لا نجد في المصادر العربية تحديداً مؤكداً لمعاني كل أسماء أصابع اليد الخمس. الإصبع الوسطى وحدها التي تملك اسماً بمعنى واضح ومؤكد. فالاسم آت من توسطها للأصابع الخمس. أما الباقي، فغير مؤكّد المعنى.

في هذه المادة، أحاول أن أحدد بحسم معاني بعض هذه الأسماء، وعلى الأخص السبابة. فاسم هذه الإصبع على وجه الخصوص غامض وإشكالي، ومحاولات تفسيره في القواميس غير مقنعة ولا تشفي الغليل. لكن قبل الذهاب إلى السبابة، علينا أن نذهب إلى الأصابع الثلاث: الخنصر، البنصر والإبهام.

دراسة لليدين للفنان النمسوي إيغون شيلي (ألوان مائية على ورق ــ 1913)


الخنصر
أما الخنصر فيبدو معنى اسمه واضحاً بشكل ما للقواميس العربية. فهو يعني البدء والأوليّة: «فلان تثنى به الخناصر أي يبدأ به. ولا تثنى به الخناصر أي لا يؤبه به» (الزمخشري، أساس البلاغة). يضيف اللسان: «يقال: بفلان تُثْنَى الخَناصِرُ، أَي تُبْتدأ به إِذا ذكر أَشكالهُ» (لسان العرب). يضيف الزبيدي: «وحكى اللّحياني: إِنّه لعظيم الخناصر، وإِنَّهَا لعَظِيمَةُ الخناصرِ، ثم جُمِع على هذا، وأنشد: وإِذَا الفَوَارِسُ عُـدِّدت أَبْطَالُهَـا/ عَدُّوهُ في أَبْطَالِهِم بالخِنْصِرَ. قال: أَي أَوّل شيءٍ يَعُدُّونه» (الزبيدي، تاج العروس). بذا فالخنصر هو أول الأصابع، ويبدأ العدّ به حين تعد شيئاً، أو حين تعد الأصابع. والمشكلة الوحيدة هي أنّ هناك من ادعى أن الخنصر هي الإصبع الوسطى: «الخِنْصَرُ: الإِصبع الصُّغْرَى، وقيل الوسطى، أُنْثَى، والجمع خَناصِرُ» (لسان العرب). لكن الغالبية الساحقة تعارض هذا.
وإذا عدنا إلى جذر «خنصر»، فسوف نجد أنه جذر ممات. فليس تحته أي كلمة سوى اسم هذه الإصبع. وهذا ما يجعلنا غير قادرين على فهم لمَ سمّي الخنصر بهذا الاسم. نعرف أنه يعني الأول، لكن لا يوجد اشتقاق له يؤكد هذا المعنى. بذا، فهو معنى مؤكد نابع من أن العرب كانت تبدأ العد بالخنصر.
بناءً عليه، لست أستبعد أن يكون الاسم استعارة قديمة من لغة أخرى.

البنصر
بعد الخنصر، تأتي إصبع البنصر: «البِنْصِرُ: الأُصبع التي بين الوسطى والخنِصِر، مؤنثة؛ عن اللحياني؛ قال الجوهري: والجمع البَناصِر» (لسان العرب). وهي مثلها مثل كلمة «خنصر» الكلمة الوحيدة تحت جذرها. بذا فنحن لا نعرف اشتقاقها ولا نعرف معناها. نعرف أن «البنصر» هو اسم الإصبع الثانية، لكن ليس أكثر من ذلك. عليه، فإما أن يكون جذرها العربي قد مات وسقط من الاستعمال، أو أن أصلها غير عربي. وهناك من يرى أن النون في بنصر زائدة: «البِنْصِر: إصبع معروفة، النون فيها زائدة» (ابن دريد، جمهرة اللغة)، أي أن جذرها «بصر». لكن لم يخبرنا ابن دريد من أي معنى من معاني جذر (بصر) أخذ هذا الاسم. بذا فليس هناك من دلائل على صحة هذا الفرض.

الإبهام
والرأي المتوفر بشأن هذا الاسم هو رأي الأزهري، الذي يبدو كأنه أخذه عن الزجاج: «وقيل للإِبهام الإصبع: إبهام لأنها تُبْهِمُ الكَفّ: أي تُطِبق عليها» (الأزهري تهذيب اللغة). لكنني أميل إلى أن الاسم له علاقة بالانفراد والابتعاد. فالإبهام يتخذ، كما نعرف، موقعاً مختلفاً عن بقية الإصابع، بحيث يبدو كأنه منشق عنها. والحقيقة أن جذر «بهم» يعطي معنى الانفراد والابتعاد. فالبهم أولاد الضأن تستفرد وتبعد عن أمهاتها: «يقال: هم يُبَهِّمون البَهْمَ: إذا حرموه من أمهاته فرَعَوْه وحدَه. قال: والبِهام: جمعُ بَهْم، والبَهْم: جمع بَهْمة، وهي أولاد الضأن، والبَهْمة اسمٌ للمذكّر والمؤنّث» (الأزهري، تهذيب اللغة).
إذن، فحين يحرمون صغار الدواب من أمهاتها ويرعونها وحدها تسمى البهم، أي المنفردة والمبعدة. ومثل هذا موقع الإبهام في الكف، فقد انفرد عن مجموعته وابتعد. وسمي الإبهام بناءً على ذلك.

السبابة
الاتجاه السائد في المصادر العربية أن اسم السبابة أتى من السبّ والشتم: «السبابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة؛ لأنهم كانوا يسبّون بها، فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسموها المشيرة؛ لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد» (تفسير القرطبي). ولأنها إصبع سبابة شتامة، فقد جرت محاولة لإبعاد كف الرسول وسبابته عن السب والشتم. إذ زعم أن سبابة الرسول كانت أطول من الوسطى. بالتالي، فهي لم تعد سبابة، أي شتامة: «وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى» (تفسير القرطبي). بذا فكف الرسول تنقض كل الكفوف، وتتخذ ترتيباً مختلفاً.
ومع أن القواميس كانت أكثر حذراً في تبني هذا التفسير، فإنها في النهاية سارت معه: «الدَّعَّاءة: الأَنْمُلَةُ يُدْعى بها كقولهم السِّبَّابة كأنها هي التي تَدْعُو، كما أَن السبابة هي التي كأَنها تَسُبُّ» (لسان العرب). ولم يقل اللسان هذا الكلام عند عرض جذر «سبب»، بل قاله في سياق الحديث عن الدعاءة، وهو اسم آخر للسبابة. وينقل اللسان ما ورد عند الجوهري حول الإبل المسببة: «إِبِلٌ مُسَبَّبَةٌ، أي خِيارٌ، لأنه يُقالُ لها عند الإعجاب بها: قاتَلَها الله» (الجوهري، الصحاح). بالتالي، فهو يأخذ بتفسير الجوهري العجيب الغريب!
على كل حال، فليس هناك من شاهد على صحة هذا التفسير السائد لاسم إصبع السبابة سوى شاهد واحد هو بيت شعر لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت. يقول اللسان عن هذا الشاهد: «قال عبد الرحمن بن حسان، يهجو مِسْكِـيناً الدَّارِمِيَّ: لا تَسُبَّنَّنِـي، فَلسْتَ بِسِبِّـي/ إِنَّ سِبِّـي، من الرِّجالِ، الكَرِيمُ ورجل سِبٌّ: كثيرُ السِّباب» (لسان العرب).
الاتجاه السائد في المصادر العربية أن اسم السبابة أتى من السبّ والشتم


يضيف القرطبي: «قال أبو عبيدة: السب (بالكسر) الكثير السباب. وسِبُّك أيضاً الذي يسابك؛ قال الشاعر: لا تسبنني فلست بسِبّي/ إن سبي من الرجال الكريم» (تفسير القرطبي).
والغالبية الساحقة مع هذا الفهم السائد للبيت رغم التناقض البادي فيه. إذ كيف يكون الكريم سِبّاً، أي سباباً شتاماً؟! هذا غير مقبول. وأنا أظن أن الوحيد الذي فهم هذا البيت فهماً صحيحاً هو ابن دريد: «فلان سِبُّ فلانٍ: أي نظيره، وأنشد: لا تسبنني فلست بسِبّي/ إن سبي من الرجال الكريم» (ابن دريد، جمهرة اللغة). إذن، فالسِّب ليس السّباب الشتّام السباب فقط، بل هو النظير والمكافئ أيضاً. وابن دريد فهم البيت انطلاقاً من المعنى الثاني. بذا فالبيت يقول لا تناظرني فأنت لست نظيري، بل أقل مني. أما نظرائي فهم الناس الكرام، وأنت لست منهم. وهذا يبطل التفسير السائد عن السب والشتم في السبابة إبطالاً نهائياً في ما أظن.
وبناءً على أن السِّب هو النظير، فيمكنني أن أقترح أن اسم الإصبع السبابة جاء من هذا المعنى. ذلك أن السبابة هي نظير البنصر. فهما متساويتان في الطول. وليس هناك نظيران حقيقيان بين الأصابع الخمس غيرهما. هناك نظيران في القصر هما الإبهام والخنصر. لكن إحداهما غليظة والأخرى رفيعة. وهذا ما يجعل تناظرهما ناقصاً. أما السبابة والإبهام فهما التناظر المكتمل. فهما تقفان مثل وصيفتين حول الإصبع الوسطى.
وهكذا، يمكن القول بأنه جرى إسقاط تهمة السب والشتم عن السبابة. فهي إصبع محترمة، تدعو وتشير. تقول للسيّئ: أنت سيّئ في عينه، لكنها لا تسبّ أحداً.
عليه، فلدينا: الخنصر الذي هو الأول، ثم البنصر الذي لا نعرف معنى اسمه، ثم الوسطى، ثم النظير الذي هو السبابة، ثم الإبهام المنفرد المبتعد عن القطيع.

* شاعر فلسطيني