قد لا يوجد شخص في التاريخ القديم والحديث كسب اهتماماً ونظرة إيجابية في الشرق والغرب مثل صلاح الدين الأيوبي. فمن المعروف أنه حظي باحترام كبير في الغرب المسيحي، مع أنه القائد العسكري الذي استعاد ـــ إن يصحّ استعمال هذا التوصيف السياسي ـــ القدس من الغرب الصليبي. فتمثال صلاح الدين يقع إلى جانب قلعة دمشق، والبحرية الملكية البريطانية أطلقت اسمه على إحدى سفنها الحربية والجيش البريطاني أطلقه على إحدى مركباته المصفحة.

لكن الاحتفاء بذلك القائد المخلّد يجري أيضاً في أقطار أخرى حيث أُطلق على مطار جديد افتتح في شرقي تركيا، وعلى جامعة وسط إربيل في شمالي العراق. لكن فراعنة مصر الجدد منعوا عام 2015 الإشارة إليه في الكتب المدرسية، بذريعة أنها ستسهم في تقوية النزعة المتطرفة، بحسب جوناثان فيليبس مؤلف كتاب «حياة وأسطورة السلطان صلاح الدين» (ذا بودلي هيد ــــ 2019)! (أما عن أصوله الكردية، فيقول الحسن بن داوود الأيوبي في كتابه «الفوائد الجلية في الفرائد الناصرية» ما قيل عن نسب أجداده وقطع أنهم ليسوا أكراداً، بل نزلوا عندهم فنُسبوا إليهم. وقال: ولم أرَ أحداً ممن أدركتُه من مشايخ بيتنا يعترف بهذا النسب ـــ ز م).


يقول الكاتب إن مشاهدته العرض المسرحي الموسيقي الراقص في دمشق، دفعته لكتابة هذا المؤلف والبحث عن الطرق المختلفة التي تم فيها تبنّي صورة إنجازات صلاح الدين وإعادة تشكيلها في العصر الحديث، وأيضاً إلى التساؤل: كيف أصبح يمتلك مثل هذه الشخصية البطولية في الغالب؟ صلاح الدين بدأ رجلاً صالحاً وأصبح رجلاً عظيماً وانتهى به الأمر أسطورةً. ضمن هذا الإطار، يضيف الكاتب، ثمة فرصة ضئيلة لتطوير الشخصية، لكن عندما يستكشف المرء حياة صلاح الدين وموقعه، فمن الواضح أنه كان في الواقع قادراً على ارتكاب الأخطاء والاهتمام بالمصالح الذاتية وممارسة القسوة مثل أيّ شخص آخر في موقف معيّن. أضحى صلاح الدين رجلاً مشهوراً بإيمانه وكرمه ورحمته وعدالته. صفات شخصية دنيوية جذبت إليه الناس وأسهمت كثيراً في تفسير نجاحه، لكن في نظر بعض معاصريه كان مغتصباً للسلطة ومؤسّس سلطة سلالية.
قسّم الكاتب محتوى العمل إلى قسمين: حياة صلاح الدين الذي يحوي 21 فصلاً ويضم المعلومات السائدة عنه. أما القسم الثاني الذي يركز على «الحياة الآخرة» لصلاح الدين، وهو ما يميز الكتاب. هنا يستكشف الكاتب كيف تم إظهار صورة صلاح الدين وترسيخها واستخدامها على مر القرون في كلّ من العالم الإسلامي وأوروبا، لأغراض سياسية مختلفة. يستعرض هذا الجزء في خمسة فصول، مجموعة واسعة من المؤلّفين الأوروبيين في العصور الوسطى مثل دانتي وبوكاتشيو إلى المؤلفين الأكثر حداثة مثل المخرج السينمائي السير والتر سكوت، ومن الكتّاب العثمانيين إلى الحكام المسلمين المعاصرين وقادة الإسلام السياسي وكتّاب السيناريو العرب. بذلك، يتخلّص الكاتب من المغالطة الواسعة الانتشار عن صلاح الدين. كما يرسم بعناية أهمية البحث التاريخي لمجتمعات الشرق الأوسط اليوم من خلال التحليل الدقيق لكيفية استخدام صلاح الدين كرمز من قِبل مجموعات المصالح المتنافسة المختلفة، حيث تم اختلاس صورته غالباً لأغراضها الخاصة.
هدف المؤلف ــــ دوماً بحسب كلمات الكاتب ــــ هو محاولة الإحساس بالرجل في الصور المختلفة التي وضعها هؤلاء، وتأخذنا قصتها مراراً وتكراراً إلى ما وراء الصور النمطية الفظة لـ«صراع الحضارات» والمسيحية ضد الإسلام، حتى حينما يعيدنا إرثه إليها.
لقد شملت حياة صلاح الدين أشخاصاً من مجموعة متنوعة ومن خلفيات دينية وعرقية وسياسية مختلفة، وقصته غنية بالصراع الدموي، لكن ليس دائماً عبر الانقسامات الدقيقة للإيمان التي لم تتم ملاحظتها إلا في ذلك الوقت: سنرى المسيحيين يقاتلون المسيحيين، والمسلمين يقاتلون المسلمين. لدينا مسيحيون ومسلمون يحاربون مسيحيين ومسلمين مختلفين. قد يصلون إلى هدنة ويغيرون تحالفاتهم ويواصلون صراعاتهم، أو حتى يوجدون معاً لفترة. آنذاك، كما هي الحال الآن، كان الواقع على الأرض دائماً أشد تعقيداً بكثير مما يبدو من بعيد، وهو مزيج من العوامل العرقية والسياسية والاقتصادية والشخصية، وليس المعتقدات الدينية فقط.
كما يشرح المؤلف كيف أصبح صلاح الدين بعد وفاته شخصية تمتلك هذا المقدار من الشهرة والاحترام في الغرب المسيحي وأهمية كبيرة في الشرق الأدنى المسلم. يتتبع الكاتب قصته من خلال التاريخ والقصائد والمقالات المعاصرة، وبعد ذلك من خلال الصحف والمسرحيات والأفلام والروايات.
يستكشف الكتاب كيفية استخدام صورته على مر القرون في العالم الإسلامي وأوروبا


يمكن العثور على العنصر الأكثر تقديراً في مهنة صلاح الدين خلال سنواته الأولى في مصر. ففي الوقت الذي مات فيه عمه شيركوه فجأة، كان يشكل جزءاً من قوة مدمجة من الغزاة من سورية، وكان كردياً سنياً في بلد يحكمه الفاطميون الشيعة، ويبدو أنه كان محدوداً على مستوى الخبرة. مع ذلك، تم اختياره ليكون وزيراً. كان هذا موقفاً ضعيفاً للغاية، ولكن من المدهش مدى السرعة التي فهم فيها صلاح الدين التحديات التي واجهها واستوعبها. لقد استولى على الأرض والمال للحصول على دعم فوري. وبالنظر إلى الثروة الهائلة للفاطميين، فقد كان محظوظاً بامتلاكه موارد كبيرة تحت تصرفه.
لقد تصالح بسرعة مع البيروقراطيين الفاطميين، الذين أصبح بعضهم أعضاء مدى الحياة في دائرته الداخلية كي يتمكّن من تنفيذ من أنجزه. كانت السمة المميزة لحياته المهنية هي القدرة على تحديد أفضل الإداريين وتوظيفهم، بما يعني أنه أضحت لديه مجموعة موثوقة وموهوبة من حوله في الأوقات كافة. ليس من قبيل المصادفة أنه أشرف على الفور على إعادة المعايرة الأولى منذ عقود من المؤشر الضريبي الأساس، وكلّف بإجراء مسح رئيس للأراضي، ما يدل على اهتمام بالحكومة وبالموارد، وفهم ما هو متاح له وكيفية عمل البلد. تلك الثروات سمحت له أيضاً بممارسة ما سيصبح واحداً من أكثر سماته شهرةً وهي السخاء. إن الأموال التي أنفقت على رعاية شعراء المحاكم كانت حكيمة لأنها ستنقل مزاياه إلى العالم الخارجي. وبالمثل، فإن الدعم القوي للمؤسسات الدينية، كان فعالاً للغاية.
وأخيراً أظهر تفاعل صلاح الدين مع الطقوس التي تعود إلى قرون سابقة من قياس النيل وقطع القناة أنه حسّاس للعادات المحلية يمتلك ذكاءً يكفي لاستغلال الإمكانات الاحتفالية الهائلة لهذه الأحداث لصالحه. وفي حين أن صلاح الدين اشتهر برحمته، وعلى الأخص في القدس، فقد كان متوحشاً، وفق وصف الكاتب، في معاملته لرينالد من شاتيّون والأوامر العسكرية في حطين، إضافة إلى إصداره أوامر بإعدامات بعد معارك سابقة ضد الفرنجة وعقب مذبحة عكا. كما أخمد الثورات في مصر بقسوة كبيرة.

* The Life and Legend of the Sultan Saladin - The Bodley Head 2019. 478 Pages with several maps and illustrations. Jonathan Philips