّضون ـــ بضربة من القدر ــــ لأن نصير من ذوي الإعاقة. أدب الإعاقة هو سرد لحَيَواتنا المبتورة وأحلامنا المشلولة.

في روايتك الأخيرة «مأزق تشايكوفسكي»، خضت غمار أحد الموضوعات المسكوت عنها في الأدب العربي الحديث ألا هو المثليّة الجنسيّة، فكيف استطعت طرق هذه الثيمة/ القضيّة في بيئة أدبيّة ما زالت غير مؤهّلة لتقبّل هذا الموضوع لما يغلّفها من تحفّظ تجاه مثل هذه المواضيع؟
ــــ يعدّ التعبير عن الأزمات برؤية شموليّة والتركيز على مشاغل الفرد بلغة مباشرة وصريحة أهمّ رهانات رواية ما بعد الحداثة عالميّاً وعربيّاً. عملتُ في المجتمع المدني التونسي في مجال الدفاع عن الحريّات والإيمان بالتساوي في الحقوق والواجبات، ورأيتُ أنّ موضوع المثليّة يعبّر عن مأزق هويّة يعيشه المجتمع التونسي بعد أحداث 2011. كتبتُ عن شخص يعيش تمزّقاً بين ما يريده كفرد وما يريده المجتمع، وجعلته يعبّر عن وجهة نظره ورؤيته وسط بيئة ترفض الاختلاف وتحاكم الأشخاص المخالفين للأعراف السائدة. حاولت كتابة شخصيّة تعيد طرح أسئلة حول ماهيّة الرجل «الصالح».

وضعت شخصيّة مروان المثلي في قفص زجاجيّ وجعلته يعبّر عن شواغله ونظرته إلى الإنسان التونسي المتناقض بين الحداثة والتطرّف الدينيّ

تكمن وظيفة الرواية في تحريك الراكد وتبيان عيوب أيّ مجتمع، عبر استلهام سيرة الموسيقار الروسي بيوتر تشايكوفسكي الذي عاش المحنة نفسها، وأُجبر على الانتحار بسبب مثليّته. وضعت شخصيّة مروان في قفص زجاجيّ وجعلته يعبّر عن شواغله ونظرته إلى الإنسان التونسي المتناقض بين الحداثة والتطرّف الدينيّ؛ إبراز خوفه من المستقبل وضجره من ضبابيّة الحاضر. كنت مدركاً خلال كتابتي للرواية لصعوبة المهمّة في ظلّ تحفّظ جانب كبير من القراء التونسيين والعرب. خبرتُ هذا من بعض القرّاء الذين أعجبوا بالرواية واعتذروا عن عدم كتابة شيء عنها في مواقع التواصل الاجتماعي. جرّبتُ سرد شخصيّة مثقّفة وذوّاقة وراقية، لكن «عيبها» الوحيد أنّ لها ميولاً مثليّة تنفي كلّ ما سبق، وسط مجتمع يجبّ خطايا السارق والفاسد والمغتصب بمجرّد دخوله المسجد!
لم تتناول «مأزق تشايكوفسكي» فقط قضيّة المثليّة الجنسيّة، بل عالجت التفكّك الأسري وحريّة المرأة عبر شخصيّة ثانية هي فاطمة زوجة مروان. تلك المرأة التي تزوّجت من أجل الإنجاب ولم تفكّر مطلقاً في زوجها رغم أنّها مثقفة وإعلاميّة معروفة. أردتُ أن أبتعد عن ذكوريّة مقيتة ميّزت بعض الروايات العربيّة، بنيت شخصيّة سويّة لا مضطربة.
«مأزق تشايكوفسكي»... عمليّة اختيارك لهذه العتبة النصيّة هل كانت أمراً اعتباطيّاً أم أمراً مدروساً له غاياته؟ أسالت هذه الرواية حبر العديد من القراء والناقدين، وأثارت إشكاليّة تصنيفها الأجناسي، هل هي نص مرجعي ذاتي أم نص تخييلي من نسج الخيال. في أيّ خانة يمكن وضع هذا النص؟
ـــ «مأزق تشايكوفسكي» نصّ تخييليّ بامتياز. لا بدّ من عدم الخلط بين شخصيّة الكاتب والشخصيّة الروائيّة. تكمن غاية الرواية الأساسيّ في الإيهام بالواقعيّة. لا أنكر أني التقيت بشخصيّات مثليّة في تونس، ولنا في تاريخنا شخصيّات مثليّة معروفة وفي العالم أيضاً. يكفي الاطلاع على سير بعض الشخصيّات المثليّة مثل ايف سان لوران وهارفي ميلك ويوكيو ميشيما واندريه جيد لسبر أغوارها والاستلهام منها. نربّي الخيال من خلال القراءة ومشاهدة الأفلام والمسرحيّات. أعدتُ كتابة الرواية خمس مرّات، وركّزت على الجانب النفسي للشخصيّة. كلّ جوانب الرواية كانت مدروسة بدقّة بسبب حساسيّة الموضوع والابتعاد قيد الإمكان عن المشاهد الجنسيّة. لم أكتب يوميّات أو مذكّرات أو سيرة ذاتيّة، بل رواية، والسرد بصفة عامّة يعتمد أساساً على التخييل.

ما زال الكثير من الأدباء والنقّاد يعتبرون مسألة الكتابة في الجنس تشويهاً للأدب وانحرافاً به عن أحد أهم غاياته، فما موقفك من هذا القول؟
ــــ «الجنس: هذا الحاضر الغائب فينا» هكذا عَنْوَنَ إبراهيم محمود أحد فصول كتابه «الجنس في القرآن». يعتبر الجنس علامة دالّة على وجودنا كبشر وعاملاً أساسياً لتجديد دورة الحياة، لكنّه مرعب. لذلك نحاول أن نقمعه غالباً. المسألة ليست في الكتابة عن الجنس، «الكاماسوترا» كتاب مقدّس عند الهندوس وهو مكتوب عن الممارسة الجنسيّة. وفي تراثنا العربيّ عديد الكتب التي تعالج الموضوع. ماذا نقول عن «نواضر الأيك في معرفة النيك» للسيوطي أو «الروض العاطر في نزهة الخاطر» للشيخ النفزاوي الذي كتبه بناء على أمر من سلطان تونس الحفصي؟ يجب أن نناقش مسألة توظيف الجنس في العمل الأدبي، هنالك أعمال راقية جدّاً رغم وجود مشاهد جنسيّة، وهنالك أعمال هابطة وتصنّف ضمن الأدب «الحلال». برأيي، تكمن مهمّة الكاتب في كتابة عمل يمتثل للجنس الأدبيّ إن كان شعراً أو رواية. يكمن التشويه في كتابة عمل لا يستجيب للشروط النقديّة والأدبيّة.

«الجنس: هذا الحاضر الغائب فينا» هكذا عَنْوَنَ إبراهيم محمود أحد فصول كتابه «الجنس في القرآن»


نلاحظ في مجموعتك الشعريّة «كسرت المرآة بأجنحتي» وروايتك «مأزق تشايكوفسكي» حضوراً لافتاً لمعجم الميكانيك وهو تخصّصك المهني. بمَ تفسّر جدليّة التأثّر والتأثير هذه بين تخصّصك العلمي واهتمامك الأدبي؟
ـــــ خصّصت فصلاً في مجموعتي الشعريّة الأولى بعنوان «ميكانيكا». ألهمني محرّك الديزل والبرغيّ والحديد لكتابة قصائد. أوقن أنّ الشعر العربي يحتاج إلى صور جديدة غير مألوفة. مروان الشخصيّة الرئيسيّة في «مأزق تشايكوفسكي» أستاذ ميكانيكا في الجامعة. عادة ما ينفر أصحاب الاختصاصات العلميّة من الأدب، حاولت إيجاد مناخات أخرى جديدة ـــ عبر توطين الميكانيكا في الأدب ـــ لم تطرح من قبل في الأدب العربي. يعتبر الكاتب الفرنسي بوريس فيان قدوتي في هذا المجال، وترك بصمة كبرى في الأدب الفرنسي تفرّد به خاصّة في روايتيه «زبد الأيّام» و«مقلاع القلب»، وأريد أن أكون مثله. أدب الخيال العلميّ مستلهم من الاكتشافات العلميّة. لذلك أعتقد أنّ الأدب ينهل من العلوم والميكانيكا وكلّ شيء... كلّ ذلك في صالح القارئ والأدب والفنّ بصفة عامّة.

ما رأيكم في المشهد الثقافي ما بعد الثورة؟ هل هو متعافٍ أم لن يصمد طويلاً؟
ـــــ أجزم أنّ المشهد الثقافي التونسي قد تغيّر كثيراً بعد 2011. تدعّمت المنشآت الثقافيّة بافتتاح مدينة الثقافة التي انطلق إنجازها قبل الثورة، وازدهرت صناعة السينما وتنوّعت مواضيعها ورؤاها الفنيّة. نشأت صالونات للآداب والفنون مثل صالون «ناس الديكاميرون» في دار الثقافة ابن خلدون وغيرها. تعدّدت نوادي القراءة مثل «قرّاء بلا حدود» و«عشّاق الكتب» وصار للكتّاب جمهور، ودعّمت بعض الجمعيّات دورات حول الكتابة الإبداعيّة مثل جمعيّة «تونس الفتاة» و«أكاديميّة الحوار الوطني». استضافت تونس كتّاباً مرموقين مثل أفونسو كروش وجوزبه كاتوتسيلا وسعود السنعوسي وإبراهيم الكوني ومحسن الرملي وآخرين، بمبادرة من «بيت الرواية»، على رأسها الروائي كمال الرياحي. كما مثّلت زيارة ألبرتو مانغويل الأخيرة إلى تونس فرصة لتأسيس جبهة مقاومة ثقافيّة حقيقيّة بعد رفض وزير الثقافة استضافته. ازدهرت كذلك سوق الكتاب، ما أدّى إلى ظهور جيل جديد من الشعراء والروائيّين والمترجمين. أعتقد أنّ هذا الزخم سيرشح بأصوات جديدة لامعة قد تسهم في ترسيخ وعي جديد وثورة ثقافيّة في المستقبل القريب تدعيماً لما قاله السياسيّ الفرنسيّ جان جوراس «لن تحدث ثورة إلّا في المكان الذي يوجد فيه وعي».