ليس لكلمة fiction الإنكليزية، ولمثيلاتها في اللغات الأجنبية، مقابل عربيّ دقيق. لن تفيدنا كلمة «أدب» أو «سرد»، لأنّ «فكشن» تتّسع لمعنيَيْ الكتابة التخييليّة والخيال في آن. الكتابة مرتبطةٌ بالخيال، بل لعلها هي الخيال؛ فحتّى الكتابة «الواقعيّة» تخييليّة بصرف النّظر عن مدى صدقها ووثائقيّتها. لا بدّ من خيال كي تكتمل الكتابة وتبتعد من مجال الوثيقة الجافة والتقارير الرسميّة. ولكنْ مع تعاظم الكتابة الواقعيّة، تقلّصت حصّة التّخييل لصالح «الصدق»، إلى درجة بات فيها كلُّ خياليٍّ يعني زيفاً، أو ابتعاداً من الواقع/ الحقيقة. ولكنّ حصة الخيال حافظت على هيمنتها في الأدب الذي انسحب إلى الهامش: الأدب البوليسيّ، الخيال العلميّ، الرعب، الفانتازيا، وغيرها، التي اختُصرت في مصطلح «أدب الجانْر». نادرةٌ هي المحاولات الناجحة لمزاوجة هذين النوعين الأدبيّين، وبذا صار لكلّ نوع جمهوره وقراؤه، وصار لكلٍّ منهما نقّاده أيضاً. صار من «الطبيعيّ» ألّا نطلب من كتّاب الجانْر أن يكونوا تولستوي مثلاً لأنّهم يكتبون في عالم متباين عن عالمه، لكنّنا نلجأ إليهم حين نريد الخيال؛ وحاجتنا إلى الخيال جوهريّة كحاجتنا إلى الحب وإلى الهرب. نحتاج إلى الهرب من عالمنا، فنلجأ إلى الخيال، وهي ليست حاجة نافلة أبداً.



هذا بالضبط ما أرادته بطلتنا الصغيرة في نوڨيلا نيل غايمان «كورالاين» (منشورات «تكوين» ــــ الكويت) التي قدّمها لنا هشام فهمي في ترجمة ممتازة، مواصلاً بها مشواره في تقديم أدب الجانْر إلى القارئ العربيّ. تودّ كورالاين أن تهرب من عالمها الخانق، ومن رتابة والديها وعالميهما، فتورّطنا معها في رحلة هربها تلك. الفارق هو أنّ كورالاين عاشت هذا العالم فيما نحن نقرؤه خيالاً. وفي هذا الفارق بالذات، نلتقط معنى الفن. تبدأ رحلة كورالاين من باب يُفضي إلى حائط مغلق، لكنّنا ندرك منذ البداية بأنّ هذا الباب سيكون مفتاح رحلتنا القادمة. المشكلة الأزليّة التي يعاني منها كتّاب الجانْر هي أنّ أدواتهم مكشوفة لأنّ الكتّاب الذين سبقوهم استخدموها. وستكمن البراعة في كيفيّة استثمار هذه الأدوات، وفي جذبنا إلى عالمٍ مختلف برغم إدراكنا بأنّه سيكون مختلفاً. حين تُدير المفتاح في الباب، سنترقّب هذا الاختلاف. ولكن ليست كلُّ الأبواب سواء، ولذا ما من داعٍ إلى المقارنة مع «أليس في بلاد العجائب» لأنّها مقارنة مجحفة بحق كورالاين وكاتبها على السواء، مع أنّ غايمان وقع أحياناً في فخ استنساخ أليس، ولكنّ كورالاين أذكى فجنّبته وجنّبتنا خيبة المقارنات.
تهرب كورالاين من الرتابة ومن عالم «لا» إلى عالم يبدو أجمل لأنّه عالمٌ ينتظرها هي بالذات. ستتحقّق أحلامها ورغباتها وخيالاتها كلّها، لأنّه عالم «نعم» المغري. ستجد أماً أخرى وأباً آخر وبيتاً آخر وجيراناً آخرين، لكنّهم في الوقت ذاته يشبهون أمها وأباها وبيتها وجيرانها الأصليّين. براعة غايمان هي في مزج العالمين بحيث تضاعفَ تردُّد كورالاين، وتضاعفت حيرتنا بشأن العالم «الأصليّ» بين هذين العالمين. أين العالم الموازي حقاً؟ هل هو عالم الرتابة الخانقة، أم عالم الأحلام التي توشك على التحقّق؟ عالم ما وراء الباب شديد الإغواء. الطعام أشهى، الحيوانات تنطق، الألعاب أجمل. المشكلة الوحيدة أنّ سكّان هذا العالم استبدلوا أعينهم بأزرار. والدان بأعين طبيعيّة ولكنّهما مشغولان على الكمبيوتر ويتفنّنان في قول «لا» لابنتهما، أم والدان يلبّيان كلَّ ما ترغب ولكنّ أعينهما أزرار؟ إغراء «نعم» أقوى، ولا مشكلة في الأزرار. هذا ما تكاد كورالاين تختاره لولا أنّها تنبّهت فجأةً إلى أنّ هذا العالم الحُلُميّ لا أحلام فيه. ما معنى الفردوس إنْ لم تكن قادراً على الحلم، إنْ تحقّق كلّ ما تريد؟ تلاشي الخيال في هذا العالم الخياليّ يعني كابوساً بالضرورة. وهنا بدأت رحلة كورالاين.
تنتمي رواية «كورالاين» إلى أدب «الجانْر»


حين تعي كورالاين أنّ خيار «نعم» ليس خياراً حقاً، بل هو الخيار الأوحد، ستُدرك أنّ عالم الرتابة القديم أجمل لأنّ خياراته أكثر. وهنا ندخل الكابوس الفعليّ. ليست الأزرار مشكلتَنا الوحيدة في نهاية المطاف، بل إنّنا في عالم ينتزع منك روحك وإنسانيّتك ومعنى بشريّتك. نرافق كورالاين في مغامرتها الشرسة الآن، في رحلة مقاومتها لسيّدة ذلك العالم الكابوسيّ. الرحلة طويلة، طويلة لدرجة أنّنا أحسسنا بالملل أحياناً، ولكنّ كورالاين تنتصر وتعود إلى عالمها. تتضاعف خيبتنا لهذه النهاية غير المنطقيّة بعد الإملال الذي فرضه علينا غايمان، لولا تنبُّهنا فجأةً إلى أنّ الكتاب لم ينته بعد. هذا ما ندركه نحن، وتجهله كورالاين. لا يمكن لك الهرب من الكابوس تماماً، لأنّه سكنَك ولو مؤقتاً، وعلقت آثاره بك. وهنا تبدأ الفصول الأخيرة التي غفرنا فيها لغايمان حين أدركنا أنّه نجح في خداعنا، لندخل الآن الرحلة الحقيقيّة التي ستنتهي نهاية سعيدة طبعاً. طبعاً؟ لسنا متأكدين لا نحن ولا كورالاين برغم هدوئنا النسبيّ وعودتنا إلى الرتابة الجميلة ورفض طلباتنا.
صحيحٌ أنّ والديها صارا ألطف وأكثر حناناً، وصحيحٌ أنّها حظيت بقطٍّ جميل رافقها في مغامراتها بين العالمين، وصحيحٌ أنّها باتت أقرب إلى جيرانها الذين أدركوا نطق اسمها الصحيح (كورالاين لا كارولاين من فضلك!)، وصحيحٌ أنّها صارت تتقبّل أشياء ما كانت تتقبّلها قبل مغامرتها، كأن تأكل بيتزا رديئة أعدّها أبوها، ولكنّ الكابوس لم ينتهِ تماماً (لا، كابوس آخر غير البيتزا الرديئة)، أو على الأقل لا نعلم إنْ كان قد انتهى حقاً، لأنّ الخيال موجود. وطالما أنّ الخيال موجود، فهذا يعني أنّ الخيارات مفتوحة كلّها. ولعلّ هذا ما تريد نوڨيلا «كورالاين» أن تقوله: هناك أحلام وهناك كوابيس في المقابل، هناك «لا» وهناك «نعم»، وهناك أبواب، أبواب كثيرة تُفضي إلى عوالم كثيرة. أيّها أفضل؟ ليس مهماً طالما أنّ بوسعك أن تهرب حين تشاء وتعود حين تشاء وتَقْبل حين تشاء.