يُعدُّ عنوانُ كتابِ المؤرّخ والمفكر الجزائري الراحل محمد أركون (1928-2010) «حين يستيقظ الإسلام» الذي انتقل أخيراً إلى العربية (دار الساقي، نقلهُ عن الفرنسية هاشم صالح، طبعة أولى 2019 ) عنواناً إشكالياً يفتح الشهيّة على النقد والقراءة. فالعنوان، بحدّ ذاته، يفترض أن الإسلام لا يشير إلى المنظومة العقدية الشعائرية التعبدية بمعزل عن المجتمعات المسمّاة راهناً مجتمعات إسلامية، بل يحيل إلى معطيات حيوية كامنة غير مرئية يستبطنُها هذا الإسلام طوراً بعد طور. معطياتٌ تتمركز حول النص القرآني/ الوحي، وتستدعي على الدوام التفكيرَ في ماهية النظرية المعرفية التي يمكن أن تستنبط في المجال الاجتماعي الإسلامي، فضلاً عن التساؤل الدائم عن طبيعة نظرة المسلمين، أفراداً ونخبةً ومثقفين، إلى ذواتهم وإلى دينهم لا كمعطى إيمانيّ فقط، بل كإمكانية انخراطيّةٍ في منظومة المعارف والعلوم الإنسانية الحديثة الغربية المنشأ. نصوصُ الكتابِ المجموعةُ، بحسب صاحبة التوطئة وهي زوجة أركون ثريا اليعقوبي، تشكل جزءاً محدّداً من آخرِ ما كتبَ أركون واشتغل. كلّ فصل/ نصّ يغوص في مواضيعَ طالما وردت في أشغال الكاتب ومؤلفاته السابقة، وتحديداً ما يتّصل بمفهوم الإسلام المعاصر وقضايا التجديد والإصلاح وكيفية الخروج مما يسمّيهِ أركون «السياج التشريعي الدوغمائي» الذي يكبّل هذا الإسلام. أما المضافُ في ما بين أيدينا، فهو تطرُّق النصوص لمجال علم النفس عبر نصّ الفصل الثالث من الكتاب، وهو نصّ ناتج جزئياً عن مداخلة ألقاها في مؤتمر فاس الثاني الذي نظّمته الجمعية اللاكانية الدولية للتحليل النفسي أيار (مايو) 2006، وكذلك تطرُّقها إلى وضع المرأة في التشريع الإسلامي.



يتميّز فكر أركون في مجمل كتاباته، وعلى نحو ما هو ظاهرٌ في متن هذه النصوص، بالقدرة على تحشيد كمّ من الطروحات والخلاصات التي أنتجتها العلوم الإنسانية في الغرب، في سبيل أشكلة المسلّمات التي تهيمن على واقع الإسلام والمسلمين. والأشكلة ليست، في العمق، إعادة إنتاج تساؤلات النهضة المتصلة بثنائيات تقدم الغرب وتخلف المسلمين أو تساؤلات التجديد، بل إن الأشكلة تتمحور عند أركون في الحفر أبعد من تلك التساؤلات وعلى غير صعيد. يطرح أركون مثلاً إمكانية «تفكير الإسلام» عبر تدشين المدونة الإسلامية الكبرى الجامعة عبر فحص وتجميع المدونات الأرثوذوكسية الثلاث الكبرى. لكنّ هذا التدشين سوف يكون مُتصوَّراً عند أركون من خارج ترسيمات وتحديدات المؤسسة الدينية الرسمية، في سبيل استكشاف إمكانيات المدونة الجامعة المتجدّدة في فضاءٍ إبستميٍّ مختلف عن الفضاء القروسطي الذي نشأت وتبلورت في طيّه هذه المدونات.
عملياً، لا يمكن لقارئِ أركون إلّا أن يراودَه السؤالُ الإشكالي التالي: ماذا يعني أن يكون المرءُ مسلماً اليوم؟ أو كيف يكون الإنسان مسلماً في المجتمعات المسمّاة إسلاميةً اليوم؟ إنّ تفكير الإسلام Penser l’islam تركيبٌ يختصر، ربما، الهمّ الأركُوني، كتابة ونقداً، في الانشغال بماهية النص القرآني وامتداداته المتشعبة. لقد فصّل صاحب «قراءات في القرآن» طوال عقود، وربطاً بما مرّ أعلاه، في مسألة الحاجة الماسّة إلى ما يدعوه «انتزاع الإسلام من عزلته المفهومية»، أي وضع الإسلام كنص موحى به، وكمدونات عقدية فقهية مقفلة على محك العلوم الإنسانية الحديثة، لا سيما اللسانيات والسيميائيات في سبيل كشف الآليات النصّيّة الداخلية بأبعادها الرمزية وأنماط اشتغالها في الفضاء الاجتماعي العام، وذلك كي يُصار إلى فهم كيفية تشكّل الأرثوذوكسيات الدينية الإسلامية (سنية، شيعية، خارجية) التي تبدو في ظاهرها متناقضة إلّا أنها تعكس، في العمق، طرائق شبه متماثلة في خلق المقدس وتزخيم الرؤية الأسطورية الرمزية حوله وتجيير طاقة المخيال الاجتماعي في سبيل تدشين محظوراتٍ في شتّى الحقول المعرفية يعسرُ تجاوزها. يعدُّ مفهوم الإصلاح مفهوماً إشكالياً ملحّاً على كلّ مفكر في الإسلام. في هذا السياق، يطرح صاحب «تأصيل الأصول في الإسلام» السؤال المركزي التالي: هل نستطيع التحدّث عن نموذج أعلى للإصلاح؟ لا يغيب عن بال أركون أن النماذج الإصلاحية الإسلامية (محمد عبدة مثالاً لا حصراً) رغم استيعابها لمنجزات وإيجابيات النهضة الغربية لم تستطِع الخروج من فكرة استعادة النموذج النبويّ المكتمل عند كل مقاربة للإسلام. مثلُ هذه الاستعادةِ تغفل المنهجية التاريخية، أو بتعبير آخر تغفل التراكمات التاريخية المرئية وغير المرئية، ما يجعل كلَّ استعادة للنموذج الأول تقعُ في فخ التزييف. فالشروط التاريخيّة والنفسية والاجتماعية للعصر الراهن تختلف عن شروط الماضي، أو بتعبير آخر، إن لكلّ حقبة إبستيميتَها الخاصّة ورهاناتها الفكرية التي لا تنتمي بالضرورة للحقب السابقة. يضيء ملحقُ الكتاب (مقابلة أجرتها تسعديت ياسين مع المؤلف ونُشرت سنة 2000) على المجتمع القبائلي في الجزائر وتحديداً إشكالياته المجتمعية الداخلية وأنماط اتصاله بالحداثة. هنا، يحاول أركون فهم منابع التقديس التي أحاطت بالأولياء الصالحين في منطقة القبائل، ونعني المرابطين الذي وفدوا إلى المنطقة من المغرب الأقصى قبل بضعة قرون واحتلوا نتيجة المكانة الدينية التدريسية ونطقهم العربية الفصحى واحتكارهم «المجال الأخروي» موقعاً مرموقاً ينماز عن موقع السكان الأصليين.
«تفكير الإسلام» تركيبٌ يختصر، ربما، الهمّ الأركُوني، كتابة ونقداً

على أنّ صاحب «العلمنة والدين» يعترف في سياق الحديث عن مجتمع القبائل بالحاجة إلى التوسع في دراسة هذه الظاهرة، ومرةً أخرى بوضعها على محك المنهجيات الحديثة في الرؤية إلى مثل هذه الجماعات الأصلية، لمعرفة الآليات العميقة لتشكل الثقافات الشعبية القبائلية (الأمازيغية) واشتغالِها (وهي تقاليد سابقة حتى على الإسلام) مخلّطةً بالوافد الدينيّ التشريعي؛ «وبما أنهم يعرفون القراءة والكتابة والحساب وتلاوة القرآن ونسخه، اكتسبوا نوعاً من الهالة أو الكاريزما لدى السكان ذوي التراث الشفهي الذين لا يعرفون القراءة والكتابة (...) وهم يتمكّنون بسهولة من لعب هذا الدور لأنهم لا ينتمون إلى العصبيات السلالية المحلية عصبيات اللحم والدم (...) يتحدثون باسم شرعة الله ونبيه وحكمهما. وهي شرعة محترمة بل مقدسة عند الجميع. هذه الآليات والوظائف الشغالة انتشرت في كل الفضاء المغاربي بفضل توسع الطرق الدينية المرتبطة بأساليبَ شتّى وبمعلمين مؤسّسين مشهورين بأنهم «متصوفون» (ص228)». في المجمل، يضعنا أركون كقرّاء عربٍ، كلّ مرّة، أمام غزارةِ منهجيات أكاديمية يرى أنها ممرّ إلزامي في وقتنا لتعقّل ظاهرةِ النص المركزيّ المؤسِّس (القرآن) والنصوص الرديفة في التراث الفكري العربي، سواءٌ المنهجية التاريخية أو الاجتماعية السوسيولوجية أو الأنتروبولوجية أو اللاهوتية النقدية. إلّا أن هذه المنهجيات على أهميتها تظلّ تطرح في ذهن المتلقّي الإشكالية المركزية العميقة ونعني إشكالية القطبية الأكاديمية الغربية (التمركز)، وبالتالي مشكلة الرؤية الذاتية لنصوص التراث الكبرى عبر منظار هذه الوضعية التي تقيم فيها الذات ذات(نا)، تحت مسمى الحيادية والموضوعية، في موضع من شأنه أن يطمس مراراً وتكراراً مساحاتٍ غيرَ مرئية قد لا تقوى هذه المنهجيات على الإحاطة بكلية دلالاتها، لأنها مساحات متّصلة على نحو وثيق بالتشكُّل الهويّاتي العميق للشخصية العربية الإسلامية في سياق ميتا-تاريخيّ إيمانيّ باطنيٍّ بالغ الخصوصية، وهو تشكُّل شعوري سيّال وخلّاق قائم في الاتّصال الشعوريّ المخصوص بالبنية اللغوية النصيّة الفائقة.