«لا أدري إن كنتُ فعلاً محظوظاً أو سيئ الحظ. لقد اختلط عليَّ الأمر». بهذه العبارة يُنهي الكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي روايته الأخيرة «غاسل صحون يقرأ شوبنهاور» (دار الآداب). العبارة تصلح لكي تكون سؤالاً موجَّهاً من «نوح» الشخصية «المَلِك» في الرواية إلى محمد جبعيتي القارئ والكاتب معاً، فالنصّ الذي حملَ على ظهرِه طيفَ شوبنهاور أوقعَ الكاتب في شباك أهدافه، وأحيانا في أكثر من شركْ.



بداية الرواية التي تتكون من 24 فصلاً، كانت برسم «نوح»، الشخصيَّة الرئيسة فيها، من المستقبل إلى الماضي وصولاً إلى الحاضر، ما جعل النصّ أشبه بمجموعة قصص قصيرة مضغوطة في قرص مدمج أدبيّ رديف لرواية تدخل من باب إهداء غير مألوف، لتمرّ بهامش مشبع بلامبالاة صاحبه، وصولاً إلى صيف ٢٠١٧ حيث يتكوَّن وعي القارئ بشكل ضبابيّ شبيه بمريض استيقظ للتوّ من غيبوبة طويلة، ليرى نفسه مشدوداً نحو قطار سرديّ سلس منساب من أحداث وأخبار قابلة للحدوث مع أيّ كان، ومن ذلك استرجاع «نوح» لما راودَه من مصائر عام ٢٠١٣: تخرّجه الجامعيّ، دخوله في مرحلة البطالة، ممارسة المهن الشاقة، إلخ... كلها كانت دافعاً إضافيّاً للولوج في دهاليز الرواية، واستقطاب القارئ الشاب بشكل خاصّ. «أخذ يضحك من جديد ساخراً: أتظنُّ حياتك على قدر كبير من الأهميّة؟ لستَ سوى خرّيج جامعيّ بائس، عاطل عن العمل. ما هي الأحداث العظيمة التي مررتَ بها؟ قصصُ حبّ فاشلة» (ص 16).
يُضافُ إلى ذلك نجاح الكاتب في نظم الأحداث، وضبط إيقاع النصّ، وحبكِهِ بطريقةٍ واقعيّة «مهندَمة» من دون الحاجة إلى الإفراط في الشعريَّة أو استعراض منسوب مخزونه الثقافيّ. جبعيتي أرادَ من خلال سرد قصّته في نابلس وبيزريت وأريحا القولَ بأنَّ فلسطين رغم الاحتلال الغاصب هي في قلب العالم المتجدّد المكبّل بمظاهر العولمة والأزياء والتكنولوجيا والسياحة. داخل فلسطين رغم التعب وصوت الرصاص والتهويل، هواءٌ لا يخلو من السخريةِ والتراجيديا والشتائم والطرفةِ و«الحريَّة»، لتصبح شخصيَّة نوح هنا عبارة عن باص بشريّ متنقّل ينقل لنا تجربة كلّ شاب يحفر بأنامله حياةً في مكان آخر كما يقول ميلان كونديرا.
نجاح الكاتب في نظم الأحداث، وضبط إيقاع النصّ، وحبكِهِ بطريقةٍ واقعيّة


واللافت أيضاً في هذا النصّ ارتباط نوح ببطلات ثانويَّات مثل رهف، ودينا الصديقة والحبيبة والزوجة الهاربة أخيراً، وتركيز الكاتب على تأثيرهن إلى جانب وفاة الأم وتفاصيل صمم شقيقتَي البطل، بصرف النظر عن محمود المنقذ والمسعف ساعة اللكمات والضربات الموجعة. وإذا افترضنا أنَّ اللغة الفطريَّة والفصيحة الموزونة هي الجسر الذي نعبرُ من خلاله نحو الشرك الذي وقع به الكاتب، فإنَّ عنصر الخيال والسرياليَّة والضبابيَّة قيَّد الكاتب بحلقات مفقودة لا سيَّما حين نفَّذ نوح عمليَّته ضدّ المستوطنين وغاب عن شاشة الإدراك. هل هذا حكماً هذيان أم واقع؟ وإذا كان الاحتمال الأخير صائباً، فما هي تفاصيل التفاصيل؟ وهل عجز الكاتب ذو السرديَّة المتينة عن طرحها؟ إضافة إلى ظاهرة تساقط النساء من السماء وارتباطها بأحلام بطل الرواية والصخرة والحديقة ونبوءات دينا التي تزيد من الأسطوريَّة، وتبعدنا عن لهفة قراءة الواقع والبحث عن شوبنهاور داخل الرواية، لنصل إلى نهاية الرواية المفعمة بالشوق وانحدار الصدمة وتوقعها حين اختُتِمت الرواية بزواجٍ سعيد وسنتمتر إضافيّ يُبقي نوح مجدَّداً على قيد حياة قابلة للتكرار. ويبقى السؤال الذي ينبغي طرحه على الكاتب في الختام: هل يتعلق القارئ بخيط السعادة في النهايات أم أنَّ الكاتب هو من يربطها حول خناقه؟ وهل فانتازيا الأحلام والأوهام هي إجابات تبعدنا عن رؤية جبعيتي للحياة من خلال بطلٍ كان ذات صفحة غاسلاً للصحون؟