لاحظ المتابع للمشهد الأدبي العربي أن دورة «الجائزة العالمية للرواية العربية» (بوكر) جاءت مميّزة هذه السنة، كونها ضمّت أهم الأسماء الأدبية في الوطن العربي، ومن أجيال مختلفة، كما يلاحظ أن الحضور الجزائري في القائمة الطويلة كان لافتاً بحضور أربعةً من أبرز الكتاب الجزائريين من الجيل الجديد. هذا بحدّ ذاته يعدّ حدثاً مهماً في تاريخ الرواية الجزائرية، لم تشهده «بوكر» سابقاً، خصوصاً أن الأدب المغاربي عامة، والجزائري خاصّة لم يُلتفت إليه بالشّكل الكافي عربياً جاءت الجائزة في نسختها الحالية لتسلّط الضوء عليه. يعتبر وصول روائيين جزائريين اثنين إلى القائمة القصيرة بشرى بسرد جزائري قدّم هذه السنة قيمة مضافة للرّواية العربية عبر تأريخها. من بين روايات القائمة القصيرة لهذه السنة «الديوان الإسبرطي» لعبد الوهاب عيساوي الصادرة عن «دار ميم» (الجزائر).

سنغوص في مكامن «الديوان الإسبرطي» عبر جملة جاءت على لسان إحدى شخصيات روايته: «هؤلاء يجمعهم الفضول وتفرّقهم الحقيقة»، بينما يشدّنا إلى هذه الرواية الفضول، وتجمعنا فيها الحقيقة المسكوت عنها، تلك التي تتعلّق بالجرائم التي قامت بها فرنسا بحق الجزائريين، إذ لم تسلَم حتى عظامهم وأرسلت إلى فرنسا لتستعمل كمادة لتبييض السكر.


وقد جاءت الرواية أيضاً على ذكر مخلّفات الوجود العثماني في الجزائر منتقدة إيّاه بشدّة. لقد جاء على لسان إحدى الشخصيات «بعض الحوارات لا تحتاج إلى الإطالة، كلٌّ يحتفظ بوجهة نظره»، لكنّنا هنا لن نحتفظ بوجهة نظرنا، فالنص عبارة عن ملحمة تاريخية لا يمكن أن نمر عليها مرور الكرام. تعتبر «الديوان الإسبرطي» الرواية الجزائريّة الأولى التي كيّفت التاريخ سردياً، وأحالت أحداثه إلى بوصلات وإشارات ورموز. وبتفكيكها نصل إلى حقيقة المحروسة، الجزائر حيث يحاكي النص واقعها الراهن من خلال تناوله التاريخ، موظّفاً خمسة أصوات سردية لديها الكثير لقوله في هذه الرواية. أوّل شخصيات الرواية هي ديبون: صحافي فرنسي، كان يأمل في إعلاء راية المسيح في ربوة القراصنة، ثم يكتشف أن القتل والتدمير والاستيطان هو مبتغى الفرنسيين منذ البدء. هكذا يتحوّل إلى متعاطف مع الجزائريين. كافيار هو مهندس الحملة، حمل الكره والحقد على أرض أُسر واستُعبد فيها سابقاً، لذا قرّر الولوج إليها غازياً كي يثأر لنفسه. هناك أيضاً ابن ميّار الذي كان يناصر العثمانيين ويدافع عنهم على أمل عودتهم، فيما تمثّل شخصيّة حمّة السّلاوي صوت الجزائري الشهم المحبّ للجزائر، والمدافع عنها ضدّ كل سيطرة، سواء أكانت عثمانية أم فرنسية. أما دوجة، فتمثّل الصوت الأنثوي، فتاة متّهمة بأنها «أضاعت شرفها» لكنها ما ضيّعت شرف الوطن، وهي تمثّل أيضاً العاشقة التي تبتغي حياة أمثل وحباً على مقاس أحلامها. تحكّمت هذه الشخصيات الخمس في النص، وجعلته يدور في قالب تاريخي يربط ماضي المحروسة بحاضرها، يُسرد بطريقة تجعل الآخر يُطالع الأحداث كأنه يشاهد لوحة الموناليزا من زوايا متعدّدة، حيث لكل زاوية نظرتها المختلفة عن الأخرى. اللافت في شخوص «الديوان الإسبرطي» أنها تعتيش في كلّ زمان ومكان، لا يمكن حصرها في الحقبة التي تتحدث عنها الرواية، بل موجودة معنا في هذا الزمان. رغم أن موضوع الرواية الرئيس يسرد مرحلة معيّنة من تاريخ الجزائر، إلّا أنه متعدّد الأصوات والصور لما تطرحه الشخوص عن طريق الاستبطان من مواضيع، لربما هذا ما ميّز الرواية، أي أننا نتعرّف إليهم من الداخل وليس من الخارج بخلاف ماهو شائع في الروايات.
لعلّ «الديوان الإسبرطي» هي رواية الماضي التي تروي الحاضر. كلّ قارئ سيفهم الرواية حسب اطلاعه، وسيكتشف أشياء لم يكن يعرفها قبلاً. في الوقت ذاته، لا ينتقص هذا الأمر من متعة القراءة، لأنه من الظلم أن نربط الرواية بالتاريخ وحده، بينما كلّ شخوصها متخيّلة، لكنّ التاريخ كان الخلفية التي تُعرض فيها خطاباتها. كتب عيساوي التاريخ من أبوابه الواسعة، إذ تطرّق إلى معركة واترلو الشهيرة التي هزم فيها الإنكليز نابليون. وهذا ما يُظهر مدى اجتهاده واشتغاله على نصّه ليخرج لنا بهذا الزخم الإبداعي المتفرّد. ظهر عنوان الرواية «الديوان الإسبرطي» أول مرة في الصفحة 184، إذ نقرأه على غلاف كتاب أو مذكرات يحملها المهندس كافيار وهو يقاسمه الغرفة في السفينة، ثم يقدم كافيار (في ص189) مختارات من الديوان الإسبرطي، أي أن الكاتب استهلك نصف الرواية كي يهيئ القارئ لهذا الديوان. أما صورة الغلاف، فهي حادثة المروحة الشهيرة التي كانت ذريعة لدخول الاستعمار الفرنسي الجزائر من ميناء سيدي فرج عام 1830.
تقارب الرواية جرائم فرنسا بحق الجزائريين


بعد اطلاعنا على تجارب روائيّة عدّة لم تحقّق مثل هذا الإبداع في تناولها للتاريخ، كونها استعانت بأبطال جاهزين تاريخياً، يمكننا القول إن «الديوان الإسبرطي» أوّل رواية تاريخية جزائرية. نقول رواية ولا نقصد بذلك تلك الروايات التي لا فارق بينها وبين كتب التاريخ. إذ حين يكتب عبد الوهاب عيساوي رواية، فإنّه يطّوع التاريخ ولا يطاوعه، عبر بناء سرد موازٍ للحدث التاريخي للانطلاق منه في أحداث وشخصيات مخيالية. اللغة التي يكتب بها عيساوي بسيطة لا تفذلك فيها ولا تقعّر فيها، إذ تتناسب مع الحقبة التاريخية التي تحدث عنها. يلاحظ القارئ أن كلماتها تحمل بين طياتها ثقل التاريخ، ولا يمكن أن تتجاوز عدداً من الصفحات من دون الرجوع إلى محرّك البحث، لفهم ما يرمي إليه. حتى إن المعلومات التي استقاها من الكتب، لم يضعها فقط لأنه أراد أن يكتب عن أحداث تاريخية إنما وظّفها ببراعة ضمن متنه الروائي.
يبدو عبد الوهاب عيساوي كما لو أنه يكتب بطريقة الفلاش كاردز. أي أنه يرسم برأسه مخططاً كاملاً للعمل، ثم يحدّد الشخوص، ويكتب المشاهد منفصلة، وحين ينتهي يربط بعضها ببعض، بعد ذلك يستمتع بالزيادة والنقصان حسب مقتضيات العمل مثل لعبة الشطرنج. إذ أنه من غير المعقول أن يكتب عملاً تاريخياً بحجم الديوان الإسبرطي بهذا الارتباط والإتقان من دون أن يضع له مخطّطاً واضح المعالم مسبقاً، ما يذكّر بنجيب محفوظ حين كان يضع مخططاً لرواياته. هذا ما يثبّت أن كل من درس اختصاصاً علمياً في الجامعة يمكنه كتابة الرواية بشكل أفضل، لذا صدق الروائي الجزائري الكبير رشيد بوجدرة حين قال: «الكتابة مثل الرياضيات». حافظ عبد الوهاب على المستوى نفسه في جلّ رواياته ومؤلّفاته، بدءاً بروايته الأولى «سينما جاكوب» (2012)، ومجموعته القصصية «مجاز السرو» (2013)، ورائعته «سييرا دي مويرتي» (2016)، و«الدوائر والأبواب» (2017)، و«سفر أعمال المنسيين» (2018). هكذا رسّخ عبد الوهاب عيساوي اسمه في مجال الرواية التاريخيّة مجدّداً مع عمله الأحدث «الديوان الإسبرطي».