ستبقى أيّ محاولة لكتابة تاريخ ألمانيا بين الحربَين مشياً في حقل ألغام. فمن جهة يُفترَض بالمؤرّخ الموضوعيّة، ومن جهة أخرى لا بدّ لهذه الموضوعيّة من نتيجة محسومة سلفاً: ألمانيا المتّهم الأول والأخير في إشعال فتيل الحربين، والمتّهم الأوحد في صعود أدولف هتلر إلى السلطة. سينتأ السؤال المحرج الهامس: أيّ موضوعيّة تلك طالما أنّ النتائج مُحدَّدة مسبقاً؟ سيردّ المؤرّخون: اعتمدنا على وثائق وشهادات. هذا صحيح قطعاً، ولكنّ الوثيقة والشّهادة خاضعتان لتأويلات عديدة بالضّرورة. وفي ظل غياب تأويل الطرف الخاسر للأحداث، ليس أمامنا إلا القراءة الحذرة لأيّ كتاب أو وثيقة. وبسبب استحالة تسليط أيّ ضوء ولو شحيح على تأويل الطرف الآخر، تفادى المؤرّخون محيطات دماء الحربين، وهربوا إلى الفترة التي سبقت وصول هتلر إلى الحُكم، بهدف دراسة الأسباب التي مكّنته من الفوز بديمقراطيّة لا تشوبها شائبة.



هل يمكن للناخبين انتخاب شخص سيئ وعنصري وشرير ودموي ودكتاتوري... إلخ؟ الإجابة بكل بساطة: نعم. ومن هنا تنبع أهميّة كتاب المؤرّخ الأميركيّ بنجامن كارتر هِت «موت الديمقراطيّة: صعود هتلر إلى السلطة وسقوط جمهوريّة فايمار» الذي صدر أخيراً عن دار «فواصل» بترجمة عدي جوني. يقوم الكتاب على فكرة بسيطة: أيامنا هذه تشبه ثلاثينيّات القرن العشرين، ولذا لا بدّ من دراسة تلك السنوات البعيدة كي نحاول فهم أيامنا التي تشهد صعوداً جديداً لليمين المتطرّف وللنّزعات الشوفينيّة في ظل هدير موجات هائلة من اللاجئين في أوروبا.
لا يتناول الكتاب جمهوريّة فايمار (رمز الديمقراطيّة الأسمى في تاريخ ألمانيا وأوروبا) بل أواخر أيامها؛ وبالتحديد بين حدثين كبيرين: حريق الرايشستاغ (البرلمان ـــ 27 شباط (فبراير) 1933) و«ليلة السكاكين الطويلة» (30 حزيران/ يونيو 1934). يؤرّخ هذان الحدثان لبداية فترة حُكم هتلر، مستشاراً لألمانيا أولاً في كانون الثاني (يناير) 1933، وصولاً إلى إحكام قبضته على منصبي المستشار والرئيس معاً في آب (أغسطس) 1934، حين بدأ رسمياً حُكم الرايش الثالث الذي وضع آخر مسمار في نعش جمهوريّة فايمار. ثمة استعادات موجزة للحرب العالميّة الأولى وبداية تشكُّل أفكار هتلر، وأضواء خاطفة على «عمليّة فالكِري»: المحاولة الفاشلة لاغتيال هتلر عام 1944. مع تفاصيل متشعّبة كهذه، كان لا بدّ من الانتقاء، لذا بدا الكتاب بفصوله الثمانية كأنّه ثمانية مشاهد في فيلم تسجيليّ يلتقط تفاصيل متناثرة ترسم بمجموعها صورةً شاملةً بعض الشيء لألمانيا فايمار وما بعدها. مشكلة هذه الطريقة هي المجازفة بانفراط التناغم أحياناً بين تلك التفاصيل بحيث لا يفهم القارئ غير المطّلع نقاطاً كثيرةً في دوّامة الأسماء والتواريخ المدوّخة. ولذا تبدّى التخبّط أحياناً بين مقدّمات الفصول التي تستلهم السرد الروائي في لقطات شفيفة منتقاة ببراعة لشخصيات وأحداث، وبين الفصول نفسها التي نحت إلى أسلوب جاف أحياناً غير بعيد من الأسلوب الأكاديمي الذي يسم معظم الكتب التاريخيّة، على الأخص بسبب خلوّ متن الكتاب من الحواشي التي فضَّل الكاتب إزاحتها إلى ملحق في نهاية الكتاب بحيث اختلطت أفكاره مع أفكار مَرَاجعه التي استند إليها.
تلك ملاحظات نافلة لا تقلّل من أهميّة الكتاب الذي يبرع مؤلّفه في تدوين ملاحظات ثاقبة عن الحرب العالميّة الأولى ومشاعر الألمان الذين أحسّوا بالغبن بعد هزيمتهم التي تضاعفت بسبب معاهدة فرساي التي كانت سبباً جوهرياً من أسباب نقمة ألمانيا على أوروبا وصعود التيّارات المحافظة والقوميّة ومنها «حزب عمّال ألمانيا القومي الاشتراكي» الذي اشتُهر لاحقاً باسم «الحزب النازي». ليست تلك القوميّة المتطرّفة وليدة أفكار هتلر وحده، بل تجسُّدٌ للنقمة الألمانية المتفاقمة طوال 15 عاماً، بحيث بدا هتلر بمثابة خلاص من هذه الرمال المتحركة التي أدخلتهم إليها الأحزاب الليبراليّة والأرستقراطيّة التي رآها الألمان خائنة حين ارتضى زعماؤها عار معاهدة فرساي المجحفة. وبالرغم من محاولات هِتْ تقديم توصيف موضوعيّ للأحداث، إلا أنّ بوسعنا أن نستشفّ انحيازه المتوقَّع إلى جنّة فايمار الليبراليّة، وانحيازاً أخطر إلى «عدالة» معاهدة فرساي التي يُقلِّل من وطأتها في مواضع عديدة، ويرى أنّ الألمان بالغوا في توصيف ظلمها، بل إنّهم لم يُبْدوا «أدنى امتنان» للفرنسيّين حين انسحبوا من الراين عام 1930.
ولكنّ ذلك الانحياز الجزئيّ لا ينسحب على تحليلات المؤلّف الصائبة حيال أسباب انتشار النازيّة لدى البروتستانت في المناطق الريفيّة، ولدى بروتستانتيّي الطبقة الوسطى المدينيّة. وكذلك الأمر بالنّسبة إلى تشريحه الدقيق للأحزاب الألمانيّة والمؤامرات الكثيرة المناصرة لهتلر والمناوئة له في آن التي يمكن لنا أن نستشف منها – على نحو غير مباشر – أنّ البديل لن يكون أفضل بالضرورة. فالشيوعيّون لن يكونوا أقلّ دمويّة أو دكتاتورية من النازيّين لو وصلوا إلى الحُكم، والأرستقراطيّون لن يكترثوا للأزمة الاقتصاديّة الطاحنة التي أنهكت الألمان؛ أما ليبراليّو الوسط والديمقراطيّون الاجتماعيّون الذين لا يخفي المؤلّف انحيازه لهم، فقد أضاعوا الفرصة تلو الأخرى في تحالفات خاطئة وسذاجة سياسيّة، على عكس النازيّين الذين أتقنوا قراءة التحوّلات السياسية الداخلية والخارجية وقراءة مشاعر الناس وانتهزوا الفرص بحزمٍ دمويّ من جهة، وبذكاء بالغ حين استثمروا أحدث وسائل الدعاية في حملاتهم الانتخابيّة وفي الإعلام الذي كان بيد يوزف غوبلز، ملك البروباغندا السياسيّة.
تفاصيل متناثرة ترسم صورةً شاملةً لألمانيا فايمار وما بعدها


يشير المفكّر الإنكليزيّ أيزيا برلن إلى وجوب عدم التعامل مع النازيّين بكونهم مجانين، بل بكونهم بشراً يمكن لهم ارتكاب أفظع الجرائم مع بقائهم بشراً «طبيعيّين» وقعوا ضحيّة تضليلٍ هائل وأوهام فادحة وتلقينٍ خاطئ. هذا ما نجح فيه هِتْ بدرجة كبيرة، إذ تناول النازيّين بكونهم ألماناً وأوروبيّين ضمن ظروف استثنائيّة، ولكنّه غفل عن تبيان الصورة الأخرى الأهم: مشاعر الألمان أنفسهم أو مشاعر الأجانب غير الأوروبيّين الذين لم يروا الوحشيّة أو لم يكترثوا لها بقدر اكتراثهم للاستقرار الاقتصادي والوضع المعيشي. نجد تلك الصورة لدى الراحل عمر فرّوخ في سيرته «غبار السنين» التي دوَّن فيها مشاعره أثناء دراسته في ألمانيا هتلر بين عامي 1935-1937، حيث يركّز على التّنظيم والاستقرار، مقلّلًا من أهميّة القبضة القاسية للنّظام على الحريّة الشخصيّة، إذ يرى تلك القيود «نعمة على أصحاب الاستقامة في الحياة. وقد كان الجهاز الحكوميّ يخدم المواطن والغريب على أنّهما إنسانان». يتحدّث فرّوخ تبعاً لأخلاقه المحافظة ونفوره من السياسة، وهذا ما يتشاركه مع ألمان كثيرين بطبيعة الحال، ولكنّهم يتناسون الصورة الأكبر التي تضمّ ضحايا لا حصر لهم قُتلوا لأسباب واهية. الصورة الكبرى متاحة لنا اليوم، ولعلّنا نجد من يرسمها بلا أدنى تحفّظات.