يقول الاقتصادي الفرنسي توماس بيكتي في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» بأن الفجوة الاقتصادية بين الأثرياء وبقيّة البشر ما لبثت تتسع في معظم فترات العصر الرأسمالي، ولم تعتدل سوى مرتين: خلال الحربين العالميتين. قبله، كان الأميركي فريدريك جيمسون أهم ناقدي الرأسماليّة المعاصرة قد اعترف أيضاً بالإمكانيّة اليوتوبيّة للكوارث الكبرى، حين تجد البشريّة نفسها في مواجهة حقيقة أن الجميع يبحر في وجه العاصفة في ذات المركب المثقوب.

سلافوي جيجيك (1949)، نجم روك الفلسفة في الإعلام الغربي، والمشغول هذه الأيّام بكارثة الكورونا، لم يتأخّر عن طرح الفكرة مجدّداً: قد يكون الفيروس العجيب اللحظة الحاسمة التي ستقضي على المنظومة الرأسمالية الفاجرة بعد أن يجد الجميع – وبثمن باهظ من آلاف وربما ملايين الإصابات – أن العالم لم يعد بإمكانه المضي بأدواته وطرائقه القديمة، وأنّ ثمّة تغييراً جذريّاً ينبغي أن نقدم عليه كمجموعة بشريّة. وبالطبع عند جيجيك ــ كما دائماً ـ يجب أن ننتقل إلى الشيوعيّة.


شيوعيّة جيجيك ـــ مهما غلّفها بأوراق ماركسيّة حمراء ـــ ليست حتماً الشيوعيّة الجذريّة بالمفهوم الكلاسيكي، بل هي نوع ملطّف هلاميّ غير محدد المعالم، يخضع لنظريّة الأواني المستطرقة، وبالتأكيد ليس عنيفاً ولا ثورياً، ويبدو أقرب إلى مهدئ أعصاب تتناوله البشريّة بعدما وصلت الرأسماليّة إلى نهاية الطريق، ومن النّوع الحنون الذي يتقبله مستهلكو الإعلام الغربي ــ المحكومون بالليبراليّة ــ واليساريون البرجوازيّون: قاطرة ماركس تقول بأن محطة التاريخ التالية بعد استنفاد الرأسماليّة لنفسها ستكون الشيوعيّة ـ اليوتوبيا. إذن، فلينزوِ كلّ منا في معزله المنزلي الذاتي مع أكوام من ورق التواليت والمنظفات والباستا، بينما نتابع على الهواء مباشرة وقائع وصول القطار إلى محطته التالية: يوتوبيا نهاية التاريخ. جيجيك يسمي تلك المحطة (الحتميّة) «الشيوعيّة»، مستفيداً بالطبع من الاستفزاز الثقافي الذي تحمله اللفظة في العقل الغربي بعد مئة عام من البروباغندا المضادة للمشروع الاشتراكي – بتجاربه المتعددة – ليستقطب جمهوره الأثير: طلبة الجامعات الغربيّة المراهقون المتمردون حكماً على كل سلطة أبويّة.
منذ نشر أوّل كتبه بالإنكليزّيّة في 1989 وفي عشرات المحاضرات والنقاشات الاستعراضيّة التي قدّمها عبر العالم، تجنّب جيجيك دوماً تقديم أيّ توصيف محدد للبديل الذي يطرحه في مواجهة التأزّم الثقافي والاجتماعي والاقتصادي للرأسماليّة المتأخرة. مستفيداً من قدرته الاستثنائيّة على الإمتاع والمؤانسة، والتّلاعب بالمصطلحات والسخريّة، هو قادر على الثرثرة لساعات من دون أن يقول شيئاً. في عزلته ـ متاهته الاختياريّة هذه الأيّام، وهو مهدّد شخصياً بالكورونا سواء لانتمائه لمجموعة عمريّة ليس بمقدورها تحمّل أعراض المرض (71 عاماً)، ويعاني من أمراض تنفسيّة مزمنة، ترافقاً مع منع السفر، وإلغاء معظم الأنشطة والمحاضرات العامة، بدأ يزيح النقاب أخيراً في مقالات أسبوعيّة ينشرها له موقع تلفزيون «روسيا اليوم» (بالإنكليزيّة) عن ملامح نظام جديد لما بعد الكورونا.
ويا ليته لم يفعل. شيوعيته الموعودة ليست بعد كل هذا الوقت سوى فاشيّة دوليّة جديدة، نوعاً من إمبرياليّة بلا عنوان بريدي محدد، إمبرطوريّة معولمة على نسق تهويمات أنطونيو نيغري ومايكل هاردت في ثلاثيتهم المشهورة «الإمبراطوريّة»، وبيروقراطيّة فوق السيادات المحليّة أشبه بمنظمة الصحة العالميّة وقد منحت صلاحيّات شرطيّ العالم، فكأننا صحونا فجأة لنجد أنفسنا على متن سفينة فضائيّة في مسلسل «حرب النجوم»: لا ندري كيف انتهت الرأسماليّة ووصلنا إلى الدولة الفاشيّة العابرة للكواكب، ولا نعرف تحديداً من يتّخذ القرار النهائيّ وراء الكواليس، على الأقل في منظمات الأمم المتحدة لدينا فكرة ما بشأن ذلك.
بالتأكيد، انعطافة كورونا تمتلك كلّ المؤهلات لتكون نقطة تحوّل في مسار التاريخ، ولم نكن ـ كمجموعة بشريّة ـــ أقرب إلى الاعتراف بفشل النظام العالمي الحاليّ وعجزه البنيوي عن التعامل مع الأقدار منا اليوم. لكنّ الإطار النظريّ للانتقال نحو الإطار البديل، يوتوبيا الحقبة التالية، بحاجة لأكثر بكثير من تهريج جيجيك وفاشيته المستحدثة. في الحقيقة، هذا السلافوي العجوز جزء أساس من «القديم» الذي يواجه الموت، ولم يعد لديه – من متاهة عزلته الأخيرة - ما يقدّمه للعالم الجديد الشجاع الذي لم يولد بعد.